المياه ستفجّر الحرب المقبلة في الشرق الأوسط

كتب: إد بلانش
ترجمة وإعداد محمد أمين

مع الزيادة المطردة لعدد السكان، والاضمحلال المتسارع في موارد المياه نتيجة للتغيرات المناخية، وسوء استغلال هذه الثروة في بلدان منطقة الشرق الأوسط التي تعج أصلا بالنزاعات لأسباب قومية أو دينية أو سياسية أو أيديولوجية، فإن من المتوقع أن تفجّر المياه حروبا جديدة خلال العقود المقبلة.
ففي الشق الآسيوي من الشرق الأوسط، تفرض إسرائيل السيطرة على معظم مصادر المياه على حساب الفلسطينيين ولبنان وسوريا والأردن. وتؤثر مشاريع السدود التي تقيمها تركيا على ما تحصل عليه سوريا والعراق من مياه نهري دجلة والفرات.
ويتوقع أن يعاني سكان هذه الدول كثيرا من نقص المياه على مدى السنوات المقبلة. أما في الشق الأفريقي، فإن توقيع دول منبع حوض النيل لاتفاق جديد لتقاسم المياه بمعزل عن دول المصبّ (مصر والسودان)، يُنذر ببدء مرحلة جديدة من النزاعات بين مصر والسودان من جهة، وكل من بوروندي وجمهورية الكونغو الديموقراطية وإثيوبيا وكينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا، من جهة أخرى.

أدى الخلاف بين إسرائيل والفلسطينيين حول مصادر المياه الآخذة بالنضوب في الضفة الغربية، إلى إعاقة جهود الاتحاد الأوروبي أثناء المؤتمر الوزاري لدول حوض البحر المتوسط حول المياه الذي عُقد في مدينة برشلونة الاسبانية في الثالث عشر من أبريل الماضي، للتوصّل إلى استراتيجية لإدارة المياه في منطقة حوض البحر المتوسط، حيث يواجه سكان المنطقة الذين سيناهز عددهم الـ290 مليون نسمة مع حلول عام 2025. وفي ذلك اليوم تحديدا، رفضت مصر بشكل قاطع، التوقيع على اتفاقية لتقاسم مياه نهر النيل مع تسع دول أفريقية.
وفي شهر مارس الماضي، أطلقت القوات الإسرائيلية النار وأردت فتى فلسطينيا وأصابت آخر بجروح خطرة أثناء صدام بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين اليهود حول بئر مياه بالقرب من مدينة نابلس بالضفة الغربية. هذه الحادثة تعكس التوتر المتصاعد في المناطق الفلسطينية المتقطعة الأوصال بسبب الجدار الفاصل، والعمليات الواسعة لمصادرة الأراضي التي من المفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقبلية.
الفلسطينيون يتهمون إسرائيل بسرقة مياههم، في الوقت الذي يعلن فيه أكثر من أربعمائة ألف مستوطن، الاستنفار خشية إجبارهم على إخلاء الضفة الغربية كجزء من أي اتفاق سلام.
ويخشى كثيرون من أن سفك الدماء الذي وقع في نابلس يمثل نذير شؤم لمعركة مستقبلية سيشعلها نقص المياه، وتتجاوز حدود الأزمة، ويفاقمها الجفاف والطلب الإسرائيلي المتنامي وضعف التخطيط وسوء التخزين في الجانب العربي.

