كوكب المليارات


اختلفت 4 دول هي الفلبين والهند وروسيا واليمن، حول أحقية كل منها بمولد الطفل رقم 7 مليارات بعد أن كانت الفليبين هي أول دولة تعلن إتمامها لهذا الرقم بولادة الطفلة دانيكا كاماشو في أول ثانية من فجر يوم الاثنين بتاريخ 31-10-2011.  فقد أعلنت الهند ولادة الطفلة نرجس قبل أن تلحقها روسيا التي شهدت نزاعاً داخلياً بإعلان مدينتين فيها ولادة الطفلين بيتر وألكسندر وفي صنعاء وضعت زوجة المواطن اليمني حسين أحمد شقيقتين توأم في أول دقيقة من ذلك اليوم. لكن سرعان ما حسم صندوق الأمم المتحدة للسكان، هذا الخلاف معلنا أحقية اليمن بلقب طفل الـ 7 مليار.
في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الستين من ليل يوم الأحد 30-10-2011 كان تعداد سكان العالم 6.999.999.999 لكن بعد ذلك بثانية واحدة بلغ تعداد سكان الكوكب 7 مليارات نسمة، عندما استقبل العالم طفل المليار السابع. وأعلنت كل من اليمن والهند وروسيا والفيلبين رمزياً ولادة الطفل الذي بدأ ملياراً جديداً في بني البشر. وأعلن ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، مارك فاندنبرغي عن طفلة من صنعاء رفعت عدد سكان العالم إلى 7 مليارات نسمة. وقال فاندنبرغي خلال زيارة مستشفى الثورة في صنعاء إن صندوق الأمم المتحدة للسكان يملك الإثباتات حول أن المولودة الجديدة رفعت عدد سكان العالم إلى 7 مليارات نسمة. وذكرت وكالة أنباء نوفوستي الروسية أن مكتب مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأقصى في منطقة بيتروبافلوفسك كامشاتسكي أعلن عن ولادة طفل المليار السابع، وهو صبي يدعى أليكسندر ولد مساء 31 أكتوبر/تشرين الأول، وقد أعطيت شهادة الطفل رقم 7 مليارات لوالدة الطفل.
كما أعلن المستشفى الحكومي في العاصمة الفلبينية مانيلا، ولادة طفلة المليار السابع، وهي تدعى دانيكا كوماشو. وفي الهند، أعلنت السلطات في ولاية أوتار براديش ولادة طفلة المليار السابع. وكان طفل المليار السادس قد ولد في مدينة سراييفو عام 1999. لا أحد يعرف الشيء الكثير عن دانيكا الصغيرة الفيليبينية التي لم يمض على ولادتها سوى ثانية واحدة سوى أنها ولدت في مستشفى فابيلا الحكومي بمانيلا، وأن بعض العاملين في فرع الأمم المتحدة بالعاصمة الفلبينية كانوا بالمستشفى وأقروا بولادتها الرمزية طبقا للشروط المطلوبة، ثم قدموا لها ولوالديها قالب حلوى كتبوا عليه الرقم 7 مليارات بالشوكولا الأبيض، وتحته باللون نفسه كتبوا اسم الفلبين،  وسط تغطية مباشرة من المحطات التلفزيونية المحلية والعالمية. وبحسب شروط وحسابات تقديرية أجرتها الأمم المتحدة لتحديد المولود الجديد، فإن دانيكا لم تكن الوحيدة التي ولدت في الثواني الأولى من فجر ذلك الاثنين في العالم، بل ولد قبلها العشرات في البلاد الواقعة قبل الفلبين لجهة الشرق الجغرافي من كوكب الأرض، كنيوزيلندا وأستراليا واليابان، وسواها من دول الجوار.

