في مواجهة أزمة المياه العالمية

بيتر روجرز
في مختلف أنحاء العالم، يتضاعف الطلب على المياه العذبة كل عشرين عاماً، ويرجع هذا إلى تزايد عدد السكان، والوفرة. ورغم ذلك فإن التلوث، وتغير المناخ، وتسرب مياه البحر إلى المياه الجوفية، من العوامل التي أدت إلى تضاؤل الإمدادات المتاحة من المياه العذبة بمعدلات مماثلة لتزايد الطلب. هل يعني هذا أن أزمة المياه العذبة على مستوى العالم أصبحت وشيكة؟
من حسن الحظ أن الوضع يبدو أقل خطورة. وهذا لا ينفي أن إمدادات المياه العذبة أصبحت في تضاؤل مستمر. وما لم نسارع إلى علاج هذا الأمر فقد تتعرض المجتمعات البشرية لاضطرابات عظمى.
يزعم العديد من الناس أن المياه تختلف عن غيرها من الموارد مثل النفط، وذلك لعدم وجود بدائل للمياه في أغلب الاستخدامات (وخاصة زراعة المحاصيل الغذائية). فضلاً عن ذلك فإن المياه تشكل مورداً ثابتاً في الأساس، رغم أنها من الموارد التي تجدد نفسها في كل عام.
إن الكرة الأرضية تحتوي على كميات مهولة من المياه، ولكن أغلب هذه الكميات يتألف من محيطات مالحة ومياه جوفية مالحة. وهناك مصادر ضخمة للمياه العذبة، ولكن أغلبها في هيئة طبقات متجمدة وكتل جليدية ضخمة، مع نسبة ضئيلة متاحة لاستخداماتنا المختلفة. فضلاً عن ذلك فإن إمدادات المياه العذبة شديدة التفاوت بين مناطق العالم المختلفة وداخل حدود البلدان، حيث تحدث الفيضانات وحالات الجفاف على نحو غير منتظم.
ويشكل ارتفاع درجة حرارة الأرض أحد العوامل الجديدة التي تؤثر على إمدادات المياه. ورغم جهلنا بالحجم الدقيق لهذا التأثير فإن العديد من العلماء يعتقدون أن معدلات الهطول السنوية للأمطار سوف تتزايد، ولكنهم يعتقدون أيضاً أن التقلبات الموسمية ومعدلات تكرار أحداث الطقس المتطرفة سوف تتزايد أيضاً. وهذا من شأنه أن يزيد من صعوبة استخدام البنية الأساسية اللازمة للتعامل مع الإمدادات الحالية، من سدود وخزانات وأنظمة معالجة وخطوط أنابيب، دون الحاجة إلى إدخال تعديلات ضخمة.
من كتابات أوائل المعلقين المعاصرين على دوافع النمو أو الانحدار الاقتصادي الاجتماعي ـ آدم سميث، وإدوارد جيبون، وتوماس مالثوس، وديفيد ريكاردو، وكارل ماركس ـ نستطيع أن ندرك أن الانزعاج بشأن استنفاد الموارد ليس بالأمر الجديد. وكان مالثوس و ريكاردو بصورة خاصة من أصدق هؤلاء المعلقين رؤية للدور الذي تلعبه عوامل مثل السكان والغذاء وموارد الطاقة في هذا السياق.
افترض مالثوس وجود معدل هندسي للنمو السكاني (مثل الفائدة المركبة على وديعة مصرفية) ومعدل حسابي (مثل الفائدة البسيطة على حساب مصرفي) لنمو إنتاج الغذاء. ويتقاطع هذان المنحنيان دوماً بعد بضعة عقود من الزمان، وعلى هذا فقد تنبأ مالثوس بانتشار المجاعات أو الصراعات العنيفة على نطاق واسع: حيث يحدث التوافق بين السكان والغذاء بفعل “البؤس، والحروب، والأوبئة، والرذيلة”.
أما ريكاردو فقد توقع “انحدار العائدات” على الاستثمار في الموارد، حيث يتم استخدام أفضل الموارد (أقلها تكلفة) أولاً، ثم تليها غيرها من الموارد تبعاً لترتيب الأفضلية. ثم تؤدي الزيادة في الطلب على الموارد إلى ارتفاع الأسعار التي سوف تستمر في الارتفاع إلى أن تصبح تكلفة الموارد أعظم من أن يتمكن من يحتاج إليها من تدبيرها.