نضوب مصادر المياه
في جميع أرجاء الشرق الأوسط، تشكل الأنهار والطبقات الصخرية المائية مصدرا رئيسيا للنزاع. فقد أدى برنامج بناء السدود التركي الطَموح إلى تقليص إمدادات مياه نهري دجلة والفرات إلى سوريا والعراق. ويشكل النيل الذي يعتبر أطول أنهار العالم (6560 كيلو مترا) بؤرة نزاع بين مصر والسودان من جهة وثماني دول أفريقية (هي اثيوبيا واريتريا واوغندا وتنزانيا وكينيا والكونغو الديموقراطية وبوروندي) من جهة أخرى. ويتهم الفلسطينيون واللبنانيون، إسرائيل بسرقة مياههم.
أما نهر الأردن الذي ينبع من بحر الجليل داخل إسرائيل، فقد تحوّل إلى مجرد جدول صغير. وقد حذرت منظمة «أرض الشرق الأوسط» المختصة بالبيئة، في تقرير أصدرته في شهر مايو الماضي، من أن عددا كبيرا من روافد نهر الأردن قد تجف مع حلول العام المقبل. وكانت كل من إسرائيل وسوريا والأردن قد حولت مجرى %98 من مياه النهر وروافده على مدى السنوات الماضية، ولم يتبق من مياه النهر سوى النزر اليسير 39-20 متر مكعب مقارنة بـ 1.3 مليار متر مكعب كانت طاقته في الثلاثينات من القرن الماضي.
ويورد هادي العربي، وهو تونسي الجنسية، ويتولى منصب مدير إدارة الشرق الأوسط في البنك الدولي، التي تتخذ من بيروت مقراً لها، في تقرير أعده في عام 2009، بشأن معالجة مشكلة ندرة المياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إنها أشبه بالمعجزة أن يتفادى الشرق الأوسط المبتلى بالنزاعات، نشوب حروب كبرى بسبب المياه، على الرغم من أنها مسألة حياة أو موت اقتصادياً لشعوب المنطقة.
ويضيف: ولكن بالنسبة للكثير من هذه الدول، التي تسير بالفعل على شفا المواجهة، أصبحت المياه بشكل متزايد عاملاً للتوتر، وقضية أمن وطني وسياسة خارجية واستقرار محلي.
ووفقاً للبنك الدولي، فإن الإسرائيليين يستهلكون أربعة أضعاف ما يستهلكه الفلسطينيون من المياه. ففي أكتوبر الماضي، اتهمت منظمة العفو الدولية إسرائيل بتجاهل تنمية البنى التحتية للفلسطينيين، وحرمان أكثر من مائتي ألف فلسطيني في الضفة الغربية، من المياه الجارية، لكن إسرائيل نفت هذه الاتهامات.

خطوة أحادية
وتأخذ إسرائيل نصف ما تستهلكه من المياه، من جيرانهم الفلسطينيين، ومن هضبة الجولان، حسب معظم التقديرات. علماً بأن هذين المصدرين آخذان في النضوب، والآن، فإن إسرائيل في حاجة إلى مصادر جديدة. وربما كان نهر الليطاني في جنوب لبنان، الذي لا يبعد سوى ثلاثة كيلو مترات عن حدود الدولة العبرية.
وحتى قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948، كانت أعين القادة الصهاينة مسلطة على نهر الليطاني، وكانوا يرغبون في توسيع حدود دولتهم المستقبلية إلى لبنان، أي السيطرة على ما يقرب من ثلث مساحة لبنان.
لقد اعتبروا أن نهر الليطاني وروافد نهر الأردن في سوريا، حيوية للتقدم الاقتصادي للدولة العبرية. ولذلك، فربما لم يكن من قبيل المصادفة أن تشكّل هذه المناطق معظم الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967، وكانت السيطرة على منطقة الليطاني، من دوافع الغزو الإسرائيلي للبنان عامي 1978 و1982، لكن إسرائيل انسحبت، في خطوة أحادية، من جنوب لبنان في الثالث والعشرين من مايو 2000، منهية بذلك 22 عاماً من الاحتلال، وبعد أن حوّلت معظم مياه نهر الليطاني عبر خطوط أنابيب إلى شبكة المياه الإسرائيلية.
والمفارقة أنه في الوقت الذي يخوض فيه الإسرائيليون والفلسطينيون صراعاً مريراً على مصادر المياه المستهلكة، يهدر اللبنانيون مياههم بسبب سوء الإدارة، والفشل في الحفاظ على أو بناء نظام مناسب للامداد.
ويعتبر لبنان، هذا البلد الصغير، غنياً نسبياً بمصادر المياه، حيث يمتلك الكثير من مصادر المياه المتجددة. فمثلا، يقول فادي قمير، المسؤول في وزارة الطاقة والمياه اللبنانية، إننا نستهلك نصف هذه كمية مياهنا للشرب والري والأغراض الصناعية. أما الباقي، فيتم التخلص منه في البحر المتوسط.
وأضاف، أنه ما لم يتم التحرك عاجلاً، ولا تبدو في الأفق ملامح لمثل هذا التحرك، فإن لبنان قد تجف منابع مياهه فعلاً خلال سنوات قليلة. ومع اضمحلال مصادر المياه، تتصاعد التوترات بين إسرائيل وجيرانها، وبين دول عربية كمصر وجيرانها.

