اليمن: النمو السكاني وشح المياه


(الجزء الأول)
من الطبيعي أن تبرز أزمة المياه بل وتتفاقم إذا كانت الأفواه التي تتجه للحصول على شربة الماء تتزايد سنة بعد أخرى نحو كمية محدودة،
ويكون الوضع أكثر صعوبة إذا كانت عدة مجالات تتنافس على هذه الكمية.
فالشخص يمكن أن يروي عطشه بكأس واحد من الماء وسيخفف فقط من عطشه إذا تقاسم هذه الكأس مع شخص آخر وسيدخل في دائرة القلق إذا كان هناك أكثر من شخص يتزاحمون معه للتسابق على تلك الكمية القليلة.
هذا هو الحاصل بعد أن ارتفع الطلب على المياه مع زيادة السكان.
ويعتقد البعض أن هناك مبالغة أو تضخيما في القلق حول مستقبل المياه في العديد من المدن اليمنية.. ومنها العاصمة صنعاء وأن ما يقال حول جفاف حوض صنعاء ما هو إلا كلام في علم الغيب, ولكن مع مرور الأيام ومع تصاعد أزمة المياه ولجوء مثل هؤلاء إلى البحث عن المياه التي تباع بالوايتات (الصهاريج التي تنقل بالسيارات) وارتفاع قيمتها من فترة لأخرى باتوا يدركون فعلا أن العاصمة صنعاء في مواجهة حادة مع شح المياه والكثير من هؤلاء عرفوا السبب الجوهري وهو ارتفاع عدد السكان الذين يحتاجون للمنتجات الزراعية التي لا يزال يتبع فيها وسائل ري تقليدية على مستوى الحوض وما يزيد الطين بله هو تنامي عدد المتعاطين لنبتة القات الذي أطلق عليه الشاعر الكبير القاضي محمد محمود الزبيري بالنبات الشيطاني وهو فعلا نبات شيطاني لأنه يستحوذ على نصف كميات المياه الجوفية المستخدمة في الزراعة.
وأمام حقيقة محدودية المياه في أي حوض مائي وضعف الاستفادة من المياه السطحية فلا مناص من بروز خلل في الموازنة المائية، حيث يصعب توفير المياه لأعداد بشرية تتزايد على مدار الساعة بمعدل 80 مولودا في الساعة، والنمو السكاني الذي تشهده العاصمة يصل إلى 5%.
والعاصمة صنعاء نموذج للتجمعات السكانية التي شهدت تزايدا متسارعا في عدد سكانها فاق قدرة مواردها المائية على تغطية احتياجاتهم ومن الطبيعي أن تكشر الأزمة المائية في مثل هذا الوضع عن أنيابها.
لقد استوقفتني عبارة وهي بمثابة (حكمة سكانية ) اقتنعت بها كثيرا سمعتها من أحد الأشخاص الطاعنين في السن حيث قال : (اسمع كثيرا ممن يشكون أن صنعاء لم تعد كما كانت ببساتينها وجمالها الطبيعي ولم يعد فيها معالم الغيول ولم تعد تشاهد أشجار الرمان و المشمش والتوت في بساتينها.. وهذا طبيعي.. لأن صنعاء لم تعد صنعاء الواقعة في إطار السور بأبوابها الثمانية.. صنعاء الآن أصبحت بعدد سكان اليمن تقريبا مطلع القرن العشرين, يسكنها حاليا أكثر من مليوني نسمة). وتوسع العمران فيها إلى درجة البناء في الحوض المائي الذي يغذي العاصمة بالمياه، فتقلصت مساحة الحوض ما جعل سكانه في مواجهة مستمرة مع سلطات الأمانة التي تلجأ من وقت إلى آخر لإزالة العديد من المباني الجاهزة،كما توسعت صنعاء باتجاه المراهق والجبال والسوائل والوديان فكيف لا نتوقع مشكلة مائية ؟
إن اليمن شهدت نموا سكانيا مرتفعا خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين ولا تزال معدلاته مرتفعة (3,02%)، فالماضي غير الحاضر وربما المستقبل سيكون أكثر تعقيدا فاليمن كما يشهد المؤرخون والكتاب والسياسيون عاش قبل الثورة حياة التخلف وفي تلك الظروف كان النمو السكاني بسيطاً بسبب ارتفاع عدد المواليد مع ارتفاع عدد الوفيات وبالتالي كانت الزيادة الطبيعية للنمو السكاني ضعيفة وكان متوسط عمر الإنسان 35 سنة وكان معظم السكان يعيشون في الريف وتراوحت نسبتهم في العشرينيات من القرن العشرين ما بين 90% و93 % من مجموع السكان, أما الآن فان الكثير من السكان في الريف هاجروا الى المدن الحضرية , ولايزال هناك اكثر من 70% من السكان يقطنون في الريف , فأصبحت المشكلة المائية ماثلة في المدينة والريف , مع استمرار النمو السكاني المرتفع الذي قد يصل عددسكان اليمن عام 2026م، الى اكثر من 38 مليون نسمة , وهذا يعني المزيد من الضغط على المصادر المائية .
