لدرء حروب مياه محتملة..هل يحتاج العالم إلى.. (مجلس أمن مائي) ؟

لدرء حروب مياه محتملة..هل يحتاج العالم إلى.. (مجلس أمن مائي) ؟
حسن عبد راضي
الحوار المتمدن 2008 / 6 / 25

حذر تقرير التنمية البشرية السابع عشر الصادر مؤخرا عن الامم المتحدة من أزمة مياه متفاقمة قد تؤدي الى نشوب حروب بين دول تتقاسم مجاري الأنهار ومصادر المياه كما حذر التقرير من ارتفاع عدد الوفيات الناجمة عن نقص في المياه او عن التلوث المائي، اذ بلغ مليوناً وثمانمئة الف (1800000) شخص سنوياً كما افادت تقارير نشرت لمناسبة اليوم العالمي للمياه ان العديد من الحوادث الحدودية المرتبطة بالمياه قد تتحول الى حروب مفتوحة بسبب النقص المتزايد في المياه وأشارت هذه التقارير الى ان ما يغذي النزاعات الحالية والمستقبلية على المياه، هي الأنهار الحدودية او تلك العابرة للحدود فضلاً عن الآبار الجوفية المشتركة التي ترفض الدول تقاسمها، ورأت مؤسسة الاستشارات الدولية “برايس ووترهاوس كوبرز” ان النزاعات ستزداد حدة بسبب نقص المياه الذي يتوقع ان يطال قرابة ثلثي سكان العالم في عام 2050 وسيكون الشرق الاوسط هو المنطقة الاكثر عرضة للتهديد بالعطش.
البترول والماء في الشرق الأوسط
شهد القرن العشرون حروباً كثيرة، كبرى وصغرى وكان البترول ومحاولات السيطرة على منابعه سبباً للكثير من هذه الحروب لاسيما في منطقة الشرق الاوسط التي تنطوي على مفارقة لافتة هي كون هذه المنطقة أكبر مخزن للبترول في العالم وهي في الوقت نفسه أكثر مناطق العالم ندرة في المياه، ويعلق أحد الدبلوماسيين الغربيين في اشارة لاذعة قائلاً:(إن الدول الغنية بالبترول في المنطقة كلما حفرت بحثاً عن آبار المياه صادفت آباراً للبترول)، ومع ذلك فان ثمة فرقاً هائلاً بين البترول والمياه،كما تشير الى ذلك سونتيا ناريان رئيسة مركز العلم والبيئة في نيودلهي، الحاصلة على جائزة معهد ستوكهولم للمياه عام 2005 اذ ترى ان البترول سلعة قابلة للنفاد وهي في طريقها اليه، على العكس من المياه التي تعد متجددة وغير قابلة للنفاد، من هنا يميل عدد من الباحثين ومنهم ناريان الى الاعتقاد بأن التوقعات بنشوب حروب مياه هي توقعات مبالغ فيها كما يذهب الى ذلك كل من فرانكلين فيشر وأنيت هيوبرلي.

