القنبلة السكانية والأمن العالمي


أربعة تحولات ديموجرافية خطيرة سوف تؤثر على الأمن العالمي خلال القرن الواحد والعشرين وهي انخفاض الثقل النسبي لديموجرافية دول العالم المتقدم وذلك في ضوء تناقص وشيخوخة قوة العمل بها.
زيادة عدد سكان الدول الفقيرة المسلمة بالإضافة إلى أنه لأول مرة في التاريخ يتجه العالم إلى أن يكون حضرياً أكثر منه ريفياً وكل هذا يعني أنه ينبغي على صناع السياسة تكييف المؤسسات العالمية الحالية لهذه الحقائق الجديدة.
في هذا الإطار كان مقال الكاتب الأمريكي جاك جولد ستون، الأستاذ بكلية السياسات العامة بجامعة جورج ميسون الأمريكية في مجلة فورين أفيرز والذي جاء تحت عنوان: ” القنبلة السكانية الجديدة: التحولات الأربعة الرئيسية التي ستغير وجه العالم”
ويقول الكاتب أنه قبل 42 سنة قد أطلق عالم البيولوجي بول ايرلتس صيحة تحذير قوية من حدوث مجاعة عالمية في السبعينيات والثمانينات في ضوء تجاوز نمو سكان العالم لإنتاج الغذاء وموارد حيوية أخرى.
ولكن بفضل الاختراعات الحديثة وجهود مضنية في مجال الزراعة ـ مثل الثورة الخضراءـ وانتشار برامج تنظيم الأسرة فإن مخاوف ايرلتس لم تتحقق والواقع أنه منذ السبعينيات قد زاد الناتج الاقتصادي العالمي وانخفض معدل الخصوبة بشدة خاصة في الدول المتقدمة.
والآن تتوقع هيئة الأمم انخفاض النمو السكاني العالمي بحوالي النصف بحلول عام 2050 حيث يكون وقتها عدد سكان العالم حوالي 9,15 مليار شخص في المتوسط وحتى في ضوء تزايد المشاكل البيئية أو حدوث فشل تام في التعافي من الأزمة الاقتصادية الحالية، فمن المتوقع زيادة الناتج الاقتصادي العالمي بنسبة 2 إلى 3% سنوياً وهو ما يعني أن الدخل العالمي سوف يزيد كثيراً عن عدد السكان خلال العقود القادمة حسب توقعات هيئة الأمم.
ولكن من ناحية أخرى كما يوضح الكاتب أن الأمن الغذائي العالمي في القرن الواحد والعشرين لن يرتبط فقط بعدد سكان العالم وإنما بالتركيبة السكانية وتوزيعها.
أين ينخفض عدد السكان وأين يزيد؟ أي الدول التي تشيخ وأي منها سيتمتع بالشباب الواعد؟ وكيف ستؤثر الديموجرافيات الجديدة على تحركات السكان .
ويرى الكاتب أن هذه الحقائق لا تلقى الاهتمام الكافي ولا يوجد إدراك تام لها . فمثلاً ابتهجت مجلة الايكونومست مؤخراً بانخفاض معدل الخصوبة العالمي دون النظر إلى تطورات ديموجرافية أخرى خطيرة في حين أن البيانات التي كشفت عنها مجلة الايكونومست والصادرة عن هيئة الأمم تشير إلى وجود أربعة تحولات تاريخية والتي سوف تغير التركيبة السكانية للعالم على مدى العقود الأربعة القادمة وهي انخفاض الوزن النسبي لديموجرافية الدول المتقدمة بحوالي 25% وانتقال مركز القوة الاقتصادية إلى الدول النامية، شيخوخة قوة العمل في الدول المتقدمة وتناقصها زيادة حاجة الدول المتقدمة للعمالة المهاجرة لتلبية متطلبات النمو الاقتصادي وأخيراً معظم النمو السكاني المتوقع في العالم سيتركز وبصورة متزايدة في دول العالم الفقيرة والمسلمة والتي تعاني من نقص خطير في التعليم الجيد وفي رأس المال وفرص التوظيف، ولأول مرة في التاريخ سيعيش معظم سكان العالم في المدن وليس في القرى ولكن أكبر المراكز الحضرية ستكون في أكثر دول العالم فقراً حيث يندر غالباً الرعاية الصحية وينشر التلوث.
