الانفجار الديموغرافي

رحيم العراقي
الحوار المتمدن 2007 / 8 / 23

ألبير جاكار، عالم شهير، وداعية إنساني من الصف الأول حيث يشارك باستمرار في جميع التظاهرات الرامية إلى تأمين السكن اللائق لآلاف الأسر التي تعيش في فرنسا في ظل أوضاع هشّة، وهو قبل كل شيء «عالم وراثة» إذ عمل خبيرا في ميدان «الوراثة» الخاصة بالسكان لدى منظمة التجارة الدولية؛ وكان لفترة من الزمن مديرا للمعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديمغرافية.
قدم ألبير جاكار العديد من الكتب التي جرى نقل الكثير منها إلى لغات أجنبية، ومن أهم كتبه «في مديح الاختلاف» و«5 مليارات شخص في سفينة فضائية» و«العلم من أجل استخدام غير العلماء».
في «الانفجار الديمغرافي»، كتابه الجديد يبيّن ألبير جاكار كيف أن الأجيال تتوالى جيلا بعد جيل. وفي إطار هذه السيرورة تغيّر «لعبة الحياة والموت» بنية السكان للمجتمعات المعنية بها وبالتالي للمجتمع الإنساني كله. ويحاول أن يشرح للقارئ العادي، وفيما هو وراء الأرقام، حقيقة ما يشهده العالم اليوم على صعيد الزيادة السكانية.
ويناقش عبر ما يعتبره «السيناريوهات المحتملة» بالنسبة للمستقبل بحيث يتم الوعي، وليس على مستوى المسؤولين فقط، وإنما أيضا، وخاصة، لدى الناس، عامة الناس، بالمشكلات الحقيقية المطروحة على الإنسانية كلها، والتي قد تقرر الإجابة عنها مسألة بقاء البشرية «تكون أو لا تكون». يحتوي هذا الكتاب على قسمين أساسيين، يشرح المؤلف في الأول منهما «أدوات عمل الباحثين الديمغرافيين» بينما يسأل في الثاني: «أية أرض بالنسبة لأي بشر؟».
ينطلق المؤلف من فكرة «بسيطة»، من «مسلّمة» لا يمكن طرحها للنقاش وهي أن «الكائنات الحية تولد وتموت». لكن «مغامرة كل إنسان هي فريدة، ولا يمكن لمغامرتين أن تتكررا بحذافيرهما في حياة شخصين. وبالتالي لا يمكن لهذه المغامرة أن تكون «مجموعة» ما هي المعنية حيث يمكن تطبيق «قانون الأعداد الكبيرة» وبحيث قد يصبح من الممكن اتخاذ بعض الإجراءات من أجل «توصيف آليات تلك المجموعات».
المسألة الأولى المطروحة هي معرفة واقع المجموعة المعنية واحتياجاتها من غذاء وماء وغيرهما. هكذا كانت «الإحصائيات» هي إحدى المشاغل التي تستحوذ على اهتمام أصحاب القرار منذ فجر الحضارات الإنسانية. ويشير المؤلف هنا إلى أن «الصين قد شهدت أول إحصاء سكاني فيها قبل 1200 سنة من العصر الميلادي. وكانت الإمبراطورية الرومانية قد قامت بالعديد من الإحصاءات على مجمل المجال الجغرافي الذي كانت تبسط سيطرتها عليه.
أمّا فرنسا فكانت قد عرفت أول عملية إحصائية عام 1801 والثاني عام 1815 ثم تتالت بواقع إحصاء سكاني كل خمس سنوات طيلة القرن التاسع عشر لتغدو عمليات الإحصاء أقل انتظاما طيلة القرن العشرين. وفي الولايات المتحدة الأميركية فرض «الآباء المؤسسون» في دستور عام 1778 على الإدارات القيام بإحصاء سكاني كل 10 سنوات. وأظهر إحصاء عام 1790 أن عدد الأميركيين كان 4 ملايين نسمة.
