العالم العربي.. في انتظار كوارث بيئية مدمرة


عدد سكان العالم العربي يرتفع إلى 600 مليون نسمة بحلول 2050
– ارتفاع منسوب البحر متراً واحداً يؤثر على 42 ألف كيلومتر مربع من أراضي الدول العربية
– 500 متر مكعب من المياه سنوياً نصيب الفرد العربي بحلول 2015
– الدول العربية تشهد انخفاضاً نسبته 25% في سقوط الأمطار نهاية هذا القرن
– في العالم العربي 5% من تعداد سكان العالم لكن به 1% فقط من المياه النقية

تضرب عواصف ترابية العراق.. وتحدث سيول عاتية دماراً في المملكة العربية السعودية واليمن.. وارتفاع منسوب البحر يسبب تآكل الساحل في مصر.. الطقس الاكثر حرارة وجفافا يزيد من مشكلة ندرة المياه في الشرق الأوسط وهي أصلاً واحدة من أكثر مناطق العالم تعطشاً للمياه. يعاني العالم العربي بالفعل من تداعيات تتوافق مع توقعات التغير المُناخي. ورغم أن العلماء يحذرون من الربط بين أحداث معينة وارتفاع حرارة الأرض فإنهم يحثون الحكومات العربية على اتخاذ خطوات الآن للوقاية من كوارث مدمرة. وهناك فروق هائلة من حيث نصيب الفرد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في أنحاء المنطقة مع وجود النسب الأعلى في عدد من الدول المنتجة للنفط والغاز. وفي حين أن المنطقة ككل لم تساهم بصورة كبيرة نسبيا في الانبعاثات التراكمية للغازات المسببة للاحتباس الحراري فإنها واحدة من أكثر المناطق عرضة للتغير المناخي كما أن الانبعاثات في تزايد. وقال محمد العشري وهو رئيس سابق لصندوق البيئة العالمية ان عدم اتخاذ أي خطوات ليس خيارا مطروحا. ويقدم الصندوق المساعدة للدول النامية في قضايا المناخ وغيرها من قضايا البيئة. وقال “من طبيعة البشر الانتظار حتى حدوث أزمة حتى يبدأ التحرك… لن يكون من الملائم الانتظار حتى تحدث كارثة هائلة حقا تعاني فيها أعداد كبيرة من الناس بلا داع”. كما ستساعد إجراءات لمواجهة المشكلات البيئية في المنطقة على التعامل مع آثار مستقبلية لارتفاع حرارة الارض. وقال العشري “لنقل إن التعامل مع قضايا المياه سيكون له فائدة مزدوجة تكمن في الاستجابة لقضايا التغير المناخي وأيضا معالجة المشكلات الناجمة عن النمو السكاني وسوء الإدارة والضعف الشديد للمؤسسات المعنية بالمياه”.

المنطقة عرضة للكثير من الضغوط
وجاء في بحث لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي أن عدد سكان العالم العربي زاد ثلاثة أمثال إلى 360 مليون نسمة منذ عام 1970 وسيرتفع إلى نحو 600 مليون بحلول عام 2050 . ويقول البحث “في منطقة هي عرضة أصلا للكثير من الضغوط غير المرتبطة بالمناخ فإن التغير المناخي وآثاره المادية المحتملة الاجتماعية والاقتصادية سيزيد على الارجح من تفاقم هذا الضعف ما يؤدي إلى عدم استقرار على نطاق واسع” مضيفا إن الفقراء والفئات الضعيفة هي الاكثر معاناة. وتمثل ندرة المياه أكبر التحديات. فبحلول عام 2015 سيكون نصيب الفرد في العالم العربي أقل من 500 متر مكعب من المياه سنويا وهو مستوى يوصف بأنه ندرة حادة مقابل متوسط عالمي يزيد على 6000 متر مكعب للفرد. وجاء هذا التحذير في تقرير أصدره الاسبوع الماضي المنتدى العربي للبيئة والتنمية الذي قال إن امدادات المياه في المنطقة تراجعت إلى ربع مستويات عام 1960 . وسيزيد التغير المناخي من شدة الازمة في منطقة ربما ترتفع فيها الحرارة بواقع درجتين مئويتين خلال الفترة القادمة التي تتراوح بين 15 و20 عاما وأكثر من أربع درجات مئوية بحلول نهاية القرن طبقا لبيانات اللجنة الحكومية للتغير المناخي. وتظهر أرقام هذه اللجنة التي وردت في بحث برنامج الأمم المتحدة الانمائي أن العالم العربي شهد ارتفاعا غير متساوٍ في حرارة الهواء السطحي تراوح بين 0.2 درجة و2 درجة مئوية بين عامي 1974 و2004.