لا شك أن هذه القيود كانت قائمة طيلة القرون الماضية، وحتى قبل أن يتحدث عنها مالثوس و ريكاردو بالتفصيل، ولكن الإنسان الحديث كان قادراً على التحايل على هذه القيود من خلال توسيع قاعدة الموارد (بالاستعمار) بهدف جلب الموارد الأرخص تكلفة؛ والبحث عن بدائل للموارد النادرة؛ وتحسين التقنيات على النحو الذي يسمح لنا باستخدام نفس القدر المتاح من الأراضي والموارد بكفاءة أعظم.
ولأن العالم أصبح اليوم أكثر عمراناً بالبشر، فقد باتت فرص التوسع في الإمدادات المادية من الموارد ضئيلة. والسؤال الحقيقي الذي يواجه كوكب الأرض الآن هو ما إذا كان بوسعنا أن نستمر في تحسين تقنياتنا في استخدام الموارد أو البحث عن بدائل أرخص. بيد أن نجاح الجهود المبذولة في هذا السياق طيلة القرنين الماضيين لا يعني بالضرورة استمرارها في النجاح. وهذا هو أُس المشكلة التي تواجه الموارد المائية العالمية اليوم.
ولكننا نستطيع أن نتجنب الأزمة من خلال تبني التعديلات الفنية والإدارية التالية:
** مقايضة المياه الافتراضية ـ كمية المياه التي يشتمل عليها إنتاج أحد المنتجات (الغذاء عادة) وشحنه إلى مكان آخر حيث يتم استخدامه. وهذا من شأنه أن يوفر على المتلقي استخدام المياه الخاصة به، والتي يستطيع ادخارها لأنشطة أعلى قيمة؛
** الحفاظ على مياه الري. لأن الزراعة تستهلك عادة ما يتراوح بين 75% إلى 90% من موارد أي بلد، فإن اكتساب 10% من خلال الكفاءة في استخدام مياه الري من شأنه أن يوفر نفس الكمية تقريباً التي تستخدمها مدن ذلك البلد وصناعاته. ومن بين الطرق الأخرى لتحسين كفاءة الري تطوير المحاصيل التي تنتج المزيد من الغذاء بنفس كمية المياه أو أقل منها. والأبحاث في مجال إنتاج مثل هذه المحاصيل الغذائية المعدلة وراثياً تجري على قدم وساق في العديد من أضخم البلدان التي تعاني من ندرة المياه، مثل الصين والهند؛
** استغلال طرق تحلية المياه المتطورة. نجحت التطورات الحديثة في مجال تحلية المياه المالحة في تخفيض تكاليف إنتاج الوحدة من المياه المحلاة إلى مستويات أقرب إلى تكاليف الحصول على المياه العذبة من الموارد الطبيعية (حوالي 0,05 دولار أميركي للمتر المكعب ).
** التوسع في تدوير مياه الصرف الصحي. إن المناطق الحضرية تتخلص عادة مما يقرب من 85% مما تستهلكه من المياه العذبة في هيئة مياه صرف صحي، وغالباً ما تصرفها إلى مسطحات مائية مجاورة. ومن الممكن معالجة هذه المياه واستخدامها لتغذية المياه الجوفية. والحقيقة أن تقنيات الصرف الصحي التي تستخدم كميات منخفضة من المياه، مثل مراحيض فصل البول والكَمْر الجاف، من شأنها أيضاً أن تساعد في تقليص الطلب على المياه في المناطق الحضرية إذا ما تم تطويرها على النحو المناسب؛
** وضع سياسات خلاقة في تسعير المياه التي تستخدمها المناطق الحضرية ومياه الصرف الصحي. إن حماية صحة الإنسان والبيئة أمر يصعب تقييمه أو تحديد سعر له، وذلك لأنها تشكل جزءاً من عوامل خارجية معقدة ترتبط باستخدام المياه. ولكن العديد من استخدامات المياه قد تستجيب على نحو أفضل للأسعار الأكثر كفاءة.
رغم أن تجنب أزمة المياه العالمية لن يكون بالمهمة السهلة، إلا أننا نمتلك بين أيدينا الآن السياسات والتقنيات التي إذا ما تم تطبيقها على النحو اللائق فقد تعبر بنا إلى بر الأمان في غضون العقود العديدة المقبلة، وحتى في مواجهة تزايد السكان وتعاظم ثرواتهم.
** بيتر روجرز أستاذ الهندسة البيئية في كلية الهندسة والعلوم التطبيقية بجامعة هارفارد


5 – 3 – 2009

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*