وتبدو الصورة قاتمة إذا ما قارنا نصيب الفرد من المياه في اليمن مقابل حصة الفرد في الشرق الأوسط والبالغة 1250م مكعب و مقارنة مع المتوسط العالمي 7500 متر مكعب في حين لا يتجاوز نصيب الفرد اليمني  130 متراً مكعباً -عام2000- أي ما يساوي تقريبا 11% من نصيب الفرد في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وعن 2% من المتوسط العالمي مما يضع اليمن أسفل سلم الدول الواقعة تحت خط الفقر المائي.

(الجزء الثاني)
إن ربط ارتفاع معدل النمو السكاني باستنزاف المياه ليس أمرا استقصد به اليمن بعينها للتهويل من خطورة المشكلة المائية وإنما الواقع فعلا أن اليمن يوصف كواحدة من أكثر الدول المعروفة بارتفاع معدل نموها السكاني حيث يبلغ المعدل 3,02%  وهذا النمو أفرز مشكلة سكانية لا يمكن تجاهلها أو القفز فوق نتائجها،إذ يولد في الوقت الحاضر حوالي 80 مولودا في الساعة ونحو ألف طفل في اليوم الواحد أي أن هناك ما يقرب من 700 ألف مولود حي في العام الواحد.
وبمجرد تنفس هؤلاء في الحياة تبدأ حاجاتهم للمياه سواء في الشرب أو في تأمين الغذاء, حيث قدر الباحثون والمهتمون بالشأن السكاني الإضافة السكانية السنوية في اليمن بما يعادل سكان مدينتين يمنيتين كبيرتين كعدن وإب وما يساوي (عاصمة من عواصم المحافظات الصغيرة كأبين وشبوة وحجة والبيضاء وصعدة والمحويت والمهرة ومأرب والجوف والضالع وعمران مجتمعة في أتون عام واحد.
إلى جانب النمو السكاني المرتفع فإن اليمن تتميز بكثرة تجمعاتها السكانية..مما يجعل إيصال خدمات المياه لهذه التجمعات مكلفاً، كما أن الكثير من هذه التجمعات أقيمت بعيدة عن مصادر المياه وبالتالي تصبح المياه من الاحتياجات الملحة, فسكان الجمهورية يتوزعون على ما يزيد عن (111الف تجمع سكاني )حضري وريفي وبدرجة تشتت عالية.
إن التشتت السكاني في تجمعات صغيرة يجعل المشاريع المائية محدودة الجدوى الاقتصادية والخدمية نظرا للأعداد القليلة من السكان في كل تجمع سكاني مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف تشغيلها وعدم قدرة الأهالي صيانتها وإدارتها وخاصة في التجمعات السكانية الفقيرة.
كما أن تزايد السكان السريع والاستخدام الحالي للمياه الذي لم يأخذ عنصر الاستدامة لا شك أنه يسهم في تفاقم المشكلة المائية وإذا لم يتم توفر مصادر مائية أخرى فإن نصيب الفرد من المياه قد ينخفض إلى مستوى مقدر ما بين 66-_92 متراً مكعباً عام 2026م عندما يبلغ عدد السكان 38 مليون نسمة.