اتفاق متكافئ
فإسرائيل هي الدولة الأكثر تقدماً في المنطقة، من الناحية التكنولوجية، ولديها مشاريع إعادة تدوير كبرى، وتخطط لبناء محطات تحلية للمياه، ووفقاً للأرقام الرسمية، فإن أكثر من %70 من المياه المعاد تدويرها يعاد استخدامها، ومع ذلك، يرى بروفيسور الجغرافيا بالجامعة العبرية، ديفيد نيومان، أن هناك الكثير من الحالات التي كانت فيها المياه مصدراً إضافياً للتوتر بين إسرائيل وجيرانها، على مدى الخمسين عاماً الماضية.
إن مراجعة مثل هذه الحالات تظهر الأهمية الاستراتيجية لمصادر المياه في المنطقة، ومدى صعوبة التوصل إلى أي اتفاق لتقاسم متكافئ للمياه.
لقد كان الجنرال موشيه دايان هو الذي اقترح عام 1953 خطة لتحويل مياه نهر الأردن في الشمال إلى صحراء النقب جنوب إسرائيل، على الرغم من أن مياه النهر دولية، وفقاً للقانون الدولي، وكان هدف دايان إبعاد السوريين، والسيطرة على منابع المياه شمالاً.
وقد استمر العمل في مشروع تحويل مياه النهر لعدة أشهر. وفي هذه الأثناء مارست ادارة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور ضغوطا على اسرائيل كي توقف المشروع. وحين لم تستجب، أوقف عنها المساعدات ولم تستأنف الا بعد أن اوقفت اسرائيل مشروع التحويل.
ولكن اسرائيل أحيت المشروع عام 1956 وحوّلت 700 مليون متر مكعب من المياه، أي حوالي %60 من مياه النهر. وكان لذلك تأثير مباشر في زعزعة استقرار المملكة الأردنية الهاشمية الفقيرة بالموارد، التي يعتمد اقتصادها على الزراعة بشكل أساسي.
وفي سبتمبر 1964، وبينما كانت اسرائيل توشك على الانتهاء مما عرف بــ «المشروع الوطني لنقل المياه» عقدت قمة عربية في مدينة الاسكندرية وصادقت على خطة لتخريب المشروع من دون القيام بعمل عسكري، بل بتبني خطة سورية لتحويل مياه النهر من المنبع.
ويتألف النهر من روافد بانياس، الذي ينبع من سوريا والحاصباني من لبنان ودان من اسرائيل. وتسهم بانياس والحاصباني بنصف مياه نهر الأردن.

معركة شرسة
وأدرك رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق ليفي أشكول الذي كان يترأس شركة ميكوروت للمياه أنه لا يمكن تحقيق المشروع الصهيوني، ما لم تسيطر اسرائيل على مصادر المياه هذه.
ويقول البريغادير جنرال اسرائيل ليور المساعد العسكري لرئيس الوزراء أشكول «في الشمال، دارت معركة شرسة على مصادر المياه. وأدار الحرب رئيس أركان الجيش اسحق رابين وقائد المنطقة الشمالية دادو اليعيزر.. لقد أصبحت المعارك حول منابع المياه وحول السيطرة على المنطقة منزوعة السلاح مع سوريا جزءا لا يتجزأ من روتين الحياة اليومي».
لقد كان ليور وغيره في اسرائيل يعتقدون أن الأمور تتجه نحو الحرب. ووفقا للمؤرخ الاسرائيلي آفي شالايم فقد جادل وزير الدفاع دايان أنه «اذا مضى العرب قدما في خططهم، فسيكون من المتعذر تفادي الحرب».
لقد هاجمت اسرائيل الأعمال السورية لتحويل مياه نهر الأردن بشكل متكرر، وتوجت هذه الهجمات بسلسلة من الغارات الجوية في عمق الأراضي السورية في ابريل 1967.
وفي نهاية المطاف، تراجع السوريون واللبنانيون عن مشاريع تحويل مجرى المياه. وفي صبيحة يوم الخامس من يونيو، اندلعت الحرب وغيرت بشكل دراماتيكي المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط وأدخلت المنطقة في دوامة نزاعات لا نهاية لها.
وقبل يومين من شن اسرائيل للغارات الجوية المباغتة في بداية الحرب، قصفت الطائرات الاسرائيلية، سدا كانت تبنيه سوريا لمنع تدفق مياه نهر اليرموك الى نهر الأردن ومنه الى بحيرة طبريا التي تعتبر احتياطي الماء الرئيسي في البلاد.