نجمة الصباح
بالطبع فان تقديرات الأمم المتحدة ناتجة عن معلومات مسبقة قدمتها المستشفيات عن إمكانية ولادة بعض الأطفال فيها ضمن التوقيت الذي يأخذونه بعين الاعتبار. مع ذلك، فالأمم المتحدة تعتبر ولادة الطفلة الفلبينية رمزية فقط للإشارة إلى عدد سكان العالم، ومن دون هذه التقديرات سيبقى العدد غامضا. دانيكا هذه التي يعني اسمها “نجمة الصباح” بلغة “التغالو” الفليبينية، بلغ وزنها عند الولادة 2.5 كيلوغراما، وهو وزن طبيعي، وبولادته زاد عدد سكان الفلبين نسمة واحدة، فأصبحوا 94 مليون و901 ألف نسمة يعيشون في بلاد تضعها الأمم المتحدة في الدرجة 12 من حيث عدد السكان في العالم.
ومن بين من شاركوا بالأهازيج وبالاحتفال بالمولودة الرقم 7 مليارات، وفقا لما ذكرته محطات تلفزيونية فلبينية، كانت هناك طفلة عمرها الآن 12 سنة، اسمها لوريتز ماي غيفارا، وكانت أيضا أول من أبصر في أول ثانية من عام 1999 وقفزت بسكان البشرية ذلك العام إلى 6 مليارات نسمة. وهذا يعني أن عدد سكان العالم ازداد بمقدار مليار نسمة في 12 عاماً فقط.

علامة فارقة
وتمثل هذه العلامة الفارقة من تاريخ العالم، فرصة كبيرة وتحدياً كبيراً في آن واحد معاً. فعلى رغم أن الأشخاص يعيشون حياة أطول وينعمون بصحة أفضل، وأن الأزواج في كل أنحاء العالم يختارون أن يكون لهم عدد أقل من الأطفال، تظل ثمة أوجه تفاوت شديد، وفق صندوق الأمم المتحدة للسكان. فوتيرة النمو الحالية لسكان كوكب الأرض تضيف نحو 78 مليون نسمة كل سنة لكوكبنا، أي ما يعادل عدد سكان كندا وأستراليا واليونان والبرتغال مجتمعين. ويحدث هذا النمو تقريباً (أي 97 شخصاً من بين كل 100 شخص) في أقل البلدان نمواً، التي يلهث  بعضها إلى تلبية احتياجات شعبه. أما الفجوات بين الأغنياء والفقراء فهي آخذة في الازدياد. وأصبحت أعداد من الناس أكثر عرضة من أي وقت مضى لانعدام الأمن الغذائي وأزمات نقص المياه، والكوارث الناجمة عن الطقس وعن التغيرات المناخية. كما يساور القلق في الوقت ذاته العديد من البلدان الغنية والمتوسطة الدخل بشأن انخفاض الخصوبة، وتناقص عدد السكان، والشيخوخة.
وتتوقف إمكانية العيش معاً على كوكب صحي على القرارات التي نتخذها الآن. ففي عالم بتعداد 7 مليارات نسمة، وآخذ في التزايد، يتعين علينا أن نعتمد على بعضنا البعض. ويبدو أن معدل الزيادة السكانية يتباطأ، لكن بلوغ عدد كبير من الأشخاص سن الإنجاب الآن، يقدر بنحو 3.7 مليار شخص، يعني أن عدد سكان العالم سيستمر في الازدياد لعقود. ويتوقف الموعد الذي نكمل فيه المليار المقبل والمليارات التالية على القرارات المتعلقة بالسياسات والتمويل التي تتخذ الآن في شأن الرعاية الصحية للأمهات والأطفال، وإمكانات الوصول إلى تنظيم الأسرة، وتعليم الفتيات، وتوسيع نطاق الفرص أمام المرأة.

