الشرق الأوسط وحرب المياه

الشرق الأوسط وحرب المياه
حمد بن عبدالله اللحيدان
جريدة الرياض 12-3-2004

ظل الماء وما زال وسوف يستمر من أهم الموارد الطبيعية على الاطلاق ذلك أنه عصب الحياة والعمود الفقري لها فبدونه لا يمكن لكائن حي أن يعيش، ولا يمكن لأغلب الآلات أن تعمل وبشحه تتدنى كل الفعاليات الاقتصادية والأنشطة البشرية الأخرى فالماء ضروري في المعيشة اليومية من مأكل ومشرب ونظافة ناهيك عن الأمور الأخرى مثل الزراعة والصناعة وتسيير عجلة الحياة لذلك فإن الماء هو أغلى مركب يتعامل معه الإنسان في حياته العامة والخاصة. وعلى أية حال فإن الصراع على الموارد الطبيعية ظل منذ الأزل سمة بني الإنسان ولكن هذا الصراع ظل يتطور ويتغير من جيل إلى جيل فخلال فترة الاستعمار كانت الموارد الاقتصادية والأيدي العاملة هدفاً استراتيجياً ثم تلي ذلك بعد الحرب العالمية الثانية وتكون قطبان رئيسيان هما الكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي (سابقاً) والكتلة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تحول الصراع إلى الاستحواذ على مراكز النفوذ ونشر الأيدلوجيات وبعد سقوط القطب الشيوعي بعد عام 1991م وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقطبية العالم اتجه العالم إلى الصراع على تأمين مصادر الطاقة وفتح الأسواق العالمية للتجارة من خلال منظمة التجارة العالمية وغيرها من الوسائل.
وعلى أية حال فإن الصراع إذا لم يوجد أو توجد أسبابه فإن الدول ذات المصالح الخاصة تسعى إلى خلق ذلك الصراع وبأي أسلوب وبأي ثمن ومن أهم الأمور التي يتم التركيز عليها الآن خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط هو الصراع على المياه والمسرح يتم إعداده منذ زمن ليس بالقصير لمثل هذا الصراع عن طريق الحديث عن أزمة المياه في الشرق الأوسط وقرن ذلك بأمور حسية مثل تعطيش الدول العربية مثل سوريا والعراق عن طريق بناء سدود ضخمة في تركيا على منابع نهر الفرات وسرقة إسرائيل لمياه نهر اليرموك ونهر الأردن ونهر الليطاني في لبنان ولا ننسى أيضاً مساعدة إسرائيل لأثيوبيا في بناء سدود على نهر النيل مقابل سماح أثيوبيا بهجرة يهود الفلاشا. إن الصراع الدائر على أرض الواقع هذه الأيام والذي يذهب ضحيته الأطفال والشباب كل يوم من أجل طرد الفلسطينيين وتحجيمهم واخضاعهم وإذلال بقية العرب معهم لضمان أمن إسرائيل يرافقه صراع خفي في بعض الأحيان وظاهر في أحيان أخرى هو الصراع على مصادر المياه ومواردها. والخبراء يقولون إن العالم سيشهد في القرن الحادي والعشرين صراعاً حاداً على المياه يشبه إلى حد كبير الصراع على النفط ويعتقدون أن أكثر من مليار نسمة في العالم قد يعانون من آثار نقص المياه خصوصاً مع ازدياد حالة الجفاف وزيادة الطلب على المياه لذلك فليس من المستبعد أن تشهد كل من آسيا وأفريقيا حروبا هدفها السيطرة على مصادر المياه ينفخ فيها ويسعر لهيبها أصحاب المصالح والاحتكارات ومصاصو دماء الشعوب.