ويركز مؤلف هذا الكتاب على القول ان كلمة «عجوز» تترافق في الثقافة الغربية عامة مع «العبء على المجتمع»، بينما مثل هذه الكلمة تعني مثلا في الثقافة الافريقية «الاعتراف بالوصول إلى سن الحكمة» وتعاظم القيمة. لكن التقدم الكبير الذي حققته الثورة العلمية ونتائجها على الصحة جعل «متوسط عمر الإنسان» أطول، الأمر الذي يستوجب بالضرورة «إعادة تعريف الشيخوخة». فمثلا كان «أمل الحياة» لدى الفرنسيين في القرن الثامن عشر هو «29» سنة، كمعدّل،
وقد أصبح في عام 1990 حوالي 4,72 سنة. وبالتالي يغدو «الابتعاد عن الموت، وحتى لو بصورة احتمالية بحتة، بمثابة امتلاك نظرة جديدة على المستقبل»، كما يقول المؤلف ليضيف مباشرة: «إن البشرية تعيش من وجهة النظر هذه ثورة لا تقل عمقا عن الثورة التي حققتها عندما اخترعت النار»، ذلك أن الطاعنين في السن «يعودون شبابا».
ويتم في هذا الكتاب طرح العلاقة بين النمو الاقتصادي وآليات عمله بالنسبة للتزايد الديموغرافي في العالم. ويؤكد ألبير جاكار أن الحجج المقدمة للبحث عن حلول للمشكلات التي تواجهها البشرية عبر الوصول إلى «تنمية مستدامة»، إنما هي حجج «واهية» بل «كاذبة». إذ ليس هناك «تنمية مستدامة» و«نمو مستدام» حقيقة،
فمثل هذه الفترات لا يمكنها أن تكون سوى مرحلية ولا بد من أن يعقبها «انحسار في النمو الاقتصادي». وبالتالي يغدو «حل أية مشكلة بواسطة النمو هو مجرد تأجيلها إلى فترة لاحقة، إلى الفترة التي سيكون من المطلوب فيها بنفس الوقت إيجاد السبل للحد من وتيرة ذلك النمو ولحل المشكلة المطروحة التي كان قد جرى تمويهها لفترة من الزمن». ويشبّه المؤلف هذه الآلية بتعاطي المخدّرات حيث ان زيادة الجرعة يسمح بعدم وعي الخسائر المترتبة على تعاطيها، أو مثل ذلك «السكّير» الذي يشرب كي «ينسى أنه يشرب».
إذن «سوف يتم ذات يوم بلوغ حدود النمو» لتنطرح عندها بقوة مشكلات «الانفجار السكاني». فبعد «وفرة الغذاء وتعاظم أعداد الماشية إلى درجة تؤكل فيها الأعشاب قبل أن تبلغ ذروة نموها، تعمّ الصحراء، وعندها تموت الحيوانات كلها» كما يشرح المؤلف ليؤكد بعد ذلك أن تجنب الوصول إلى «الكارثة النهائية» يتطلب تبنّي آليات من أجل «إبطاء النمو» بحيث يصبح أكثر قابلية للسيطرة عليه خاصة في فترة التحولات الكبرى.
الغاية من تبنّي آليات السيطرة على النمو هي الوصول «التوازن الضروري»، كما جاء في عنوان أحد فصول هذا الكتاب. وهو «ضروري» بسبب واقع التحول الديمغرافي الذي يعيشه العالم، وذلك كنتيجة مباشرة لانخفاض عدد الوفيات. لكن مثل هذا التوازن مشروط قبل كل شيء بوجود «إرادة جماعية». ثم إن «الانفجار الديمغرافي» الذي يلوح في الأفق يطرح على المعنيين بمستقبل العالم ضرورة وصف الواقع القائم اليوم من أجل استخلاص النتائج لمواجهة الغد.
فأي أرض لأي بشر؟
كان الأقدمون يخوضون معارك يومية من أجل تأمين بقائهم في ظل «قلّة عددهم» و«كثرة المخاطر المحيطة». ثم كانت «الثورة» الحجرية الأولى منذ حوالي 000 35 سنة حيث تزود البشر ب«أسلحة جديدة وحسّنوا بشكل ملحوظ فعاليتهم في الصيد». ويقدّر المختصون عدد سكان الأرض آنذاك بخمسة ملايين نسمة، ويحدد المؤلف أنه منذ حوالي مئة قرن اخترعت بعض الشعوب «تربية المواشي» بينما «تحضّرت شعوب أخرى ومارست الزراعة».