تغيير كبير
لقد ارتفع متوسط العمر المتوقع في كل أنحاء العالم بمقدار 20 سنة منذ عام 1950، من 48 سنة إلى 69 سنة الآن. وفي الوقت ذاته، انخفض معدل الوفيات بصورة مطردة، لأن الاكتشافات الطبية وتأمين مرافق الصرف الصحي والرعاية الصحية أنقذت أرواح الملايين. كما انخفض معدل الخصوبة الإجمالي في العالم بمقدار النصف تقريباً خلال 50 سنة (من 5 أطفال لكل امرأة عام 1950 إلى 2.5 في الفترة 2010 – 2015، مع وجود اختلافات واسعة بين البلدان).
وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، سيزيد عدد الجنس البشري قليلاً عن 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050 ويتعدى 10 مليارات شخص بحلول نهاية القرن الحالي. وتحجب المعدلات العالمية مقداراً كبيراً من التفاوت بين البلدان. فمعدلات الخصوبة في اليابان ومعظم الدول الأوروبية وسنغافورة وروسيا تبلغ 1.5 طفل لكل امرأة أو أقل، في حين أن المعدلات تبلغ 5 أطفال أو أكثر في أفغانستان والعديد من البلدان الأفريقية. وإذا استمرت هذه الاختلافات، فإنها يمكن أن تحدث تغييراً كبيراً في العالم.

ألمانيا وأثيوبيا
كما أن لمستويات الخصوبة أهميتها. فألمانيا مثلاً، بعدد سكانها البالغ 82 مليون شخص تماثل الآن في حجم السكان إثيوبيا التي يعيش فيها 83 مليون شخص. لكن معدل الخصوبة في ألمانيا هو 1.4 طفل لكل امرأة وفي إثيوبيا 4.6 أطفال لكل امرأة. وبحلول عام 2050، يرجَّح أن يتراجع عدد سكان ألمانيا إلى 75 مليوناً في حين سيتضاعف عدد سكان إثيوبيا تقريباً، ليبلغ 145 مليون شخص. في عام 1805 بلغ عدد سكانها مليار نسمة، وكان المليار الأول في 1927 وصل سكان العالم إلى مليارين ثم مضت 53 سنة لتقفز البشرية في 1960 إلى مليارها الثالث، وإلى الرابع بعد 14 عاماً، ثم الخامس في 1987، ومن بعده في 1999 وصلت إلى 6 مليارات.

شهر غريب
لقد انقضى شهر أكتوبر/ تشرين الأول الغريب  الذي كان الشهر  الوحيد منذ 823 سنة الذي يحتوي على 5 أيام سبت ومثلها للأحد وللاثنين تباعاً. وفي الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر الماضي، بلغ عدد المواليد أكثر من سكان لبنان البالغ عددهم 4 ملايين و500 ألف نسمة، يقابلهم مليون نسمة من الأموات، أي تقريباً عدد من قضوا في حرب العراق مع إيران طوال 8 سنوات، والفرق هو 3 ملايين و500 ألف نسمة، أي أكثر بمليون من سكان العاصمة الأردنية.
وجاء في دراسة إحصائية أصدرها “المعهد الألماني للتطور الديمغرافي للشعوب” الشهر الماضي، أن آسيا وأفريقيا حققتا معدلاً مرتفعاً للنمو السكاني بين قارات العالم، وأن إفريقيا جنوب الصحراء هي أكثر منطقة في العالم يتزايد فيها السكان، وأن تراجع القدرة الإنجابية في أوروبا إلى أقل من طفلين لكل امرأة يقابله معدل مخيف في إفريقيا، وهو 7 لكل امرأة.
وقالت الدراسة إن موازين القوى في العالم ستتغير مع الوقت، باتساع الفجوات السكانية بين القارات والدول، فالهند ستحتل بعد 20 سنة مكان الصين كعنوان إقامة لأكبر عدد من بني البشر، ويتوقعون أن تقفز نيجيريا بعد 40 سنة إلى 750 مليوناً. وأكثر 10 دول كثافة بالسكان هي بالملايين:الصين 1330، تليها الهند 1170، والولايات المتحدة 306، والرابعة هي إندونيسيا 243، ثم البرازيل 191، والسادسة هي باكستان 180، ثم نيجيريا 162، وبنغلاديش 151، والتاسعة هي روسيا 143، ثم اليابان 128 مليون نسمة.