أما في الشرق الأوسط فإن الصراع على المياه ربما يكون سمة المستقبل ذلك أن تحقيق الأمن المائي يعتبر من أهم الأولويات في المرحلة المقبلة لذلك فإن النزاع على المياه قد يكون من العوامل المضافة إلى العوامل الموجودة المسببة لعدم استقرار المنطقة. ومن الدراسات التي أجريت حول أزمة المياه في الشرق الأوسط ما أشار إليه التقرير الذي نشره معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن عام 1989م والذي جاء فيه أن الشرق الأوسط سيشهد في غضون السنوات العشر القادمة حرباً للسيطرة على مصادر المياه نظراً لزيادة عدد السكان في تلك المنطقة وزيادة برامج النمو الاقتصادي مع انحسار وتضاؤل في كميات المياه المتاحة لذلك فإن مثل ذلك الصراع قد يؤدي إلى تحطيم الروابط الهشة بين دول المنطقة ومن ناحية أخرى أشار مساعد وزير الخارجية الأمريكية هارولد سوندرز في تقرير أعده عن الشرق الأوسط خلال فترة عمله، حيث قال إن هناك مصدرا آخر للخطر غير النفط يجب أن تقال فيه كلمة وهو ندرة المياه، وأضاف قائلاً: إن قضايا المياه سوف تحظى على نحو متزايد باهتمام القيادات السياسية في المنطقة خلال السنوات المقبلة. كما تحدث الكاتب الأمريكي جول كولي في كتابه حرب المياه، حيث قال إن الشرق الأوسط بعد نضوب النفط سوف يشهد حروباً بسبب الصراع على المياه ذلك أن خطط التنمية في المنطقة سوف تعتمد على المياه فقط. كما تحدث الكاتب الأمريكي توماس ستوفر في الندوة الدولية حول “إسرائيل والمياه العربية” والتي عقدت في عمان عام 1984م، حيث اعتبر أن المياه العربية التي استولت عليها إسرائيل بعد حرب عام 1967م “غنائم حرب” حيث احتلت إسرائيل منابع نهر الأردن واليرموك، وبانياس، وأضاف قائلاً: إن أطماع إسرائيل في المياه العربية هي جزء من مفهوم إسرائيلي متكامل لسياسة الموارد التي تشتمل أيضاً على النفط والمعادن والسباق التجاري والحصول على الأيدي العاملة الرخيصة والموارد الاقتصادية الأخرى.
لذلك فلا بد من دراسة الأطماع الإسرائيلية في مصادر الثروة العربية بما في ذلك المياه وأضاف الباحث الأمريكي في بحثه قائلاً: إن المنافع الاقتصادية في الشرق الأوسط تعرقل السلام وتشجع إسرائيل على العدوان. وظاهر الصراع العربي الإسرائيلي السياسي والعسكري قد غطيا على الصراع الدائر خفية وهو الصراع الاقتصادي والذي تخطط له إسرائيل بسرية تامة بينما العرب مشغولون بظواهر الأمور دون جوهرها لذلك فإن استغلال المياه العربية من قبل إسرائيل في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وجنوب لبنان قد وفر لإسرائيل أكثر من ملياري دولار ثمنا للمياه.
وعلى أي حال فإن إسرائيل تبحث عن الذرائع المختلفة للتوسع وذلك لتحقيق الحلم والهدف المرسوم وهو خلق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات والذي لن يتم تنفيذه دفعة واحدة بل على مراحل متعددة وخلال عدة عقود ومن أهم تلك الذرائع الاستحواذ على مصادر المياه وتأمين مصادر الطاقة لها وللدول الحليفة وكل ذلك يمكن ادخاله ضمن مقومات الأمن المائي والاقتصادي وغيرها من المصطلحات التي يتم ترديدها حتى تصبح مألوفة ثم يتم الحديث عنها على أساس أنها حقائق لا يمكن تجاهلها ثم تبدأ المفاوضات بشأنها وتعقد الوساطات من قبل المستفيدين وليس للضعيف غير القبول. ومن الأقوال التي جاءت حول أزمة المياه في الشرق الأوسط ما يلي:
1- جاء في تقرير منظمة اليونسكو لعام 1992م أن العالم العربي سوف تجتاحه أزمة مياه حادة بعد حلول عام 2000م مما سوف ينعكس على الامدادات الغذائية وينعكس سلباً على الإنتاج الصناعي وهذا يعتبره الخبراء أخطر مأزق تاريخي تواجهه الأمة العربية.