ندرة المياه أزمة العرب القادمة
وتمثل ندرة المياه وارتفاع مناسيب البحر حقيقة لكن وعي الشعوب في العالم العربي محدود جدا. وقال نجيب صعب الامين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية “ما زال الناس غير واعين بتلك الاثار… عندما تتحدث عن التغير المناخي يعتقدون أن الاثر سيحدث على القمر أو في بلاد أخرى” . واستشهد بصور الاقمار الصناعية من مركز الاستشعار عن بعد التابع لجامعة بوسطن تظهر أن ارتفاعا في منسوب البحر مترا واحدا سيؤثر على 42 ألف كيلومتر مربع من أراضي الدول العربية وهي مساحة تزيد أربعة أمثال عن حجم لبنان كما ستؤثر على 3.2 في المئة من سكان الدول العربية مقارنة مع 1.28 في المئة على مستوى العالم. وأردف قائلا “أظهرت دراستنا أنه خلال هذا القرن ستفقد منطقة الهلال الخصيب “الممتدة عبر العراق وسوريا ولبنان والاردن والاراضي الفلسطينية” كل مؤشرات الخصوبة إذا استمر الوضع على ما هو عليه حاليا” . ويأخذ الزعماء العرب قضية المياه على محمل الجد -حتى وان كان دافعهم وراء هذا هو القلق على مستقبلهم السياسي- لكنهم دائما ما يتركون شؤون التغير المناخي لوزرائهم. وقال حبيب الحبر المدير الاقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة “عادة ما يكون وزراء البيئة هم الاضعف في تلك الدول… السياسات موجودة لكن كثيرا ما نرى افتقارا إلى تطبيق أو تنفيذ للقانون”. وفي منطقة معرضة للصراعات وتديرها حكومات غير قابلة للمحاسبة بصورة كبيرة ونخبة تخدم مصالحها تؤدي المشكلات السياسية إلى جعل قضايا التغير المناخي وغيرها من القضايا الاجتماعية تتذيل قائمة الاولويات ولكنّ دولا مثل تونس والاردن وسلطنة عمان أكثر نشاطا من غيرها. وفي حين أن الاحوال الجوية تختلف في أنحاء العالم العربي فإن تراجع موارد المياه عادة ما يقابله زيادة غير متوازنة في أعداد السكان. ويقول تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية ان واردات المياه “الافتراضية” في صورة مواد غذائية وبضائع أخرى بلغت ما يعادل خمسة آلاف متر مكعب من المياه للفرد. وقد ودعت أغلب الدول العربية مبدأ الاكتفاء الذاتي في الغذاء منذ زمن طويل. وفي بعض الدول أجبرت أحوال الطقس وندرة المياه أعداداً كبيرة من السكان في دول عربية على ترك منازلهم. وتسببت موجة جفاف بدأت عام 2007 – والتي زادت حدة من خلال الزراعة المكثفة للمحاصيل التي تدر دخلاً كبيراً والمدعومة حكومياً- في نزوح مئات الالاف من السكان عن شرق سوريا. وفي اليمن تدفع ندرة المياه الكثير من المزارعين للتخلي عن أراضيهم والتوجه إلى المدن ما أدى إلى ارتفاع النمو السكاني السنوي في العاصمة صنعاء إلى ثمانية في المئة. وتظهر احصاءات الأمم المتحدة أن الهجرة عبر الحدود ربما تزيد حدة نتيجة التوزيع غير المتكافئ للنفط وغيره من الموارد في منطقة تضم دويلات ثرية وكذلك دولا ذات عدد كبير من السكان مثل مصر التي يقل دخل خمس أفراد سكانها البالغ عددهم 79 مليون نسمة عن دولار يوميا. وقال العشري “هناك توقعات سيئة متعلقة بالتغير المناخي والمياه والكثير من المسائل… يمكن الحد من كل هذا بالتخطيط” . وعندما سئل عن النصيحة التي يوجهها للزعماء العرب أجاب ” الوضع ليس ميؤوسا منه.. لكن لابد من البدء الان وإلا فإنه بعد 10 سنوات من الان سيكون الوضع أسوأ لان عدد السكان سيرتفع وستقل الموارد وستزيد الفجوة بين الاغنياء والفقراء”.

