ضرورة تنظيم المستقبل الأسري

عثمان الخويطر

يختلف نمط الحياة العصرية بشكل كبير عما كانت عليه الحال في الزمن الماضي، من حيث مُتطلبات المعيشة وتوافر الموارد وعدد السكان وضرورة انخراط الأبناء في مرافق التعليم، واختلاف العادات والتقاليد الاجتماعية التي أصبحت تُحتم على رب الأسرة الجديد العيش في مسكن منفصل عن بيت الوالدين، وهو عكس ما كان سائداً في مجتمعاتنا إلى عهد قريب. فالأحوال الجديدة التي طرأت على حياتنا الحديثة مع بداية عصر النفط جعلتها أكثر صعوبة بالنسبة للكثيرين منا. فالأولاد والبنات بحاجة اليوم إلى عناية أكثر وتربية خاصة تختلف جذرياًّ عما كنا نمارسه في الماضي، أيام الحياة البسيطة وزمن شراكة عمل الكبير والصغير من أجل كسب مؤونة المعيشة. فقد كان رب الأسرة آنذاك يفتخر بكثرة النسل، وعلى وجه الخصوص، كثرة عدد الذكور، لأن إنتاجيتهم تكون عادة أكثر من البنات. ومع انتشار التعليم وتحسُّن المعيشة والأحوال الصحية للمواطنين، وبفضل من الله ثم تقدُّم العلوم الطبية، أصبح عدد السكان يتزايد سنوياًّ بنسبة كبيرة، ربما هي الأعلى عندنا بين دول العالم. والزيادة المطردة في عدد السكان تتطلب مضاعفة المرافق الصحية والتعليمية وتطوير البنية التحتية بكل ما يتعلق بها من مساكن وطرق ومجار وكهرباء ومصادر مياه وغذاء ومواصلات واتصالات، من أجل استيعاب الأعداد الهائلة من الأجيال القادمة، وهو ما يزيد من العبء على الاقتصاد الوطني.

ومن المعلوم أن لدينا اليوم، ولله الحمد والشكر، ما يكفي من الخير والدخل الوفير بفضل من الله، ثم وجود النفط بكميات كبيرة. ولكن ثروتنا هذه لن تدوم طويلاً حتى وإن بقيت عشرات السنين, فسيأتي اليوم الذي ربما نجد فيه أننا بحاجة إلى دخل أكثر، بعد أن يكون قد تضاعف عدد السكان إلى أضعاف كثيرة. ونحن نؤمن – إن شاء الله – بأن الأرزاق بيد الله، ولكن – الله سبحانه وتعالى – منحنا عقولاً نُفكر بها من أجل أن نُدير بها شؤون حياتنا ونُدبر بها أمورنا الدنيوية وأن لا نُؤدي بأنفسنا إلى التهلكة. فأمرنا ربنا بالاقتصاد في جميع شؤوننا ونهانا عن الإسراف في كل شيء. ولدينا من العلوم الاقتصادية والتجارب الحياتية ما يُنير لنا الطريق في كيفية التصرف لتجنب حدوث كوارث اقتصادية ومعيشية لنا ولأولادنا نتيجة لنقص في الموارد – لا قدر الله. وهل يحق لنا بعد هذا أن ندع حياتنا تسير على ما هي عليه الحال اليوم من الإسراف والانغماس في بحار الترف وننتظر حتى يقع الفأس على الرأس، عندما لا يجد أحفادنا ما يسد رمق جوعهم ولا ما يكفيهم عن المسألة؟ أليس من الأفضل والصواب، ونحن نتمتع بهذه النعمة أن نشكر الله عليها ونُفكر فيما يُخبئه لنا المستقبل؟ فما علينا إلا أن نحسب حساباتنا ونُقدِّر مقدار دخلنا خلال السنوات المقبلة لعدة عقود، شاملاً الزمن الذي يبدأ فيه الدخل في الانخفاض، وبالطريقة ذاتها نعرف كم يبلغ آنذاك عدد سكان هذه البلاد ونسبة الزيادة السنوية، لكي نُقارن بين مستقبل الدخل العام ومجموع السكان في أي وقت نختاره. وبعد معرفة النتيجة نُقرر فيما إذا كان علينا أن نتخذ من الآن أي إجراءات تنظيمية تُساعد على الحد من الانفجار السكاني، إذا كان ذلك من متطلبات الحياة المستقبلية للأجيال اللاحقة. وديننا الإسلامي الحنيف يسمح لنا، بل هو يحثنا، على جلب المصالح ودرء المخاطر في كل ما يعود علينا وعلى الإسلام بالخير والمعزة. ونحن اليوم نعيش في رغد من العيش والخير الكثير ونتمتع برفاهية لم يعهدها أجدادنا من قبل، ونخشى أنها لن تدوم إلا لعدة أجيال ثم تتغير الأمور إلى أحوال تكون فيها الحياة أكثر صعوبة.