2- قال بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل عام 1955م ان اليهود يخوضون معركة مع العرب من أجل المياه.
3- ذكرت الوفود المشاركة في مؤتمر المياه والبيئة الذي عقد في مدينة دبلن عام 1992م أن الدول العربية هي الأكثر تعرضاً لخطر النزاعات والصراعات حول المياه، وقال الوفد الأمريكي المشارك في المؤتمر ان أنهار النيل والفرات والأردن سوف تكون حلبة لصراعات دموية حقيقية في المستقبل، وقال الوفد الأمريكي أيضاً أن المياه تستخدم كأدوات وكأهداف للحرب، كما تلي ذلك المؤتمر مؤتمر قمة الأرض في نفس العام والذي عقد في ريودي جانيرو والذي حمل نفس الاتجاه.
4- عام 1992م قررت الأمم المتحدة اطلاق اسم عقد المياه على العقد الأخير من القرن العشرين.
5- كتبت جريدة لوس أنجلس تايمز عام 1987م ما يلي: إن كلا من إسرائيل والعرب سيواجهان نقصاً حاداً في المياه قبل نهاية القرن العشرين وسيضطر الطرفان للتعاون (وهذا يعني الخضوع لرغبات إسرائيل) أو خوض غمار حرب سببها عدم الاتفاق على تقاسم المياه بالطريقة التي ترضي إسرائيل.
6- قام معهد الموارد العالمية وهو أحد معاهد الدراسات الأمريكية وهو يعنى بأبحاث الموارد الطبيعية في العالم برفع تقرير إلى الحكومة الأمريكية عام 1991م محذراً فيه بأن اهتمامها بحل الصراع القديم في الشرق الأوسط يتركز على إيجاد صيغ لم تتبدل منذ بدأت تلك الجهود وانما تتجاهل أزمة خطيرة قادمة حتما وهي أزمة المياه وما سوف تسببه من تأجج للصراع حولها. ومن ناحية أخرى قالت جيسيكا ماثيوز نائبة رئيس المعهد في مقال لها نشر في واشنطن، إنه إذا كانت مبادلة الأرض مقابل السلام تبدو صعبة بما فيه الكفاية أمام الجهود المبذولة لتسوية الصراع في الشرق الأوسط فإن مبادلة المياه بالسلام سوف تكون مستحيلة وأضافت قائلة: إن أي اتفاق سلام يتم الاتفاق عليه لا يعالج مشكلة الموارد المائية سيكون اتفاقا هشاً ولن يصمد أمام الحاجة إلى المياه وما يترتب على ذلك من صراع لذلك فإن اعتقاداً جازماً بأن المياه سوف تكون سبباً في صراعات جديدة أو ذريعة لها وفي مكان آخر قالت جيسيكا نقلاً عن أحد المصادر قوله “انكم تظنون أننا خضنا حرباً من أجل النفط فلتنتظروا إلى أن يبدأ الصراع حول المياه”.
7- كما أشرنا سابقاً فإن التعاون بين إسرائيل وتركيا وأثيوبيا في مجالات عديدة ومن أهمها التحكم في المياه يجعل الأزمة المائية في الدول العربية متفاقمة وكل ذلك يصعب ضمن استراتيجية إسرائيل التي اعتمدتها بعد ضمان تفوقها العسكري على الدول العربية مجتمعة واختيار شعارهم الحالي الذي يقول إن العرب أمامهم خياران لا ثالث لهما وهما “التعاون أو الحرب” وهذا شعار شارون الذي اعتقد أنه وضع العرب وقياداتهم أمام الأمر الواقع والذي إن لم يجابهوه سوف يؤدي إلى تولد شعار أكثر وقاحة وهو “الخضوع التام أو الحرب” ذلك أن ليس للمنتصر حدود يقف عندها فكيف إذا كان إرهابياً يحكم دولة إرهابية هي إسرائيل”.