أكثر المناطق جفافاً على وجه الأرض
وتوقع تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية ان يواجه العالم العربي وهو من أكثر المناطق جفافا على وجه الارض وضع “ندرة المياه الحادة” بحلول عام 2015. وذكر التقرير ان العالم العربي يعيش بالفعل أزمة مياه ستتفاقم إذا لم تتخذ اجراءات مضيفا ان حصة الفرد تراجعت إلى ربع ما كانت عليه في عام 1960. وبحلول نهاية هذا القرن فإن الدول العربية قد تشهد انخفاضا نسبته 25 في المئة في سقوط الامطار وزيادة نسبتها 25٪ في معدلات التبخر وفقا لنماذج التغير المناخي التي استشهد بها التقرير. وذكر التقرير انه نتيجة لذلك فإن الزراعة التي تعتمد على الامطار في الري ستصبح مهددة حيث سيتراجع متوسط المحصول بنسبة 20٪. وتوجد 13 دولة عربية بين أكثر 19 دولة في العالم تعاني من ندرة المياه. وفي ثماني دول عربية يتعين على كل فرد من السكان استخدام 200 متر مكعب فقط من المياه سنويا. وقال تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية انه بدون اجراء تغييرات اساسية في السياسات والممارسات فإن الوضع سيتفاقم بتداعيات اجتماعية وسياسية واقتصادية خطيرة. وتتباين الاوضاع في أنحاء المنطقة لكن خلال خمس سنوات فإن العراق والسودان فقط سيجتازان اختبار شح المياه الذي جرى تعريفه على انه يزيد على 1000 متر مكعب سنويا للفرد مع افتراض ان الامدادات من تركيا واثيوبيا ستتدفق بالمستويات الحالية.

1% فقط من المياه النقية في العالم العربي
وتستهلك الزراعة 85 في المئة من الاستخدام العربي للمياه مقارنة مع المتوسط العالمي الذي يبلغ 70٪. وتبلغ كفاءة الري 30٪ فقط مقارنة مع المتوسط العالمي الذي يبلغ 45 في المئة. وذكر التقرير ان هناك إفراطا في استغلال المياه الجوفية ما يؤدي إلى تراجع كبير في خزانات المياه وتلوثها وتوغل مياه البحر في المناطق الساحلية. ويتم تصريف أكثر من 43٪ من فاقد المياه كما هي بينما يعاد استخدام 20 في المئة منها. ويوجد في العالم العربي ٥٪ من تعداد سكان العالم لكنْ به واحد في المئة فقط من المياه النقية المتجددة ولذلك يعتمد العديد من الدول العربية الخليجية بشدة على تحلية مياه البحر – فيما يمثل أكثر من نصف طاقة العالم على تحلية المياه. وذكر التقرير ان بعض المياه التي يتم تحليتها بتكاليف باهظة تستخدم في ري محاصيل منخفضة القيمة أو في ملاعب الجولف. كما ان نفايات وحدات تحلية المياه التي تستخدم تكنولوجيات مستوردة ملوثة للبيئة ترفع درجة حرارة مياه البحر وتجعلها أكثر ملوحة. ورغم شح المياه إلا انها تستخدم بإسراف في العالم العربي بسبب انخفاض اسعارها والدعم الذي يقلل التكلفة. ويقول التقرير ان المياه المجانية تعني اهدار المياه مشيرا إلى أن متوسط الاسعار التي يتم تقاضيها في المنطقة تغطي 35 في المئة من تكاليف انتاج المياه وعشرة في المئة فقط من تكاليف تحلية المياه. ويشير التقرير إلى أن الحكومات التي غالبا ما تركز على السعي لتوفير موارد مياه جديدة يجب ان تركز على تحسين ادارة المياه وترشيد الاستهلاك وتشجيع اعادة استخدام وحماية موارد المياه من التلوث ومن الافراط في الاستخدام.
الراية القطرية 20 نوفمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*