علبة سردين
كم تستوعب الأرض من السكان؟.
بحسب الدراسات وأحدث التقارير، فان الأرض في طريقها لتصبح  مكتظة كعلبة سردين، بحيث سيأتي عليها يوم لا تستوعب فيه المزيد من المواليد، لأن التوقعات تشير إلى أن عدد سكان العالم بعد 40 سنة سيصل إلى 9 مليارات و300 مليون نسمة، بحسب تقرير صدر الشهر الماضي عن دائرة الشئون الاجتماعية والاقتصادية في الأمم المتحدة. وفي عام 2111 قد يصل سكان الأرض إلى رقم حذر منه عالم هولندي شهير، هو أنطوني فان ليفنهوك، الذي توفي في 1723، واخترع أول مجهر ضوئي اكتشف به ميكروبات مهمة، فقال في 1679 إن الأرض لا تستوعب على سطحها أكثر من 13 مليار و600 مليون نسمة، وهو الرقم الذي سيصل إليه سكان العالم بعد قرن من الآن. وقام ليفنهوك بحسابات معقدة استنتج منها أن سكان الأرض سيضطرون للقيام بعملية دفاع ذاتي عن النفس للبقاء على مراحل، فيتوقفون عن الإنجاب ويصبح الشيوخ والعجائز معظم سكان الكوكب الذي كان سكانه مليون و500 ألف نسمة قبل ألفي عام. لكن آخرون يردون عليه مؤكدين بأن الأرض يمكنها استيعاب 20 ملياراً من البشر، لكن المشكلة هي موارد الماء والغذاء، فهي قد لا تكفي كل هذه المليارات.

مكة والمدينة
ومن الأرقام التي أوردتها قناة “العربية” عن تزايد السكان، فان من كان يقيم في مكة المكرمة عام بدء الرسالة الإسلامية لا يزيدون عن 12 ألف نسمة تقريباً، وفي المدينة المنورة كانوا 30 ألفاً. أما حالياً فسكان مكة جاوزوا المليونين، ومثلهم سكان المدينة. أما الجزيرة العربية التي كان عدد سكانها 8 ملايين في 1950، فقد أصبحوا هذا العام 60 مليوناً وأكثر.
وتوقع تقرير الأمم المتحدة أن يتجاوز عدد سكان العالم البالغ راهنا 7  مليارات نسمة، الـ 10 مليارات بحلول العام 2100، لا بل 15 مليارا في حال أتت معدلات الخصوبة أعلى بقليل مما هو متوقع. وبحسب الأرقام الأخيرة التي أتت مرتفعة مقارنة بسابقاتها، يتوقع أن يبلغ عدد سكان العالم 9.3 مليارات نسمة سنة 2050 وأكثر من 10 مليارات بحلول نهاية القرن، على ما توقع صندوق الأمم المتحدة للسكان.
ولكن في حال تغير معدل الإنجاب ولو قليلا ولاسيما في البلدان التي تشهد اكبر عدد من السكان في العالم، قد تكون الأرقام أكبر أي 10.6 مليارات نسمة بحلول العام 2050 وأكثر من 15 مليار نسمة سنة 2100. ويتطرق التقرير إلى الطفرة السكانية التي رافقت طفرة المواليد بعد الحرب العالمية الثانية والتي تراجع تأثيرها في أعوام الستينيات. فالرخاء الاقتصادي وارتفاع مستوى التعليم والنفاذ إلى وسائل منع الحمل خفضت معدل الإنجاب بشكل ملحوظ إلى درجة أن بعض البلدان الغنية تشهد اليوم انخفاضا مثيرا للقلق في عدد سكانها.