ولا شك أن هذه التغييرات ستمثل تحديات خطيرة وسيحتاج التصدي لها إلى إعادة النظر في هياكل الحكومة الأساسية على مستوى العالم.
أوروبا.. من الشباب إلى الكهولة
ويستعرض الكاتب التطور التاريخي لديموجرافية أوروبا ويقول أنه في بداية القرن الثامن عشر كان 20% تقريباً من سكان العالم يعيشون في أوروبا (وروسيا) ولكن مع نشوب الثورة الصناعية زاد عدد الأوروبيين وبدأت قوافل الهجرة إلى الأمريكيتين وبعشية الحرب العالمية الأولى كان عدد سكان أوروبا قد تضاعف بأكثر من أربع مرات وفي عام 1913 كان عدد سكان أوروبا أكبر من الصين وارتفعت نسبة سكان أوروبا والمستعمرات الأوروبية في أمريكا الشمالية إلى أكثر من 33% من سكان العالم.
ولكن هذا التطور الصعودي قد انعكس مساره بعد الحرب العالمية الأولى مع انتشار الرعاية الصحية والمرافق الصحية إلى الدول الأكثر فقراً، وفي آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بدأ الناس يعيشون لفترات عمرية أطول واستمرت معدلات المواليد مرتفعة أو انخفضت قليلاً وهكذا بحلول عام 2003 كان مجموع سكان أوروبا والولايات المتحدة وكندا قد وصل إلى 17% فقط من سكان العالم بل ومن المتوقع انخفاض هذه النسبة إلى 12% بحلول 2050 وهو ما يقل كثيراً عما كانت عليه عام 1700 (وربما تفوق هذه التقديرات الواقع أيضاً)، حيث أنها تعكس توقعات هيئة الأمم للنمو المتوسط والتي ترجح انخفاض معدلات الخصوبة في الدول النامية في الوقت الذي سترتفع فيه في الدول المتقدمة والواقع أنه لا يوجد أية مؤشرات على إمكانية ارتفاع معدلات الخصوبة في كثير من الدول المتقدمة.
والتراجع النسبي لديموجرافية الغرب يصبح أكثر خطورة إذا ما أخذ في الاعتبار جانب انتقال الثروات فالثورة الصناعية لم تجعل الأوروبيين أكثر عدداً فقط وإنما أكثر ثراء عن باقي سكان العالم وطبقاً للإحصائيات التاريخية فإن مجموع ناتج أوروبا والولايات المتحدة وكندا كان حوالي 32% من إجمالي الناتج العالمي في بداية القرن التاسع عشر ولكن بحلول عام 1950 كانت تلك النسبة قد ارتفعت بصورة مذهلة إلى 68% (معدلة حسب القوة الشرائية) وهذا الأمر بصدد تحول حاد أيضا، فنصيب اجمالي الناتج المحلي للدول الغربية ممثلة في أوروبا والولايات المتحدة وكندا قد انخفض من 68% في 1950 إلى 47% في 2003 وسوف يواصل انخفاضه وبوتيرة أكبر في المستقبل.
وإذا كان معدل نمو نصيب الفرد في الدخل القومي (معدلاً حسب القوة الشرائية) خلال الفترة بين 2003 و2050 كما كان بين 1973و2003 وهو 1.68% سنوياً في المتوسط في أوروبا والولايات المتحدة وكندا 2,47% سنوياً في بقية العالم إذاً فإن مجموع الناتج المحلي الإجمالي لدول أوروبا والولايات المتحدة وكند سيتضاعف بحلول عام 2050، في حين أن الناتج المحلي الاجمالي لدول العالم سوف ينمو عما يقرب من 5% وهذا يعني أن نصيب مجموع ناتج الدول الغربية من النتاج العالمي في 2050 سيكون إذاً أقل من 30% وهو يقل عما كان عليه عام 1820 ويلفت الكاتب إلى أن هذه الإحصاءات تشير إلى أمر خطير وهو أن غالبية نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال الفترة بين 2003و2050 حوالي 80% سيحدث خارج نطاق الدول الغربية، أوروبا والولايات المتحدة وكندا بحلول منتصف هذا القرن سوف يتركز هؤلاء الذين لديهم القدرة الشرائية لشراء السلع المعمرة مثل السيارات بمعنى شريحة الطبقة المتوسطة في دول العالم النامي.
