تنظيم الأسرة بين النظرية والواقع ..!

د. كميل موسى فرام

التكاثر العشوائي لأفراد العائلة فوق حدود الدخل يمنع بصورة مطلقة توفير الحد الأدنى من ضروريات الحياة، والانجاب بدون الضوابط الصحية يشكل بركانا مدمرا ومؤثرا على أفراد المجتمع الصغير والكبير، وقد حذرت بأكثر من مناسبة أن بركان الانفجار السكاني ونقص مصادر المياه تمثلان التهديد الحقيقي للوجود البشري بتوزيعته الحالية، بل وقد يتسببان بالعديد من الحروب بين الدول وبغير المنطق الذي يعرف حسب مكانة الاستخدام وقدرة الشخص المؤثرة، ويشكل الانجاب العشوائي مؤشراً على حرمان الفرد من أبسط مستحقاته بل ويمثل فلسفة تعتمد على الجهل والتبصير وتؤمن بحلول الخيال لمنجم يقرأ النفس من زاوية الضعف.
تضافرت الجهود لتنظيم النسل بعد الاستئناس بفتوى أصحاب القرار، ولكنها ما زالت أدنى من مستوى الطموح والفعل لقائمة طويلة من الأسباب بل وقد تكون قدرا يرسمه آخرون بسلطانهم لضمان الاستمرارية بالحاجة للقوت اليومي وتجميد فرص التفكير بالعالم المتطور والجنون، فالتكاثر العشوائي يتميز بسلسلة طويلة من السلبيات القاتلة مقارنة بضآلة الايجابيات أو انعدامها حيث هناك ارتفاع بمستوى البطالة لمحدودية فرص العمل، وتخمة بالشهادات الجامعية بعد الانتشار العشوائي لجامعات المنح الاستثمارية، وزيادة فرص الانحراف والعنف المجتمعي، وتقلص فرص العناية الصحية خصوصا أن محاور النقاشات العائلية تركز على مفردات الاستمرارية بالحياة اليومية. لن أنكر أن الأسرة الكبيرة بتاريخنا قد مثلت عزوة وجدار حماية للفرد المنتمي بالكثير من مجالات القدر، ولكن ظروف التطور قد فرضت علينا واقعا جديدأ يحرمنا من فرص الاختيار، فوحدانية التصرف بدافع القدرة والشخصنة لن تضمن السعادة بعيدا عن الأجواء المحيطة، فتلك نظرية عاشها آباؤنا بإقتدار ولكننا لن نستطيع الاحتماء بظلها اليوم بعد أن أصبح الصراع لضمان البقاء عنوانا يحاصرنا ويشغلنا.
الانفجار السكاني
لهذا يزداد موضوع تنظيم الأسرة أهمية يوما بعد يوم، فواقع الانفجار السكاني بشكله الحالي وغير المنظم خصوصا في دول العالم الثالث يشكل قنبلة موقوتة على كل مفاصل الحياة ويهدد البشرية على كوكبنا الجميل، ويشكل مؤشراً على حرمان الفرد من أبسط مستحقاته، فارتفاع تكاليف المعيشة، وأجور السكن، وتقلص فرص التعليم العالي لجميع الناس الراغبين فيه، وضعف الرعاية الصحية والظروف الاقتصادية المتقلبة، وعدم الاستقرار العائلي والوظيفي، ناهيك عن إنعدام فرصة التوفير لطارىء بالغد، وكلها منفردة ومجتمعة تؤسس نقاطا محورية لحياة الفرد والعائلة. فمن الناحية الاجتماعية.
أثبتت الدراسات السكانية والصحية في السنوات الأخيرة أن هنالك ثمة علاقة بين النمو الطبيعي والنمو الذهني لدى الطفل من جهة وبين حجم الأسرة التي ينتمي إليها من جهة أخرى، ولقد أجريت عدة دراسات مقارنة في محاولة لتحديد عمق هذه العلاقة، واتضح من بعض الدراسات الأولية أن نسبة زيادة وزن الطفل وارتفاع بنيته وزيادة فرص الإبداع والتفكير والنضوج الجسمي لديه، كلها تتناسب تناسبا عكسيا مع حجم الأسرة ذات الدخل المحدود وهذا يشكل منطقا لا يحتاج لجهد كبير لتحليل مفرداته واستنباط نتائجه، وقد لوحظ أن الأطفال المنتمين إلى الأسرة كثيرة العدد ومحدودة الدخل قد يحصلون على درجات أقل في الذكاء من