خصوبة تتراجع
وبالتالي، انخفض متوسط معدل الخصوبة العالمي في العقود الستة الأخيرة من ستة أطفال للمرأة الواحدة إلى 2.5 اليوم، علما أن متوسط معدل الخصوبة يتراوح بين 1.7 أطفال في البلدان المتقدمة و4.2 طفل في اقل البلدان نموا. وعلى الرغم من ذلك، يستقبل العالم كل سنة 80 مليون نسمة إضافية فيما يمثل من هم دون الخامسة والعشرين 43 بالمئة من عدد سكان العالم. ويقول المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان باباتونديه أوسوتيمهين “قد يعتبر عدد السكان القياسي نجاحا بالنسبة إلى البشرية من نواح عدة، فالبشر يعيشون لفترة أطول ويتمتعون بصحة أفضل”. ويضيف متسائلاً “كم نسمة يحتمل كوكبنا؟ إنه سؤال مهم، لكنه قد لا يكون السؤال الملائم. فعندما ننظر إلى الأرقام وحدها، نميل إلى التغاضي عن الفرص الجديدة المتاحة أمامنا لتحسين الظروف المعيشية للجميع في المستقبل”.

ضغط هائل
وقد كتب بول هاريس في صحيفة الأوبزرفر أن من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 15 مليار إنسان مع حلول عام 2100، وأن  الأمم المتحدة حذرت من أن ذلك سيشكل ضغطا هائلا على موارد كوكب الأرض ما لم يتم اتخاذ إجراء فوري للحد من النمو السكاني. وأضاف :ربما يصيب هذا الرقم الكثير من الخبراء بالصدمة، لأنه أعلى بكثير من التقديرات الراهنة التي ذهبت إلى أن عدد سكان العالم سيبلغ 10 مليارات نسمة مع نهاية القرن.
وجاء هذا الرقم في دراسة أجراها الصندوق السكاني التابع للأمم المتحدة. وأصابت هذه الدراسة بعض الخبراء بالصدمة، حيث قال روجر مارتين رئيس مؤسسة “للسكان أهمية” التي تتولى الحملة الدولية للحد من النمو السكاني، إن الأرض تدخل مرحلة جديدة خطيرة وإن كوكبنا يقترب من العاصفة في النمو السكاني والتغيرات المناخية ووصول موارد النفط إلى ذروتها، فهذا الكوكب لا يحتمل وجود 7 مليارات إنسان على سطحه.
يذكر أن عدد سكان العالم اليوم هو ضعفا ما كان عليه في الستينات من القرن الماضي بسبب تسارع النمو السكاني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية على وجه الخصوص، وبسبب تقدم الطب الذي أدى إلى ارتفاع متوسط عمر الإنسان وتراجع معدلات وفيات الأطفال، وهو ما عادل انخفاض معدل نمو السكان في الدول المتقدمة. ويعتقد البروفيسور في جامعة جورج ماسون، جاك غولدستون، مؤلف كتاب “القنبلة السكانية” أن زعماء العالم سيتحركون لمنع هذا النمو الكبير في عدد السكان، وأشار إلى أن عدد سكان العالم مع نهاية القرن سيكون في حدود 10 ـ 12 ملياراً فقط.

الواقع المعاش
منذ عهد توماس مالثوس صاحب النظرية المالتوسية قبل قرنين من الزمان، عندما كان إجمالي عدد السكان أقل من مليار نسمة، كانت هناك مطالب كثيرة بضرورة الحد من معدل المواليد لتجنب حدوث مجاعات وحروب وفوضى على سطح كوكب الأرض. لكن في الواقع المُعاش، سمح الإبداع البشري بأن تتعايش أعداد كبيرة من الناس في وضع متزايد الازدهار ولسنوات تزيد باستمرار.
وفي معظم البلدان كان عدد السكان يزيد في السنوات الأخيرة بطريقة منسجمة مع ”التحول الديمغرافي”: معدل المواليد ينخفض مع تراجع وفيات المواليد، ومستويات الدخل ترتفع، والأنظمة الاجتماعية تتطور، وعدد أقل من الأطفال أصبح مطلوبا لمساعدة الوالدين في العمل وعند التقاعد. لكن العملية تعثرت في بعض المناطق. ففي أنحاء من غربي أفريقيا ساعد ارتفاع مستوى الوقاية الصحية والعلاج في تخفيض وفيات الأطفال، لكن معدل الإنجاب بقي مرتفعا. لكن ذلك يضع أعباء متزايدة باستمرار على النمو الاقتصادي وعلى الأنظمة البيئية الهشة، ما يتسبب في ظاهرة التصحُّر ويقوض الرخاء مستقبلا.
وفي وقت سابق تسببت إجراءات قاسية، مثل التعقيم الإجباري في الهند وسياسة الطفل الواحد في الصين، في إعطاء تنظيم الأسرة سمعة سيئة. لكن مع وجود ما يقدر بـ 200 مليون امرأة يسعين اليوم للحصول على موانع للحمل ولا يستطعن ذلك، تبرز الحاجة إلى تمويل متجدد وإلى برامج أكثر إبداعا لمساعدة من لا يريدون مزيدا من الأطفال.

