اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي: التحول الديموغرافي

أ.د. محمد إبراهيم السقا

استعرضنا في المقالات السابقة اتجاهات النمو في الناتج المحلي الإجمالي، ولاحظنا أن العقود الأربعة الماضية قد شهدت تطورا واضحا في معدلات النمو الذي تحقق في المملكة، والذي انعكس بالتبعية على مستويات التعليم والصحة ومعدلات الاستهلاك وأنماط المعيشة ومن ثم مستويات الرفاه.
هذه التطورات في مستويات المعيشة انعكست، مثلما يحدث في باقي المجتمعات السكانية في العالم، على المتغيرات الديموغرافية وهيكل السكان في المملكة، حيث تعيش المملكة حاليا تحولا ديموجرافيا واضحا نتيجة لهذه التطورات.

من المعلوم أنه ما إن تبدأ عملية التحديث في مجتمع ما، حتى يبدأ التحول الديموغرافي Demographic Transition فيه، والتحول الديموغرافي هو الحالة التي يتحول فيها المجتمع من مجتمع ترتفع فيه معدلات المواليد والوفيات، وبالتالي انخفاض معدلات النمو السكاني، إلى مجتمع تنخفض فيه معدلات المواليد وأيضا الوفيات، ومن ثم انخفاض معدلات النمو السكاني أيضا، ولكن على نحو مختلف.
غير أن لهذا التحول الديموغرافي عدة أوجه، ويختلف سلوك معدلات الوفيات والمواليد عبر أوجه التحول الديموغرافي، ففي الوجه الأول لعملية التحول تكون معدلات المواليد مرتفعة جدا، وكذلك معدلات الوفيات مرتفعة أيضا، ما يعني أن معدلات النمو السكاني تكون منخفضة في البداية، وهذه هي السمة المشتركة للمجتمعات التقليدية.

غير أن التحسن في مستويات المعيشة تكون أهم مظاهره الاهتمام بالخدمات الصحية وارتفاع مستويات الرفاه للسكان وتحسن مستويات التغذية والبعد عن العادات الصحية السيئة… إلخ، فتنخفض نتيجة لذلك معدلات الوفيات بصورة جوهرية، بينما تستمر معدلات المواليد عند مستويات مرتفعة، لأن استجابة معدلات المواليد لعمليات التحديث تأخذ وقتا أطول، وهو ما يعني أنه في الوجه الثاني لعملية التحول الديموغرافي تبدأ معدلات النمو السكاني في الارتفاع بصورة واضحة، وتأخذ أعداد السكان في التزايد على نحو كبير.