نقرأ: «إن هذه الثورة التي انطلقت من الشرق الأوسط وانتشرت في جميع الاتجاهات بسرعة متوسطة وإنما منتظمة بشكل مدهش بلغت كيلومترا واحد كل سنة. هكذا احتاجت إلى حوالي 3000 سنة كي تصل إلى شمال فرنسا و3500 سنة كي تصل إلى إنجلترا».
ازداد إنتاج الأرض عندها ألف ضعف لتتكون على مدى عدة آلاف السنوات المدن ليزيد عدد سكان العالم في العام 50 قبل الميلاد على 50 مليون نسمة، ووصل إلى المليار الأول عام 1820 تقريبا والمليار الثاني حوالي عام 1925 ولأكثر من 6 مليارات حاليا.
وهذا ما يدعو ألبير جاكار إلى القول ان العالم اليوم يعيش «ثورة ديمغرافية حقيقية». ويعيش في آسيا حسب إحصائيات عام 2001 حوالي 3830 مليون نسمة وفي أوروبا، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي 727 مليون نسمة وفي افريقيا 861 مليون نسمة في أميركا 863 مليون نسمة وفي أوقيانوسيا 32 مليون نسمة.
وكان «أجدادنا» من الصيادين وقاطفي الثمار، وبعدهم من مربي الماشية والمزارعين، يعيشون على ما تقدمه الأرض لهم. هكذا لم يكن تعبير «الأرض الأم» شاعريا فحسب وإنما كان يعبّر عن واقع معيش. وكان موقف الإنسان حيال الأرض قائما على «الاحترام». ثم جاء التطور الصناعي كي «يشوش هذا السلوك» ويقلّ «الاحترام» لتغدو الأرض «ليست أكثر من عبد يتم استغلاله وجني أكبر عدد ممكن من المكاسب منه».
وهذا ما يقدم المؤلف عليه الدليل بالقول ان الإنسانية قد «دمّرت خلال قرن ونصف القرن ربع ما تحتويه الأرض من البترول» الذي تكدس في أعماقها خلال مليارات السنوات. ويضيف: «إذا استمر استهلاكه حسب الإيقاع الحالي فإنه سوف ينضب تماما خلال قرن من الزمن» وبالتالي «سينبغي على أبنائنا البعيدين لاحقا أن يعيشوا فوق أرض لا نفط فيها». وما ينطبق على النفط ينطبق على ثروات الأرض الأخرى.
وعلى أولئك الذين يراهنون على «الحروب» أو «الأوبئة» من أجل «حل المشكلة الديمغرافية» يرد ألبير جاكار بالقول انه «ليس من المستبعد أن يقتل مرض نقص المناعة المكتسب -الايدز ـ عدة ملايين من البشر، ولكن يمكن تأمل أنه سيتم إيجاد السبل من أجل تجنب مثل هذه المأساة التي قد تشكل تهديدا للبشرية كلها». ويضيف: «ينبغي العمل في اتجاه آخر من أجل إيجاد الطريق إلى الغد».
وعلى أولئك الذين يؤكدون أنه لا مساومة على «الحرية»، وتحديدا بالمعنى القاموسي لها القائل: «الحرية تعني غياب الواجبات الملزمة» يرد بتذكيرهم بالحكمة القائلة: «إن الحرية تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر». وبالتالي يؤكد أن الحرية لا يمكن أن تكون «فراغا» وإنما هي بناء جماعي لا تتوقف «ورشته» عن العمل أبدا.
وينهي المؤلف كتابه بجملة جعلها عنوان صفحاته الأخيرة، وردد فيها ما قاله ذات يوم القس الأميركي الأسود مارتن لوثركينغ الذي قال «عشت حلما» ويقول جاكار «فلنحلم» لكن لـ«نحلم» على قاعدة إدراك التهديد الذي تواجهه البشرية والذي يكشفه مؤلف هذا الكتاب بالوسائل الأكثر علمية.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*