شبح مالثوس يطارد البشرية من جديد

تيم هارفورد

هل سيكون هناك سبعة مليارات شخص منا بحلول عيد الأضحى المقبل؟ لا بد أنك تمزح. يتمتع أحدهم في صندوق الأمم المتحدة للسكان بروح الدعابة، كما يبدو. وهذه التوقعات مخيفة بالنسبة إلى البعض، ومبهجة بالنسبة إلى البعض الآخر، بينما يجده معظمنا أمرا بلا أية صلة. ويبدو الابتهاج بالعيد السعيد مناسبا. إنه توقع إحصائي، ويمكن أن تتمتع التوقعات الإحصائية بروح الدعابة، لكن فيها هوامش للخطأ. ولا يعرف صندوق الأمم المتحدة للسكان فعليا ما إذا كان المولود رقم سبعة مليارات سيولد في عام 2011. المملكة المتحدة تعتمد حاليا على بيانات إحصائية قديمة يعود تاريخها إلى عشر سنوات مضت. وهناك أماكن في العالم يعود فيها تاريخ البيانات إلى عقود مضت، ونحن نخمن فحسب بشأن عدد السكان. إن الوقت يطير، أليس كذلك؟ وحينما كنت في المدرسة، قيل لي إن عدد سكان العالم يبلغ خمسة مليارات نسمة فقط. في منتصف الثمانينيات، كان عدد سكان العالم خمسة مليارات نسمة فقط. وكان الشخص الذي أكمل تعداد سكان العالم بستة مليارات نسمة – رسميا، عدنان نيفيك من سراييفو، على الرغم من أنه ليست لدينا فكرة من هو بطبيعة الحال – يبلغ من العمر 12 عاما فقط.
يأتي كل مليار جديد بشكل أسرع من المليار الأخير – إنه أمر مقلق للغاية. في واقع الأمر، كان النمو السكاني يتباطأ. ونما بنحو الثلث بين الأعوام 1960، و1974 – من ثلاثة مليارات إلى أربعة مليارات – ولكن الأمر استغرق أكثر من 21 عاما لكي ينمو بنحو الثلث، من خمسة مليارات إلى سبعة مليارات. ولدى الأمم المتوقع بهذا الصدد – سيناريو ”تدني الخصوبة” – حيث سيتجاوز عدد سكان العالم ثمانية مليارات نسمة خلال فترة وجيزة، ثم يبدأ في التراجع. بناءً عليه، هل كان مالثوس مخطئا؟ أدرك حتى روبرت مالثوس أنه كان هنالك شيء يعرف باسم وسيلة منع الحمل. وأما خلفاؤه الأكثر اهتياجا – مثل بول إهرليش، الذي ألف في 1968 كتاب ”القنبلة السكانية Population Bomb – فقد تم دحضهم منهجيا بشكل عادل بأحداث لاحقة. ويلخص دان جاردنر، مؤلف الكتاب المشوق ”هذر المستقبل Future Babble” سيناريوهات إهرليش الثلاثة في ثمانينيات القرن الماضي بوصفها ”يموت الجميع” (الجوع الذي تحدثه الحرب النووية)، و”كل عنصر بشري ثالث يموت” (الجوع الذي تحدثه الفيروسات)، والسيناريو المتفائل المتمثل في ”سيموت مليار شخص من الجوع رغم ذلك”. يا لحظ إهرليش السيئ. ربما في العقد المقبل… ماذا عن مالثوس؟ من الأصعب الحكم عليه: تبدو حجته الأكثر شهرة تجريدية نوعا ما في واقع الأمر. وجادل بالقول إن النمو السكان غير المضبوط متزايد القوة الأُسيّة حسب المتوالية الهندسية: 2، 4، 8، 16، 32، 64. ويمكن أن يكون التقدم في الإنتاج الزراعي وفقا لمعادلة حسابية في أحسن الأحوال: 10، 20، 30، 40، 50، 60. وفي نهاية المطاف، يلحق النمو متزايد القوة الأُسيّة بالركب، ويتغلب على التقدم الحسابي. وعاجلا أم آجلا، بناءً عليه، يفوق عدد السكان قدرتنا على إطعام الجميع. تتبع ذلك مجاعة شاملة. هذا أمر محتمل. والأكثر احتمالا هو أن توافر الغذاء يفرض حدودا على النمو السكاني. وفي ظل ”الاقتصاد المالثوسي” لا تتحسن المستويات المعيشية بأكثر من مجرد الحصول على لقمة العيش، بغض النظر عن مدى التقدم التكنولوجي؛ لأن عدد السكان يواكب دائما وتيرة نمو الاقتصاد. هذا هراء بطبيعة الحال. هذا وصف جيد على نحو مدهش للوجود البشري حتى نحو 1798، وهو العام الذي نُشر فيه مقال مالثوس الشهير Essay on the Principle of Population، أي مقالة في مبدأ السكان، ويبدو أن استهلاك السعرات الحرارية لعمال الريف في إنجلترا أقل إلى حد ما من الموائل ”المتجمعات” البدائية للصيد – والحصاد في يومنا هذا. ولحسن حظ الإنسانية، ولكن لسوء حظ مالثوس، كانت هناك مفاجأة كبيرة في التطورات اللاحقة: ارتفعت الإنتاجية الزراعية بشكل حاد، وسبقت معدل نمو السكان. هل يعني ذلك أننا جميعا بخير؟ يعني ذلك ”أن الأمور جيدة لغاية الآن”. ويعتقد بعض الخبراء أن ندرة الموارد الطبيعية ستلحق بنا في نهاية المطاف. وتجادل مدرسة التفكير الأكثر تفاؤلا بقول: إن الأعداد الكبيرة للسكان تعني المزيد من الأفكار الجيدة التي يتم تداولها. وسوف نبتكر، بوتيرة أسرع بكثير، ونحل أية مشاكل تتعلق بالطاقة، أو الموارد، أو البيئة التي تعترض طريقنا. وكان المتفائلون على حق طوال مائتي عام. بناءً عليه، لا داعي للقلق. ليس تماما. كان أنصار مالثوس المعاصرون يبدون في غاية الغباء في تسعينيات القرن الماضي: كان ثمن العمالة الماهرة يرتفع بشكل حتمي، وكان سعر معظم السلع، وخصوصا النفط، متدنيا. ولكن في السنوات الأخيرة، كان هناك ارتفاع واضح في هذه الأسعار. ربما أنه أمر مؤقت: يمكن أن تحدث الأسعار المرتفعة ابتكارات لتوفير الطاقة. أو ربما سيعود شبح مالثوس ليطاردنا، حتى لو لم يكن ذلك خلال عيد الأضحى هذا. ومن الصعب أن نقول: إن النمو السكاني أمر طريف. وكان لمالثوس نفسه ثلاثة أبناء – ولكنه لم يحظ بأحفاد.
(الاقتصادية 2 نوفمبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*