فقاعة الحياة البشرية


قال عالم الحياة البرية والمقدم الشهير للبرامج العلمية في الـ  بي بي سي  ديفيد أتنبوروخ David Attenborough في محاضرة له في أدنبرة مؤخراً أن من يظن أنه من الممكن أن يستمر النمو غير المحدود لعدد السكان على كوكب محدود الأبعاد إما أن يكون مجنونا أو من المشتغلين في رسم السياسة الاقتصادية! ويستطرد أتنبوروخ بأن هناك نتيجة حتمية للإنفجار السكاني الحالي: إما  أن ينتبه الإنسان إلى الضرر الذي يحدثه ويستخدم عقله في تنظيم معدل الولادات أو أن يصطدم بالحدود الطبيعية للبيئة التي ستزيد من معدل الوفيات بطرق غير حضارية ولا تتناسب مع الإدراك والرقي في التفكير الذي يملكه.
في خمسينيات القرن الماضي تنبأ العلماء بمشكلة الإنفجار السكاني البشري وتأثيرها على الأنواع الأخرى من الكائنات والضغط على الموارد المتاحة. لقد صدق هذا التنبؤ بوضوح في مسؤولية الإنفجار السكاني عن الإنقراض الجماعي المستمر للكائنات الحية أو وضع هذه الكائنات على خطر قائمة المهددين بالإنقراض على الأقل، وظهر الدمار الواسع للبيئة والتلوث والتغير المناخي، كما صدق التنبؤ في النفاد المتسارع للموارد الطبيعية كنتيجة طبيعية لتزايد الإستهلاك، وترافق هذا مع زيادة في أعداد البشر الذين يعانون قسوة العيش، فأكثر البشر في فقر مدقع ولا يتمتعون بالرفاهية إلا خمسهم وهم من يملكون النفط أو التكنولوجيا، هؤلاء الذين يلقون للآخرين بفتات الحضارة ليبقوهم أحياء.
بتغيير معدل الوفيات والولادات تقوم الطبيعية بعمل توازن بين عدد الأفراد لأي نوع من الكائنات الحية وبين الموارد المتاحة، وهذا ما كان ينطبق على الإنسان أيضا، فعلى مر العصور ومن ملايين السنين لم يتعدَ عدد البشر مليارين ونصف من البشر وقد كان البشر مهددين بالإنقراض قبل 90 ألف سنة حيث لم يتعدَ عددهم بضعة آلاف، وحدثت زيادة بطيئة بعد خروجهم من أفريقيا–موطنهم الأصلي، هذه الزيادة كانت تتناسب مع نمو الإدراك والوعي لدى الإنسان وهي القوة التي يستخدمها ليقهر القوى الطبيعية التي تهدد بقائه في البيئة المحيطة، ولكن بين 1950 -2011 أي خلال 60 سنة فقط حدثت قفزة كبيرة وغير طبيعية لعدد السكان، فقد تضاعف مرتين تقريبا من 2.5 مليار إلى ما يقارب الـ 7 مليار إنسان اليوم، فما سبب هذه الزيادة؟  
مع وجود أسباب ثانوية أخرى يبدو أن السبب الرئيسي في زيادة معدل المواليد على معدل الوفيات هي الطاقة التي وفرها النفط وما صاحبها من تطور علمي وتكنولوجي وخصوصا في الطب. هذه الزيادة تبدو مثل الفقاعات المالية التي تحدث لأسواق المال والعقارات التي تصعد وتنتفخ و في النهاية تهوي بحركة تصحيحية تناسب الواقع وسعرها الحقيقي، فلا أظن أن هناك من سيعارض القول أن حضارة الإنسان الحالية ورفاهيته وإنتاجه الزراعي والصناعي تقوم أساسا على مشتقات النفط والغاز، وقد لاحظنا كيف أن إرتفاع سعر هذه السلعة الإستراتيجية يتبعه إرتفاع عام في أسعار معظم السلع، و أي تهديد للمصدر الرخيص للطاقة هذا يهدد بوضوح عجلة الإنتاج الغذائي وتزويد المدن المتضخمة بالطاقة التي تحتاجها لإدارة شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء. ومع أن هناك الكثير من القلق حول خطورة إعتمادنا الكبير على سلعة نافدة لامحالة، ولكن لا يبدو أننا لا نكترث ولا نخطط لإتخاذ إجراء للحد من الزيادة الخطيرة لعدد السكان المستهلكين لهذه السلعة بطريقة حضارية تناسب الوعي والإدراك الذي نتميز به.
إستراتيجية الخروج السلس وغير المكلف من المأزق بأقل ضرر يجب ان تبدأ من تثقيف الوحدة المكونة للمجتمع- الأسرة، فالأسر عليها مسؤولية أن تعتمد على نفسها وتسعى لمصلحتها ونجاحها. النجاح أو الفشل للأسرة يقاس بمدى سعادة أفرادها وقدرتهم على العيش الكريم، وهذا يعتمد على مدى إدراك الأبوين لأهمية تنظيم نسلهم ليتناسب مع قدراتهم على رعاية أطفالهم. لقد ولى زمن أن يتسبب الرجل في وجود 10 أطفال مثلا ويلقي بهم على كاهل المجتمع لرعايتهم. الرعاية هنا ليست مقتصرة على توفير الحاجات الأساسية كطعام صحي، ومسكن يتوفر لكل طفل فيه ركن خاص به، ووقت مستقطع لمصاحبة كل منهم  فحسب، بل أصبح من ضروريات التقدم أن يكون قادرا على دفع فواتيرهم إلى نهاية فترة التعليم الجامعي التي غالبا ما تنتهي عند عمر 23 سنة، ولا داعي هنا لأن أذكر العلاقة بين حصول الأبناء على رعاية جيدة والمستطاع من التعليم العالي الجودة من ناحية، وأدائهم في حياتهم الخاصة ودورهم في مجتمع منظم وصحي من ناحية أخرى.
إن السلبيات التي سببتها اللامسؤلية في الإنجاب تحتاج إلى توعية ووقفة، هذه التوعية ليست للذين هم أقل حظا من الثقافة فقط بل تحتاجها كل شرائح المجتمع، وذلك لأن المعارضين المنقادين لعبارة “إعقلها وتوكل” بحجة “الله يرزقهم” توجد لدى جميع المستويات الثقافية،  ومثلما نجحت تجربة وزارة الصحة في عمان نسبيا في المباعدة بين الولادات بسبب الأضرار الصحية للحمل المتلاحق، بالإمكان أيضا خفض معدل الخصوبة لإيقاف الضرر على بقية البشر وعلى الكائنات الأخرى، فالحل هو إستخدام نفس السلاح الذي أنقذ الإنسان من الإنقراض في السابق: إستخدام الإدراك والعقل الذي يتميز به عن بقية الحيوانات. يجب أن لا ننتظر أن يعاني الناس وأن يزداد عدد الوفيات ليتوازن مع عدد الولادات، فعلى مر العصور حارب الإنسان الموت والفقر والظروف التي  يتواجدان فيها، و من الواضح أن هذه الزيادة المتسارعة ستؤدي إلى عودة هذه الظروف. يجب أن يتخطى الإنسان إحدى العقبات المتبقية التي تزيد من المعاناة الإنسانية،هذه العقبة هي التغلب على “تابو” عدم تنظيم النسل، فالتخطيط المسبق لعدد الأفراد الذي يتناسب مع المتاح من موارد سيضمن صحة كوكبنا وحماية الكائنات الأخرى التي تشاركنا الحياة عليه.

حميد علي
الرؤية العمانية 26 يونيو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*