مشكلة أمنية
ويعتقد ديفيد نيومان أن «الرسالة التي أرادت اسرائيل نقلها أن أي محاولة للعبث بتدفق المياه الطبيعية الى اسرائيل سينظر اليها كمبرر كاف لاعلان الحرب».
ولكن حرب المياه استمرت بعد توقف حرب الأيام الستة. ففي الثالث من سبتمبر 1969، شنت طائرات سلاح الجو الاسرائيلي غارة على الأراضي الأردنية، ودمرت جانبا من قناة الغور الشرقية، وهو المشروع ذو الكلفة التي تناهز خمسة عشر مليون دولار، الذي كانت ترعاه الولايات المتحدة لتعويض الأردن عن نقص مصادر المياه التي حولتها اسرائيل الى النقب. وواصلت اسرائيل غاراتها حتى مطلع عام 1970.
وتسير قناة الغور الشرقية البالغ طولها 68 كيلو مترا، بمحاذة وعلى طول نهر الأردن وتغذي 250 ميلا من القنوات الفرعية التي كانت تروي أكثر من 30 ألف فدان من الأراضي الزراعية. وتستمد القناة مياهها من نهر اليرموك، الرافد الأكبر لنهر الأردن. وهو ما يقلّص كمية المياه التي تذهب الى صحراء النقب.
وكان من دواعي قلق اسرائيل أن تستخدم مياه قناة الغور الشرقية لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين الذين طردهم الاسرائيليون من أرض الأجداد واستقروا في وادي الأردن وأصبحوا يشكلون مشكلة أمنية لاسرائيل.
وردا على الغضب الأميركي العارم، لا سيما استخدام طائرات أميركية الصنع في الهجمات، كانت اسرائيل تتذرع باستمرار بأن هجماتها انما كانت انتقاما لغارات فلسطينية انطلاقا من الأراضي الأردنية وتوجيها لرسالة قوية الى الملك حسين، كي يوقف هجماتهم. ولكن الغارات الجوية الاسرائيلية أسفرت عن تقليص تدفق المياه الى وادي نهر الأردن الذي يسهم بــ %40 من الانتاج الزراعي للمملكة.
وكان بروفيسور العلوم السياسية الأردني غازي الربابعة قد توقع عام 2009 أن تشن اسرائيل الحرب ضد لبنان وسوريا ومصر من أجل المياه. وقال إن الحرب بين اسرائيل ومصر ستقع في غضون سبع سنوات من أجل السيطرة على مياه النيل.
ففي اجتماع عقد في شرم الشيخ في ابريل 2010، أصرت مصر على استمرار حصتها السنوية من مياه النيل و البالغة 55.5 مليار متر مكعب كما هي من دون نقصان، وهو ما يمثل أكثر من نصف اجمالي مياه النهر البالغة 84 مليار متر مكعب سنويا.

نصيب الأسد
يعتبر نهر النيل شريان الحياة الحقيقي لمصر. ويعيش معظم سكانها الذين يزيد تعدادهم على ثمانين مليون نسمة على ضفافه. ولولا النيل لما قامت أصلا الحضارة القديمة التي شيدت الأهرامات. وتتحدث الحكومات المصرية منذ زمن طويل عن حقوق مصر «التاريخية» في مياه النيل. فاتفاقية 1929 مع بريطانيا التي كانت تمثل مستعمراتها في شرق افريقيا، منحت القاهرة الحق في الاعتراض على المشاريع التي تغير مجرى مياه النهر. واتفاق 1959، مع السودان الذي يعطي القاهرة نصيب الأسد من مياه النيل. ويعتبر السودان ثاني أكبر مستهلك لمياه النهر بعد مصر.
وفي ابريل الماضي، طالبت مصر باستمرار تمتعها بحق «الفيتو» على أي مشاريع ري جديدة تشيدها دول حوض النيل. ولكن دول جنوب الصحراء رفضت المطلب ودعت الى اعادة تقسيم حصص مياه نهر النيل بما يتواءم مع الزيادة المطردة في عدد السكان والمشاريع الصناعية، لا سيما مشاريع توليد الطاقة والنمو الزراعي.
لقد وقعت كل دول حوض النيل – باستثناء مصر والسودان اخيرا – اتفاقا للتعاون بشأن المياه. وليس من الواضح ماذا سيحدث بعد ذلك، لا سيما أن ما يعرف بــ «دول المنبع» تتحالف ضد مصر وسط التأثير الذي يزداد سوءا يوما بعد يوم للتغير المناخي واضمحلال موارد المياه. وفي ظل تمسك مصر بمواقفها واصرارها على الحصول على حصتها التي تمنحها اياها الاتفاقات السابقة لتقاسم المياه، غير منقوصة، فمن المؤكد أن يتجه النزاع حول مياه النيل الى مزيد من السوء.

القبس 3-11-2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*