نظرية فيشر وهيوبرلي في رسملـة المياه
اعدت جامعة هارفارد الاميركية قبل سنوات عديدة دراسة اسهم فيها عدد من الباحثين والخبراء الاميركيين والفلسطينيين والاردنيين والاسرائيليين وأشرف عليها فرانكلين فيشر عضوالادارة الاقتصادية لمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا وأكدت هذه الدراسة ان حجم نقص المياه في المنطقة لايبرر نشوب نزاعات في المستقبل شريطة أن تنتهج دول المنطقة انموذجاً اقتصادياً يقوم على تسعير المياه وتداولها كأي سلعة أخرى اي تحويل المياه الى بورصة، اذ تقدر القيمة الحقيقية لكميات المياه المتنازع عليها(مثلاً) بين الاردن واسرائيل والاراضي الفلسطينية بنحو 110 ملايين دولار سنوياً ترتفع الى نصف مليار دولار بعد عام 2020 وهو مايقل عن تكاليف تحلية المياه التي تحددها الدراسة بأقل من دولار للمتر المكعب الواحد، وتأسيساً على تلك الدراسة فقد صدر عن معهد ستوكهولم الدولي للمياه دراسة لكل من فيشر وأنيت هيوبرلي بعنوان”الاصول السائلة..منهج اقتصادي نحو ادارة المياه وحل الصراعات في الشرق الأوسط”وخلاصتها أن مايجري الآن هو أن يتنافس خصمان على مصدر للمياه متنازع عليه ويزعم كل طرف ملكيته الكاملة له غير انه حين يتم التركيز على القيمة الاقتصادية للمياه والتعامل معها على انها سلعة قابلة للاتجار فان الأطراف المتنازعة تدرك على الفور ان فوائد التعاون تفوق التكاليف الناتجة عن التنازع على ملكيته.
وينظر خبراء عرب الى هذه النظرية بعين الريبة اذ يرون أنها ستؤدي الى مشاكل اقتصادية كبيرة في المنطقة فالدول النفطية يمكنها ان تدفع مقابل حصولها على الماء الآن وبأسعاره المقترحة لكن ماذا عن اقتصاديات الماء المستقبلية التي ستخضع بالتأكيد لعاملي العرض والطلب فضلاً عن خضوعها لمقتضيات المصالح السياسية والاقتصادية للدول هذا بالاضافة الى ان الدول غير النفطية والدول الفقيرة عموماً ستكون الأكثر عطشاً لعدم قدرتها على شراء الماء بالكميات الموصى بها دولياً لكل فرد وهي اكثر من 1500 مترمكعب من الماء سنوياً.
الدول المنتجة والدول المستهلكة والنزاعات المحتملة
تصنف الدراسات المعنية بالمياه الدول الى صنفين دول منتجة وهي الدول التي تقع منابع الانهار في اراضيها والدول المستهلكة وهي الدول التي تمر فيها الانهار أو التي تصب من أراضيها في البحر ومن الطبيعي ان تدخل الدول التي لا تقطعها الانهار وليس فيها أي مجرى مائي طبيعي في عداد الدول المستهلكة.غير ان المشاكل والنزاعات المتوقعة ستكون بين دول تتقاسم مجاري الانهار كماهي الحال بالنسبة الى تركيا وسوريا والعراق، فتركيا هي الدولة المنتجة لأن نهري دجلة والفرات ينبعان من أراضيها أما العراق وسوريا فهما مستهلكان.
كما ان مستودعات الماء الجوفية-شأنها شأن الانهار- تتصاعد احتمالات نشوب نزاعات بشأنها كلما اشتدت ازمة المياه تفاقماً وكلما اصبح الحصول على الماء امراً مكلفاً بالنسبة للدول، ويمكن اجمال بؤر النزاعات المائية المحتملة في الجدول ادناه.

الدول التي يتوقع حصول النزاع بينها سبب النزاع
تركيا – سوريا – العراق مياه نهري دجلة والفرات
العراق – ايران المجرى المائي لشط العرب
اثيوبيا – السودان – مصر مياه نهر النيل
مصر – السودان – ليبيا – تشاد – النيجر مستودع الحجر الرملي النوبي
زامبيا- بوتسوانا- زيمبابوي- موزمبيق مياه نهر السنيغال
الهند – باكستان مياه نهر الاندوس
الهند – بنغلادش دلتا نهري الغانج وبراهما بوتري
اوزبكستان- كازخستان- قرغيستان- طاجكستان نهرا آموداريا وسيرداريا وبحر آرال
المجر – سلوفاكيا محطة غابسيكوفو على نهر الدانوب
صربيا – كرواتيا نقص الماء وتحويلات التلوث في نهري
الدانوب والساف
السعودية – الاردن خزان الديسي الجوفي
سوريا – لبنان خزان البازلت الجوفي
الاردن – اسرائيل نهر الاردن
لبنان – اسرائيل نهر الحاصباني والوزاني