ثم تأخذ معدلات المواليد في الاستجابة للتغيرات التي تحدث في معدل الوفيات، وتغير قيم السكان حول مفهوم الأسرة والحجم الأمثل لها… إلخ في الوجه الثالث لعملية التحول، ومن ثم تأخذ معدلات المواليد في الانخفاض مع استمرار معدلات الوفيات في الانخفاض.
أما الوجه الأخير لعملية التحول الديموغرافي فيشهد انخفاض معدلات المواليد بصورة جوهرية وتعود معدلات النمو السكاني للانخفاض مرة أخرى بفعل تراجع انخفاض معدلات المواليد والوفيات.
لم يسلم المجتمع السعودي من هذا التحول بعد جهود التحديث التي مر بها خلال النصف قرن الماضي، لقد كانت معدلات المواليد الخام (عدد المواليد لكل ألف من السكان في السنة) مرتفعة للغاية في المملكة في بداية الخمسينيات.
فوفقا للجدول رقم (1)، كان يولد نحو 48 طفلا لكل ألف من السكان في السنة، بينما كانت معدلات الوفيات الخام (عدد الوفيات لكل ألف من السكان سنويا) مرتفعة جدا أيضا، حيث كان يموت سنويا نحو 24 نسمة من كل ألف من السكان، هذا الارتفاع في كل من معدلات المواليد والوفيات الخام ترتب عليه نمو سكاني في حدود 24 نسمة لكل ألف من السكان.
مع تطور المجتمع السعودي وتطور الخدمات الصحية وانتشارها وتحسن مستويات المعيشة بانعكاس الوقورات النفطية على دخول ومستويات معيشة السكان، أخذت معدلات الوفيات في التراجع بصورة سريعة، بصفة خاصة في السبعينيات، حيث انخفضت معدلات الوفيات الخام في النصف الثاني منها إلى عشر حالات وفاة لكل ألف من السكان، في الوقت الذي استمرت فيه معدلات المواليد مرتفعة، ولذلك أخذت معدلات النمو السكاني في التزايد كما هو واضح من الجدول إلى نحو 35 نسمة لكل ألف من السكان، وهو معدل نمو سكاني مرتفع للغاية.
ربما يبدو التحسن في معدلات الوفيات بصورة أوضح عندما ننظر إلى معدلات الوفيات الخام بين الأطفال، وهو المعدل الذي يقيس عدد الوفيات من الأطفال الذين يقل عمرهم عن عام لكل ألف من السكان، ففي النصف الأول من الخمسينيات كان يموت 204 أطفال ذكور و221 أنثى لكل ألف من السكان قبل أن يكملوا عامهم الأول، وهي من أعلى المعدلات المسجلة عالميا، غير أن أداء المملكة في تحسين معدلات الوفيات للأطفال كان مبهرا، فبحلول عام 2010 كان متوسط عدد الأطفال الذين يموتون قبل أن يكملوا عامهم الأول، 17.3 من الجنسين لكل ألف من السكان، وتتوقع الأمم المتحدة أن يتراجع هذا الرقم إلى مستوى متوسط نحو ثمانية أطفال بحلول عام 2050، وهو تطور مثير جدا.
معدل الوفيات الخام بين الأطفال في المملكة (لكل ألف من الأطفال أقل من سنة). الأمر المثير للاهتمام أيضا هو تراجع معدلات المواليد في المملكة بصورة مستمرة منذ الخمسينيات في القرن الماضي حتى اليوم، ففي المتوسط تراجعت معدلات المواليد الخام خلال الـ 30 عاما الأخيرة إلى النصف تقريبا، ويقدر معدل المواليد الخام حاليا بنحو 22 لكل ألف من السكان لعموم السكان في المملكة، أما معدلات المواليد الخام بين السعوديين فتبلغ حاليا نحو 27 طفلا لكل ألف من السكان.
وعلى الرغم من أن المملكة ليست من الدول التي لا تتبنى سياسات سكانية تقضي بتحديد النسل، فإن هذه التطورات في معدل المواليد تتماشى مع وجهة النظر القائلة بأن التنمية هي أفضل محدد للنسل.
ومع ذلك فإنه وبالمقاييس الدولية، تعد هذه المعدلات للنمو السكاني مرتفعة جدا، وليس من المستغرب أن نجد أعداد السكان من المواطنين يتزايدون بصورة واضحة، حيث يقدر عدد المواطنين حاليا بنحو 19 مليون نسمة، مقارنة بنحو 6 ملايين نسمة فقط في النصف الأول من السبعينيات.
هذا النمو السكاني السريع ناجم أساسا عن عدم التوازن بين أنماط انخفاض معدلات المواليد ومعدلات الوفيات في المملكة، حيث ما زال انخفاض معدلات الوفيات أكبر من انخفاض معدلات المواليد، الأمر الذي يدفع بالنمو السكاني نحو الزيادة.
هذا النمو السكاني الكبير يترتب عليه مشكلتان في غاية الأهمية، الأولى أنه إذا لم يصاحب هذا النمو السكاني نمو مماثل في معدلات فتح وظائف جديدة، فإن البطالة تتحول إلى مشكلة حقيقية في المجتمع، والثانية هي أنه مع تزايد أعداد السكان وتحسن مستويات المعيشة تنتشر ظاهرة شيخوخة السكان في المملكة، وهو موضوع مقال الأسبوع القادم إن أحيانا الله سبحانه وتعالى.

(الاقتصادية 10 فبراير 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*