إن النمو السكاني المرتفع يتضافر مع عوامل أخرى ليجعل الأمر أكثر تعقيداً وسط مجتمع تنقصه الكثير من الاحتياجات مما يضاعف من حجم الأعباء على مستوى الأسر وعلى مستوى الموارد المتاحة والمحدودة وعلى واقع التنمية.
فزيادة السكان وانتشار ظاهرة الفقر يؤديان إلى الضغط على الموارد الطبيعية بصورة عامة وعلى التربة والغطاء النباتي ومصادر المياه بصوره خاصة, ويترافق ذلك مع تعرية مائية مصاحبة للفيضانات والإهمال المتزايد للأراضي الزراعية المطرية  وتوسع المراكز الحضرية والصناعية على حساب البيئة الطبيعية وتكثيف استخدام الأسمدة والمخصبات العضوية كل ذلك يضاعف من تدهور مصادر المياه وزيادة تلوثها.
وتتجلى هذه الصورة بشكل واضح في مناطق الريف التي تحتضن حوالي 83% من الفقراء و 87% من الذين يعانون فقر الغذاء، في حين يقطن فيها ما يقارب من ثلاثة أرباع السكان حسب إحصائيات 1998م.
أصبح من البديهيات أن النمو السكاني يسهم في تدهور النظام البيئي الذي تقوم عليه الحياة فتتآكل بسرعة البيئة الحياتية .. وأن التوسع السريع للحياة المدنية وتسارع التنمية الاقتصادية كل ذلك أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على الماء للاستهلاك المنزلي و الصناعي وبالتالي إلى زيادة المياه العادمة، ومن ثم زيادة التلوث.
وتبرز عادةً مثل هذه الظواهر في المناطق ذات الكثافة السكانية وفي اليمن يتجلى ذلك في الإقليم المائي المعروف بإقليم البحر الأحمر الذي تقع فيه العديد من المدن اليمنية منها العاصمة صنعاء وعدن وتنتشر أغلبية المراكز الحضرية الرئيسية على امتداد المناطق المفتوحة والواقعة بين السلاسل الجبلية في هذا الإقليم ( صنعاء _ تعز_ ذمار_ إب_صعدة) أو في السهول المحاذية للسواحل مثل ( عدن، الحديدة) وتتمركز كل الصناعة في البلاد في هذه المراكز الحضرية أو حولها كما تضم هذه المراكز المؤسسات السياسية والمالية في البلاد.
وتخف هذه الظواهر في الإقليم المائي المعروف بإقليم البحر العربي الذي يشكل من الناحية العملية امتداداً للصحراء العربية الشاسعة المعروفة باسم الربع الخالي والمعروف بانخفاض الكثافة السكانية.
ويتركز معظم السكان الذين يقطنون هذا الإقليم على امتداد منطقة وادي حضرموت الواقعة على طبقات الصخور الرسوبية بدرجات رئيسية وتحتوي هذه الصخور على كميات كبيرة من المياه الجوفية العذبة تكفي الاحتياج الراهن لسكان هذا الإقليم.
إن الربط بين النمو السكاني واستنزاف المياه مسألة مقنعة عند تحليل أسباب المشكلة المائية .. وفي اليمن يبدو التفكير بهذا الأمر أكثر إلحاحا نتيجة تضافر العاملين مكونين مشكلة معقدة, ففي الوقت الذي يتزايد السكان في اليمن بمعدل 3,02%فإن الموارد المائية في تناقص  ونضوب مضطرد. وتقدم البيانات والإحصائيات مبرراً منطقياً لأهمية وضع المعالجات الاستراتيجية لكلا الأمرين.
حقيقة إن النمو السكاني المرتفع قد يؤدي إلى إرهاق الموارد المائية، وسيكون من الصعوبة بمكان على الدولة مجاراة هذا الارتفاع في توفير مياه الشرب، وكذا المياه اللازمة للزراعة في وقت تعاني المصادر الجوفية من الإنهاك.

محمد العريقي
الثورة اليمنية 21 يونيو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*