ويلاحظ من بيانات الجدول ان المشكلة تتركز بشكل كبير في الشرق الأوسط (حوالي 7, 85%) من بؤر التنازع بينما هناك(3, 14%) فقط من هذه البؤر في أوروبا الشرقية، ومن المتوقع ان تتأجج الصراعات من جراء اصرار الدول المنتجة (دول المنبع) على احتكار اكبر قدر من المياه النابعة من أراضيها أو احتكارها كلياً الامر الذي سيغضب الدول المستهلكة العطشى، وهو ما يوشك على الحدوث بين تركيا وسوريا والعراق اذ تصر تركيا على اعتبار الماء النابع من أراضيها ثروة طبيعية تركية بصرف النظر عن اية اعتبارات ومواثيق دولية تنظم عملية اقتسام المياه بين الدول المتشاطئة، ومن هذا المنطلق باتت تتصرف بوصفها المالك الوحيد لمياه النهرين وأعطت نفسها الحق في اقامة عدد كبير من السدود ومحطات الطاقة الكهربائية يفوق حاجة تركيا من المياه والطاقة الكهربائية (كما قدر ذلك باحثون متخصصون في شؤون المياه) مما أوضح ان ثمة أهدافاً سياسية واقتصادية وراء التوجه التركي اكثر منه تطوراً تنموياً تفرضه الحاجة الاقتصادية والاجتماعية.

