الكل في الهَم شرق وغرب

الاقتصادية 14 اكتوبر 2010

في هذه الكارثة، لا أحد أحسن من أحد، ولا أحد أقل شأنا من أحد. الكل (مع التصرف في شعر أحمد شوقي) في الهم شرق وغرب. في هذه الكارثة الكل متهم، ويا للمفارقة .. الكل مصاب بها! هي من تلك الكوارث التي لا تواجه بقرارات، بقدر ما تواجه بسلوك إنساني، يعتني بالخير ولا يرفسه، ويهتم بالمستقبل ولا يتجاهله، ويصون الحياة ولا يُهملها أو يخربها. وإذا كان العنصر الأساسي المسبب للحياة ملوثا، علينا أن نتخيل جودة الحياة نفسها. ولأننا ننسى قول الله تعالى ”وجعلنا من الماء كل شيء حي”، تحولت المياه إلى مادة قاتلة لمن يعيش فيها، وقاتلة أيضاً لمن يعيش عليها. فالكائنات التي تعيش في مياه الأنهار حول العالم انقرضت وبعضها مهدد بالانقراض، والكائنات (البشرية) التي تعيش عليها، بعضها يمرض، وبعضها يموت، وبعضها الآخر يقاوم تلوثها. والأصوات التي ترتفع محذرة من التلوث الهائل الذي يسببه سكان البلدان الفقيرة في أنهارهم، ترتفع أيضاً محذرة من تلوث الأنهار في دول من العالم الأول. فلا فرق بين زيمبابوي وفرنسا، وبين أريتريا والولايات المتحدة، وبين نيجيريا وبريطانيا! الكل يعيش بالقرب من أنهار ملوثة قاتمة، بمياه آسنة. ولكن ما يعيب فرنسا لا يعيب زيمبابوي، وكذلك الأمر في المقارنة الأريترية والأمريكية، والنيجرية والبريطانية. فالدول المتقدمة المذكورة تملك، والدول غير المتقدمة لا تملك. ولعلنا في هذه النقطة بالذات، نتذكر ما قاله الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، في إحدى المرات. قال: ”لا يمكن أن نحاسب أمّاً في إحدى القرى الإفريقية النائية، تقطع شجرة لتطهو لأبنائها على حطبها، إذا لم نوفر لها الوقود لطبخها”.
الدراسة التي نشرتها مجلة ”نيتشر” البريطانية العلمية، مؤلمة للأجيال الحالية والقادمة. كيف لا، وخمسة مليارات نسمة، أي ما يوازي 80 في المائة من سكان العالم، يعيشون بجوار أنهار سيئة وملوثة. أنهار تموت فيها الأحياء، وتعج فيها الجراثيم والأوبئة. أنهار أصبحت فيها المياه التي لا لون لها، سوداء! أنهار يشرب منها الذين يعيشون على ضفافها! أنهار تستقر فيها مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي! في الولايات المتحدة ـــ حسب الإحصائيات الأمريكية ـــ على سبيل المثال، هناك ستة أنواع من الزواحف والبرمائيات و22 نوعاً من الأسماك مهدد بالانقراض حالياً. وفي فرنسا أدى تلوث المياه العذبة إلى تراجع عدد من الأنواع بشكل كبير. وكان نهر ”السين” ـــ مثلاً ـــ يحتوي على 58 نوعاً من الأسماك اختفى معظمها الآن. والأمر نفسه ينطبق على بحيرات جبال الألب الفرنسية والسويسرية التي كان يظن البعض أنها بعيدة عن التلوث، أو محصنة من الأوبئة!
هذا في الدول المتقدمة، التي يمكن الاستناد إلى إحصائياتها، وإلى شفافية مؤسساتها في هذا المجال. فكيف الحال في الدول غير المتقدمة، التي تعتبر أن الإحصائيات ليست سوى مجرد نكتة ”بايخة”؟! صحيح أن الدول الثرية تخصص الأموال لمواجهة هذه الكارثة، لكنها في الواقع ـــ وحسب الخبراء المحايدين ـــ تضخ الأموال لتحسين جودة المياه، دون مكافحة أصل الخطر الذي يهدد أنهارها! أما في الدول الفقيرة، فلا أموال لمياه صالحة للاستخدام الآدمي، ولا أموال ـــ بالطبع ـــ لمواجهة أصل الخطر!
إن هذه القضية ليست كساداً اقتصادياً، يمر في فترة معلومة ليستكمل استحقاقاته، ويتوارى استعداداً للظهور في مناسبة جديدة أخرى، وليس أزمة اقتصادية ستنتهي طالت أم قصُرت، إنها قضية حياة مستدامة لا موسمية، وقضية سلوك إنساني، إذا لم يصل إلى مستوى جدية الكارثة، سينضم المليار نسمة الآخرون، إلى بقية سكان الكرة الأرضية، الذين يعيشون على مياه ملوثة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*