سلطة النساء
كذلك من شأن تعزيز سلطة النساء أن يساعد في معالجة مخاطر حدوث صراع اجتماعي في بلدان تشهد اختلالا متزايدا في معدل المواليد الذكور إلى المواليد الإناث، من بينها الصين. مع ذلك، وفي أنحاء عديدة من العالم، يشكل نقص السكان مصدر إزعاج أكبر. ففي اليابان وإيطاليا، وقريبا حتى في الصين، فان عدد المتقاعدين سيتجاوز عدد من هم على رأس العمل. وهذا يسلط الضوء على الحاجة إلى أفكار أكثر شجاعة حول تقاسم تكلفة المعاشات والرعاية الصحية لكبار السن. ويمكن القول أن عددا قليلا جدا من الأطفال قد يكون سببا لكثير من المشاكل للجيل التالي، تماما مثلما يمكن أن يفعل عدد كبير جدا منهم.
ذكرت دراسة إحصائية أصدرها المعهد الألماني للتطور الديمغرافي للشعوب أن قارتي آسيا وأفريقيا حققتا معدلا مرتفعا للنمو السكاني بين قارات العالم، وأصبحت أفريقيا جنوب الصحراء أكثر منطقة في العالم من حيث ارتفاع نسبة الزيادة السكانية. ولفتت الدراسة إلى أن تراجع معدلات الخصوبة والقدرة الإنجابية في أوروبا إلى أقل من طفلين لكل سيدة في المتوسط قابله وصول المعدل نفسه في أفريقيا إلى 7 أطفال لكل سيدة.
وأوضحت دراسة المعهد الألماني أن اتساع الفجوة السكانية بين القارات سيلعب دورا مهما في تغير موازين القوى بين دولها خلال السنوات القادمة، مشيرة إلى أن الهند ذات الـ 1.2 مليار نسمة باتت مرشحة لتصبح خلال فترة قصيرة الدولة الأكبر تعدادا للسكان في العالم بدلا من الصين التي ثبت تعدادها عند 1.3 مليار نسمة. ونبهت الدراسة إلى أن الارتباط الطردي بين ارتفاع النمو السكاني في دولة وتزايد وزنها في الساحة الدولية يبدو واضحا في حالات دول كالصين والهند والبرازيل التي يبلغ عدد سكانها 194 مليون نسمة.
وأشارت إلى أن تحليلها للأوضاع السكانية في 103 دول أظهر أن الدول المتوسطة النمو تمتلك إمكانيات لتحقيق نمو أسرع بفضل قاعدة هرمها السكاني المكونة من الأجيال الشابة. كما أوضحت الدراسة أن بنغلاديش تعد مثالا لهذه الدول حيث تحولت خلال السنوات الخمسين الأخيرة من دولة لديها انفجار سكاني تنعدم فيها مقومات البنية التحتية ووصل فيها المستوى التعليمي إلى حالة كارثية، إلى دولة حققت طفرة نمو كبيرة بسبب امتلاكها شريحة عريضة من القوى العاملة الشابة المؤهلة، ونظاما تعليميا متطورا، ونسبة عجائز متدنية ومعدل نمو سكاني صحي.
(أرابيان بيزنيس 6 نوفمبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*