العالم لا يستوعب سكانه


استفاق العالم على زيادة سكان المعمورة الى 7 مليارات نسمة. وبات على سكان الأرض التعود على هذا الرقم الجديد بعدما علق في أذهان السواد الأعظم لسنوات بأن سكان العالم 5 مليارات نسمة. زيادة بمليارين ربما تفسر ظواهر عديدة في العام في الأعوام الأخيرة، ما يعني أن الأرض لم تكن شحيحة على سكانها ولكن النمو الديمغرافي تطور بسرعة ما أدى الى زيادة استنزاف مصادر الطاقة والطبيعة، وكان ذلك ايضا على حساب تقلص المساحات الخضراء والزراعية وتلويح خطر نضوب الماء والنفط مع تزايد مشكلة الاحتباس الحراري. فهل يحملنا هذا التفسير حسب بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن الأرض لا تحتمل إلا 5 مليارات على سطحها؟ أم أن هناك سوء توزيع لثروات الطبيعة بين البشر؟ أم أن الأرض فيها خيرات لم تكتشف بعد؟ أم أن المعمورة وهنت بما حملت ولا بد من التفكير في ترشيد مصادرها وسكانها؟ وقد ذهب بعض الكتاب إلى الاعتقاد أن ربما في الاضطرابات السياسية الأخيرة والأزمات الاقتصادية والتهديدات بالحروب قد يبطؤ النمو الديموغرافي في العالم ويتقلص بذلك الزحف البشري، فهل هذا تفسير منطقي؟
لا تستبعد منظمات حكومية وغير حكومية ودولية مثل «فوتبرينت» أن يحل قريبا ما يسمى بالإفلاس البيئي. فالاحصائيات الحالية تدل على أنه من الضروري أن يكون كوكب الأرض أكبر بنحو 50 في المئة لتلبية حاجات سكان العالم بحجمهم الراهن.
وذكر الكاتب ميشال اكتيو في «ديلي تيلغراف» أن واحدة من القضايا الرئيسية التي ستشغل بال الأكاديميين والسياسيين في المستقبل هي التعامل مع المعطى الديموغرافي الجديد والذي تمثل في كوكب بـ7 مليارات نسمة.
واعتبر أكيتو أن «معدلات الخصوبة وارتفاع الزيادة السكانية عوامل مباشرة تؤثر على التحديات الجسيمة المتعلقة بالتنمية، الفقر، وحقوق الإنسان. وبالتأثير نفسه، فإن تزايد عدد سكان الأرض أثر أيضا على السيطرة على مشكلات مثل التغير المناخي أو الاستجابة السريعة للأزمات الصحية العابرة للحدود مثل الأوبئة».
كما عاد المستوى الهائل لعدد سكان العالم قضية يسلط صندوق الأمم المتحدة للسكان الضوء عليها.. كما جاء في تقرير وضعه الصندوق الأممي أن «المشاكل والاحتمالات في عالم يعيش فيه 7 مليارات تحمل أهمية قصوى بالنسبة لمجموعة كبيرة من الأسئلة الأساسية التي يتم إعدادها حاليا في النقاش الدولي حول هذا الموضوع».
واعتبر التقرير أن «طفرة سكان الأرض ستسبب مشكلة متعلقة بتقلص مرونة البنية التحتية، مشكلة الإسكان وفرص الحصول على خدمات الرعاية الأساسية. الى جانب ذلك، تقع الطفرة العالمية في عدد السكان في قلب العديد من التخيلات والاحتمالات بشأن الاضطرابات المالية الحالية، كما تقود العديد من المراقبين إلى التساؤل حول كيفية تأثير معدلات النمو على الأزمات بالفعل والتي تحير دول الاقتصاد العالمي الهش».
وقد نص تقرير للامم المتحدة في تناوله لهذه المسألة على «وجود بصيص من التفاؤل إلى حد ما، مشددا على إمكانات واسعة يمكن لعالم بـ7 مليارات نسمة أن يوفرها».
واشار أكتيو الى أنه «من الضروري عدم اتخاذ هذا التطور السكاني باعتباره تحديا لا يمكن التغلب عليه، والأهم من ذلك هو فهم مدى تأثير ذلك على أنحاء مختلفة من طيف الأمن البشري».
وقال الكاتب انه «يجدر التعامل مع ارتفاع معدلات النمو الديموغرافي كأي معدل لنمو قطاعات أخرى في العصر السائد كما أن الأرقام المذهلة لارتفاع عدد السكان وظاهرة التحضر ليست بحاجة الى أن تكون الزاوية الوحيدة في الطرح العالمي لهذه المسألة».