ومن أجل التوضيح، فإننا لا ندعو هنا إلى ما يُسمى بتقييد أو الحد من النسل البشري على الإطلاق. فهذه، على أهميتها وضرورة تطبيقها في المستقبل، إلا أنها من الأمور الحساسة التي قد تُولد خلافات واختلافات نحن في غنى عنها اليوم. ولكن هناك طرقا أخرى مُتيسرة ومقبولة لدى الكثيرين، وهي التوعية الاجتماعية التي يجب أن تشمل وتصل إلى جميع أطياف المجتمع من ذكور وإناث، بحيث يدرك جميع المواطنين أن لكل شيء حدودا يجب التقيد بها من أجل الصالح العام. ولعل المهمة الصعبة في هذا الموضوع هي البدء بإقناع وتوعية النخب أنفسهم الذين سيقع عليهم واجب توعية أفراد المجتمع عن طريق الإعلام المكتوب والمُشاهد والمسموع، إلى جانب المنابر والمناسبات. أليس من الأفضل لنا ولمستقبلنا أن نكون أمة مُتعلمة مُتجانسة وقوية بإيمانها بالله ورسالة نبينا ــــ محمد عليه وآله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم؟ والمسلم القوي خير من المسلم الضعيف. فنحن نقرأ من وقت إلى آخر ما يُنشر في الصحف المحلية من حالات يشتكي أصحابها من قلة ذات اليد، مع دخل شهري لا يتعدى الألف وخمسمائة ريال، والواحد منهم لديه أكثر من زوجة واحدة وعدد أبنائه وبناته – ما شاء الله – يتجاوز العشرين! هذا بطبيعة الحال وضع غير طبيعي وسبب وجوده الجهل وحب الاستمتاع وعدم وجود توجيه سليم له ولأمثاله. وأول ما يتبادر إلى الذهن حول هذا الموضوع هو كيف لهذا الإنسان، وهو نفسه غير مُتعلم وفي الغالب كبير السن، أن يستطيع القيام بتربية وتعليم وإعاشة ذلك العدد الكبير من الأطفال؟ وهل إفلاتهم في الشوارع وهم في سن الدراسة أمر مقبول لدى المجتمع الذي يعيشون في كنفه؟ ونحن نعلم أننا لسنا وحدنا على ظهر هذا الكوكب الذين بحاجة إلى نشر الثقافة والوعي الأسري من أجل حياة أفضل. فهناك بلدان كثيرة تُعاني من المشكلة نفسها بسبب تدني مستوى التعليم وانتشار الفقر – حمانا الله وإياكم.

ومن المؤكد أن الكثيرين من المواطنين سيتساءلون عن مغزى هذه الدعوة الغريبة وفي هذا الوقت بالذات. ونحن نعتقد أن هذا هو الوقت المناسب الذي يجب فيه تنبيه المجتمع لمخاطر الزيادة الفاحشة في عدد السكان في ظل ظروف مستقبلية مجهولة وسط هذه الصحراء القاحلة ومجتمع معظم أفراده يتصرفون بإسراف فاحش في حياتهم الأسرية وكأن الحياة ليس لها نهاية. وكل ذلك بحكم ما لديهم من الخير الكثير الذي يأتيهم من مصدر محدود. وهم يعلمون أنهم لم يكسبوه بعرقهم ومجهودهم، وينسون أن بينهم أيضا الكثيرون ممن يحتاجون إلى زيادة الدخل كأمثال الرجل الذي ذكرنا حالته، ولكن ليس من عادة البشر أن يتقاسموا فيما بينهم ما يملكون. فالإنسان مجبول على الاحتفاظ بما يملك لنفسه، مهما بلغت الثروة التي يملكها. وفي النهاية يظل الغني غنياًّ والفقير فقيراً، وإنما الفارق بينهم هو أن فرص التعليم تكون عادة من نصيب الذي يملك المال فتكون لديه القدرة على متابعة تعليم أبنائه. أما الذي لا يملك المال فسوف يزيد جهله جهلاً ولن تكون لديه المقدرة على تعليم أبنائه ولا كيفية تربيتهم ولا حتى يهمه عددهم.

الاقتصادية 26 ديسمبر 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*