8- في الختام أحب أن أشير إلى أن إسرائيل تسرق ما مقداره (600) مليون متر مكعب من مياه الضفة الغربية سنوياً و(100) مليون متر مكعب سنوياً من سوريا و(500) مليون متر مكعب من لبنان وبذلك يصبح مجموع ما تستولي عليه إسرائيل سنوياً من المياه العربية بعد عام 1967م ما يقدر بـ (1200) مليون متر مكعب. وعليه فإن الصراع على موارد المياه هو الذي سيحدد مستقبل منطقة الشرق الأوسط خلال العقدين القادمين وسوف يعزز من هذه التوقعات زيادة حالة الجفاف التي تتعرض لها منطقة الشرق الأوسط مع زيادة العجز عن تحقيق مصادر مياه بديلة ومأمونة.
لذلك فإن على الدول العربية الانتباه إلى ما يدور في الظاهر والباطن من الأطماع الإسرائيلية وبناء استراتيجية عربية للمياه وتفعيل أو إنشاء هيئة عربية للمياه تخطط للمستقبل وتكشف أدوار إسرائيل المشبوهة ومنعها بالوسائل والطرق المناسبة وإفشال مشاريعها التحالفية مع كل من تركيا وأثيوبيا لضرب العرب من الخلف عن طريق قطع أو تقليل امدادات المياه إليهم فليس من الصدفة أن يقوم مهندسون وفنيون إسرائيليون بالإشراف على مشروعات الري والسدود على النيل الأزرق في أثيوبيا وليس مصادفة أيضاً أن تقوم تركيا بقطع مياه نهر الفرات عن سوريا، والعراق بعد صفقة شراء للماء من قبل إسرائيل مقدارها (250) مليون متر مكعب سنوياً بمبلغ وقدره (200) مليون دولار والتي يتم نقلها عبر السفن.
إن أبواب المستقبل بيد العزيز الحكيم ولكنه سبحانه طلب منا الاستعداد لهم في قوله {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} وعلى أية حال فإن الأمن المائي بات في المقدمة فهو الرافد الرئيسي للأمن الغذائي والقوة العسكرية والتنمية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية لذلك فإن على العرب أن يولوه أهمية قصوى لا تقف عند حد أو سقف قصيري النظر، أما نحن في المملكة العربية السعودية فإن حكومتنا الرشيدة قد بذلت الغالي والنفيس من أجل تحلية مياه البحر ومد أنهار على شكل أنابيب إلى جميع مدن وقرى المملكة أو تكاد والعمل على تعزيز ذلك من خلال فتح باب الاستثمار في ذلك المجال الحيوي. إلا أن الموضوع يجب أن يدرس من ناحية استراتيجية وأعني بذلك تعزيز ذلك المصدر بمصادر وروافد تجعله أكثر أمناً مثل ربط محطات الساحل الشرقي والغربي ببعضها البعض لتشكل كل منها احتياطيا للآخر ناهيك عن زيادة عدد الأنابيب الناقلة للماء وتباعدها وجعلها أكثر أمناً من مخاطر التخريب بالإضافة إلى العمل على إيجاد مخزون استراتيجي من المياه لكل مدينة وقرية يستطيع الصمود لفترة زمنية كافية في حالة حدوث أي خلل أو عطل بمحطات التحلية.. ناهيك عن تفعيل مصادر أخرى للمياه يمكن الركون إليها وقت الحاجة لذلك يحسن أن نقول إن الأمن المائي للمملكة العربية السعودية يجب أن تكون له الأولوية القصوى من انعكاسات على جميع الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وغيرها من الفعاليات الهامة.. والله المستعان.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*