نظرائهم في الأسرة قليلة العدد والأكثر رفاهية. ولوحظ أيضا أن هذه الظاهرة بدت أقل وضوحا عندما جرت المقارنات بين الأطفال المنتمين إلى الأسر في الطبقة المتوسطة العليا، باعتبار أن الطفل والفرد يشكل حجر الأساس للاستثمار الإنساني الذي يعتبر محور التقدم والهدف باختلاف المسميات، ويعدم الشك بأن حجم الأسرة مرتبط بعلاقة وطيدة بكل هذه الأمور، فالشجار العائلي الناتج من احتقانات الفقر والحرمان يترك أثرا نفسيا هداما على نفسية الطفل، ويجعله عرضة للعقد النفسية والانحراف, ويزيد من سلوكه العدواني والسلبي وقد يؤثر عمليا في عملية التطبيع الاجتماعي اللائق به. عشوائية التنظيم الأسري ستنتج غياباً للضمانات الاجتماعية المادية والمعنوية وسوف يؤثر بنتيجة حتمية إحباطية للطموح وتأثيرا سلبيا على الأبناء, كنمو الشقاق بينهم بسبب الغيرة والحسد والحرمان, أو زجهم في مجالات عمل ليسوا مؤهلين لها بهدف فرض زيادة دخل الأسرة كمتطلب لاستمرارية الحد الأدنى من مجالات الحياة، وهذا قد يحرمهم من تلقي العلوم المدرسية الأساسية كالقراءة والكتابة وفتح مجالات الإبداع في عالم متغير على مدار الساعة بتكنولوجيا يشكل امتلاكها احد أعمدة استمرارية الحياة المنافسة والتي لا غنى لهم عنها بعد أن كانت في الماضي محصورة بطبقات المجتمع الغنية حصرا وتلزيماً.
النتيجة الحتمية والمؤثرة والمنطقية لمجتمعات الفوضى التي ترفع شعار الصراع للبقاء وهيكلها الأساسي من أسر غير منظمة بروابط عائلية هشة وتتمتع بالحرمان الذي يتسبب بتعثر سبل تحسين أوضاعها المادية والصحية، لينحرف الأحداث مبكرا بمحاولتهم الحصول على الكسب المادي عن طريق غير مشروع ومما يزيد في خطورة هذه القضية تأثير ذلك بزيادة فرص الخلاف العائلي وزيادة فرص الطلاق وتشتت الأبناء وإرسالهم للتسول على الإشارات الضوئية وما يتبعه من ملابسات عاطفية واجتماعية ومادية لأفراد الأسرة جميعهم والدخول في فضاء الانحراف المغري بصوره المؤسفة التي تشكل واقعا لفئة وجدت فيه متنفسا ضمن حدود الغابة البشرية بعد أن تحول صراع البقاء إلى واقع تطبيقي مؤسف على المستوى الانساني بالتضحية بالضعيف والفقير، وجعل كل منهما ميدانا للتجارب الطبية والغذائية واستخدام أسلحة الدمار الفتاكة على شعوب مطحونة بسبب العوز والحرمان، وفي ذلك نوع من التهجين للألفة.
الأسرة.. المجتمع الأول
لا أحد ينكر أن الأسرة هي المجتمع الأول الذي ينمو فيه الطفل ويترعرع ويستمد منه قدراته على مواجهة الحياة بثقة ونجاح، وتعريف الأسرة النموذجية يترنح بين الفقهاء لانعدام الموازين القياسية ويندرج في صفحاته تذبذب غير مفسر بسن الزواج يتمثل بالعزوف عن الزواج في السن المناسب أو الزواج المبكر الذي ينتج منطقيا أسرا كبيرة دون تخطيط ومراعاة لظروف العائلة الاقتصادية، باعتبار ان محاربة وسائل تحديد النسل تمثل متنفسا للأسر في بعض مرافق الرفض وممارسة الحرية من ياب إثبات الذات، لنعود للمربع الأول أن بناء الأسرة النموذجية هو مصلحة عائلية ووطنية لركوب قطار الحضارة والذي يشترط بأعضائه التميز للاستمتاع، وهم الأقدر على رفع رصيدهم في بنك السعادة.

أستاذ مشارك/ كلية الطب – الجامعة الأردنية
استشاري النسائية والتوليد/ مستشفى الجامعة الأردنية

الرأي الاردنية يناير 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*