هل هناك حاجة إلى تنظيم الأسرة؟


شهد المسرح الديموغرافي في المملكة تغيرات كثيرة خلال العقود الماضية، ولعل من أبرزها انخفاض معدلات الوفيات بشكل عام، ومعدل وفيات الرضع بشكل خاص. ونتج عن ذلك ارتفاع متوسط طول عمر الإنسان السعودي من 40 سنة في عام 1950 إلى 73 سنة في عام 2010. ولكن التغيرات الديموغرافية لم تقتصر على ذلك فقط. فقد انخفض معدل الخصوبة (أي الإنجاب) بسرعة أكبر مما هو متوقع. نعم لقد كان متوسط الإنجاب للمرأة السعودية نحو سبعة أطفال منذ ثلاثة عقود، ولكن متوسط عدد الأطفال للمرأة انخفض إلى نحو ثلاثة أطفال حسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة ومصلحة الإحصاءات العامة. وقد أدى ذلك إلى انخفاض معدلات النمو للسكان السعوديين من أكثر من 3 في المائة خلال العقود الماضية إلى أقل من 2.2 في المائة في الوقت الحاضر (ويقصد بمعدل النمو أن السكان يزيدون بمعدل 2.2 في المائة سنوياً). ولا شك أن هذه التغيرات جاءت نتيجة تأجيل الزواج بسبب الالتحاق بالتعليم العالي، وكذلك استخدام وسائل تنظيم الأسرة. وتشير إحصاءات المسح الديموغرافي إلى أن نسبة استخدام وسائل تنظيم الأسرة لا يتجاوز 30 في المائة بين النساء المتزوجات.
ولكن هذا الوضع لافت ومثير! فكيف يحدث هذا التغير في معدل الإنجاب دون استخدام واسع لوسائل تأجيل الحمل؟ من غير المتوقع أن تنخفض الخصوبة إلى هذا المستوى في وضع لا تتجاوز نسبة استخدام وسائل تنظيم الأسرة 30 في المائة. والسبب بسيط هو أن الدول التي وصل بها معدل الإنجاب إلى ثلاثة أطفال أو أقل، تصل بها نسبة استخدام الوسائل الحديثة لتنظيم الأسرة إلى 58 في المائة كما هو الحال في مصر، أو 56 في المائة كما هو في إيران، أو 43 في المائة، كما هو في تركيا وسورية أو 49 كما هو في الهند. ولكن من المحتمل أن تكون نسبة الاستخدام في المملكة أكثر مما هي عليه في الإحصاءات.
وفي كل الأحوال، إذا كان الطلب على وسائل تنظيم الأسرة كبيراً كما يستنتج من خلال انخفاض الإنجاب، فمن المفترض أن تكون هناك توعية بأنواع الوسائل المتوافرة وخصائص كل منها، لتجنب الاستخدام الخاطئ أو الحمل غير المرغوب. وربما يتساءل بعض القراء عن مدى الحاجة إلى ذلك، إذا كان معدل الإنجاب قد انخفض إلى مستويات معقولة؟! الإجابة إن الإنجاب لا يزال مرتفعاً جدّاً لدى الفئات الفقيرة وبين النساء غير المتعلمات، مما قد يؤثر على الصحة الإنجابية للأم والفرص التعليمية للأبناء. فهناك من يعتقد بوجود إيجابيات لتأجيل الحمل أو المباعدة بين مولود وآخر، خاصة أن تكرار الحمل المتقارب قد يضر بصحة الطفل وكذلك صحة الأم.
وأختتم بما كتبه الشيخ عايض القرني في مقالة على شبكة الإنترنت يقول فيها: ”كثرة عدد السكان مع الجودة فضيلة عند الأمم لكن الخطأ أن يكثر العدد بلا نفع ولا إنتاج، والإسلام يحث على طلب الذرية الطيبة الصالحة، ولكن إذا تحولت كثرة النسل إلى عبء اجتماعي صار هذا خطأ في التقدير”.

د. رشود الخريف
الاقتصادية 26 يونيو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*