الأرقام المرعبة وخط الفقر المائي
– تشير التقارير الى أن معظم الدول العربية تقع تحت خط الفقر المائي،الذي يقدر ب1500متر مكعب من الماء سنوياً للفرد.
– الموارد المائية المتاحة في العالم العربي من مياه جوفية وسطحية لاتتجاوز 371, 85 مليار متر مكعب.
في عام 1960 كان استخدام الفرد الواحد في العالم العربي من الماء يقارب3300 متر مكعب سنوياً أما اليوم فمعدل حصة الفرد لا تتجاوز 1250 متراً مكعباً في السنة وهي أدنى كمية ممكنة للفرد ويتوقع أن تصل الى 650 متراً مكعباً نهاية هذا العام بمعنى النزول الأكيد تحت خط الفقر لمعظم الدول العربية أو كلها.
– 60% من منابع الموارد المائية العربية تقع خارج الأراضي العربية.
– هناك 1,1 مليار انسان ما زالوا محرومين من مياه صالحة للشرب في حين هناك 6, 2 مليار انسان محرومون من مرافق التطهير.
– اثناء القرن العشرين تضاعفت الحاجة الى المياه ست مرات بما يعادل ضعفي نسبة النمو السكاني.
– هناك ستة مليارات انسان على سطح الكوكب لا يستخدمون سوى واحد من مئة ألف من مياه الكوكب التي تؤلف المياه المالحة نسبتها العظمى.
– لكي يتمكن العالم من إطعام ثمانية مليارات انسان(وهو العدد المتوقع لسكان الأرض عام 2050) فانه بحاجة لاستثمار 180 مليار دولار سنوياً قياساً الى المستثمر حالياً ويتراوح بين 70 الى 80 مليار.
وهناك عدد كبير من الدراسات والابحاث وكلها تحفل بأرقام مستمدة من الواقع المائي القائم في العالم وفي المنطقة وبعضها مستند الى توقعات مستقبلية مبنية على الاعتقاد بسوء ادارة المياه من قبل الحكومات من جهة ومن قبل المؤسسات الدولية وهي في مجملها ترسم صورة كالحة عن مستقبل العالم في ظل السياسات المائية الراهنة.
الحاجة الى مؤسسة أممية لإدارة الازمة
مايلفت انتباه اي باحث في شؤون المياه هو أن قضية المياه تحظى باهتمام متزايد من الحكومات والمنظمات الدولية بسبب تدهور الوضع المائي لاعداد كبيرة من البشر وتفاقم النتائج الكارثية لنقص المياه وتلوثها اذ تتسبب باصابة الملايين من البشر بالامراض المنقولة بالماء أما الوفيات فقد بات واضحاً أن اعدادها في تزايد من جراء هذه المشكلة، وتحفل تقارير التنمية البشرية والتقارير التي اعدها معهد ستوكهولم الدولي للمياه بتحذيرات من أزمة قادمة وحروب وشيكة ومع ذلك فان اية اجراءات دولية صارمة لم تتخذ حتى الآن ولا يوجد ما يلزم اية دولة منتجة للماء باحترام المواثيق الدولية التي تنظم عمليات اقتسام المياه مما حدا بهذه الدول الى التصرف بشكل فردي في منابع الانهار (كما تفعل تركيا الآن) من دون التشاور مع شركائها في المجرى المائي وهو ما نصت عليه مواثيق دولية واتفاقيات ثنائية سابقة، الامر الذي يجعل النزاع هو الخطوة التالية لأن طريق التفاوض والتشاور مسدود مسبقاً.
والغريب أن الأمم المتحدة وهي أعرق مؤسسة دولية(تأسست عام 1945) تنبثق عنها منظمات دولية عديدة تمتلك الشرعية الملزمة لأعضائها باحترام مقرراتها كمجلس الأمن ومنظمة اليونسكو واليونيسف ومنظمة الزراعة والغذاء العالمي والاسكوا ووكالة الطاقة الذرية وليس بين هذه المنظمات العديدة منظمة واحدة معنية بالمياه تحديداً وتتولى اعداد الدراسات والبحوث حول المشاكل المائية العالمية فضلاً عن اقتراح التشريعات الدولية المناسبة لمعالجة هذه المشاكل واستصدار القرارات الملزمة للأطراف المتنازعة في حين تنهض بهذه المهمة منظمات اخرى غير متخصصة كاليونسكو والاسكوا ومنظمة الغذاء العالمية.
وقد أوصت مذكرة حكومية فرنسية بعد ان استعرضت الواقع المائي العالمي بالوقائع والارقام باقامة”بنك دولي للمياه” يهتم ويمول ويرشد مشروعات المياه في العالم غير ان ذلك ليس كافياً، فالعالم احوج ما يكون اليوم الى “مجلس أمن المياه” على غرار مجلس الأمن الدولي وتكون مهمته دراسة قضايا المياه العالقة بين الدول المتشاطئة ودراسة احتياج كل بلد على وفق تعداده السكاني واحتياجاته الزراعية واعداد قاعدة بيانات شاملة بهذا الصدد لاصدار القرارات المناسبة لحلحلة الاشكاليات من جهة، بما يضمن حقوق جميع الأطراف ولتوزيع الفائض المائي العالمي بصورة عادلة بحيث يحظى كل فرد على الارض بحصة مناسبة من مياه الشرب والتطهير تفادياً لحروب باتت وشيكة ودرءاً للأمراض والوفيات التي يسببها نقص المياه وتلوثها.

وينبغي وضع قانون دولي ونظام داخلي لعمل هذا المجلس واقرار آليات عرض القضايا والمقترحات على ان يكون الاعضاء جميعا متساوين في الحقوق والواجبات والا تمنح امتيازات من قبيل (الدول الدائمة العضوية ) و(حق النقض-الفيتو) لاي من الاعضاء بل تمنح صفات استشارية تحكيمية لبعض الهيآت الدولية غير السياسية للفصل والتحكيم في القضايا الشائكة وينبغي النظر في آلية الزام الدول الاعضاء بمقررات المجلس بحيث تكون هناك إجراءات رادعة تمنع اية محاولة لاحتكار مصادر المياه وحرمان ملايين البشر منها.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*