وبين اكتيو أنه «يجب الخوض أبعد من ذلك بكثير في تعقيد مشاكل «الإنسانية» التي أصبحت في أغلبها متحضرة، ومن المتوقع أن ثلاثة أرباع سكان العالم سيعيشون في المدن بحلول عام 2050».
وأكد الكاتب ان بلوغ 7 مليارات ساكن «مشكلة ليست بحاجة إلى أن تصبح الهدف من الخطاب الدولي. بدلا من ذلك، من المتوقع أن تزحف بسرعة في مناقشات الديبلوماسيين في عام 2012، وبذلك يتعين على مسألة سرعة نمو السكان أن تكون بداية لحوار أكثر إنتاجا. وبالتوزاي مع طفرة السكان ستثار مشاكل أخرى بدرجة أعمق كالميزات الصحية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية لهذا التغيير التاريخي، كما سيعاد رسم الاتجاهات الأساسية الأخرى للقرن 21 مثل تغير المناخ والتحضر».
ويتوقع عدد من المراقبين عبر تقارير ومقالات في الصحف العالمية أن العالم بـ7 مليارات نسمة «يعتبر تحولا قد يزيد في حالة عدم الاستقرار الدولي».
وذكر تقرير لـ «ديلي تيلغراف» أن اهتمام الامم المتحدة «سيتركز مستقبلا في مجال حالات الطوارئ الإنسانية والتهديدات الأمنية الدولية الناشئة عن الثورات الجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذي قد ينتشر إلى مناطق أخرى في القارة الأفريقية التي تتهدد بعض دولها المجاعة كالصومال ودارفور والتي تعرف معدلات نمو مرتفعة».
وفي اطار المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحق العيش الكريم الذي يفتقده الكثيرون في العالم حسب احصائيات الأمم المتحدة، فهناك تنبؤ بمزيد من الجدل السياسي بين الحكام والشعوب. لكن اذا أخذنا طفرة السكان فهل نعذر الحكام على تزايد استحقاقات الشعوب ام يرمى اللوم كله على الحكام والنخب للاستفراد بالثروات؟ فما مدى صحة خلل توازن ارتفاع عدد السكان والثروات المتوافرة في العالم؟ هل هناك صعوبة لعامة الشعوب للوصول اليها أم هي محدودة فعلا أم هي لدى نخب محدودة؟ وبالتالي فإن ثورات الشعوب ستعيد توزيع الثروات ومجابهة تحد زيادة السكان سيكون أمرا ممكنا وحتميا؟؟
يتوقع كاتب متخصص حسب «ديلي تيلغراف» ان «مواصلة الصراعات ذات الصلة بالاقتصاد والأحوال المعيشية سيتزايد بقدر زيادة النمو الديموغرافي، فكل فرد له الحق في الحياة، وهنا التحدي الأكبر لحكومات العالم في المستقبل القريب، وفي هذا الصدد لوح العديد من الدول بتحذيرات كثيرة حول شبح أزمة غذاء وطاقة وماء.
وكالات الاغاثة للامم المتحدة، من جانبها، تستعد لاتخاذ إجراءات غير مسبوقة، وقد أطلقت بمعية شركائها في الآونة الأخيرة أكبر نداء للحصول على مساعدات الإغاثة الإنسانية بنحو 7.7 مليار دولار كمساعدات عاجلة. وقالت ان هذه المساعدات «ليست استجابة فقط لارتفاع حاد في تدهور الوضع الانساني نتيجة الصراعات المنتشرة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط على سبيل المثال ولكن بسبب وتيرة متزايدة من الكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم».
وتعد الأمم المتحدة مذكرة مهمة ستعرضها في شهر يونيو المقبل في ريودي جانيرو +20 في اطار مؤتمر حول التنمية المستدامة.
وبين بعض المختصين في شؤون الانسانية للأمم المتحدة أنه «وسط توقعات اقتصادية قاتمة، مع ذلك، فإن احتمال مقاطعة زعماء العالم لصفقات إنقاذ الكوكب على مستوى قضايا الاستدامة، مثل تغير المناخ قد يكون منخفضا».
في الختام يبقى تساؤل هل أخطأ خبراء الأمم المتحدة في تسمية عام 2012 «السنة الدولية للتعاونيات»؟
الجواب سيتبين في هذه المؤشرات حول المتغيرات الجديدة لكوكب الأرض.
– عماد المرزوقي
(الرأي الكويتية 19 يناير 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*