ويتوقع البنك الدولي أنه بحلول عام 2030 فإن شريحة الطبقة المتوسطة في الدول النامية ستصل إلى 1,2 مليار شخص بزيادة 200% عن عام 2005 وهذا يعني أن الطبقة المتوسطة لدول العالم النامي سوف تكون أكبر من إجمالي عدد سكان أوروبا، واليابان والولايات المتحدة مما يشير إذا إلى أن محرك النمو الرئيسي للتوسع الاقتصادي العالمي سيكون النمو الاقتصادي للدول الصناعية الناشئة مثل البرازيل، الصين، الهند، اندونيسيا، المكسيك، تركيا.
أوجاع الشيخوخة
ويوضح الكاتب أن تباطؤ النشاط الاقتصادي نسبياً في العقود القادمة في الدول المتقدمة سيعود إلى شيخوخة سكانها فالدول الأوروبية، كندا والولايات المتحدة، اليابان، وكوريا الجنوبية وحتى الصين تعاني جميعها من ارتفاع معدلات الشيخوخة بصورة غير مسبوقة وإذا كانت نسبة الذين يبلغون 60 سنة أو أكثر في الصين وكوريا الجنوبية ما بين 12و15% فإنها تقدر بين 15و22% في الاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة و30% في اليابان ومن المتوقع ارتفاع هذه النسب في المستقبل فبحلول عام 2050 سيكون 30% الصينيين، الأوروبيين، الكنديين، والأمريكيين فوق 60 سنة وكذلك 40% من اليابانيين والكوريين.
وهكذا فإنه خلال العقود القادمة سوف تزيد نسبة المتقاعدين وتقل نسبة قوة العمل في الدول الصناعية والتي ستشهد انخفاضاً حاداً في النمو السكاني وتعتبر كوريا الجنوبية أوضح مثال على ذلك فبالرغم من توقع انخفاض إجمالي عدد سكانها بنسبة 9% فقط بحلول عام 2050 (من 48,3 مليون إلى 44,11 مليون) إلا أن عدد السكان في سن العمل سينخفض بنمو 36% (من 32,9 مليون إلى 21,1 مليون) وعدد الكوريين الذين تزيد أعمارهم عن 60 سنة سوف يتجاوز قوة العمل شريحة المتقاعدين وعلى الرغم من أن حالة كوريا الجنوبية تمثل الحد الأقصى لما سيكون عليه هذه الظاهرة فبحلول 2050 قد تفقد أوروبا 24% من قوة العمل لديها(حوالي 120 مليون عامل) في الوقت الذي سيرتفع فيه عدد المتقاعدين بنسبة 47% وفي الولايات المتحدة حيث من المتوقع أن ترتفع معدلات الخصوبة والهجرة عن أوروبا فسوف تنمو قوة العمل بها بنسبة 15% خلال العقود الأربعة القادمة (وهو ما يقل كثيراً عن معدل النمو الذي شهدته في الفترة بين 1950 و2010 وكان 62%) وخلال هذه الفترة أيضاً سوف تتضاعف شريحة المسنين الذين تزيد أعمارهم عن 60 سنة في الولايات المتحدة، وكل هذا سيكون له تأثير خطير على النمو الاقتصادي،الرعاية الصحية والقوة العسكرية للدول المتقدمة بسبب ضعف القوى التي دعمت النمو خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ومنها على سبيل المثال زيادة الإنتاجية بفضل ارتفاع جودة التعليم وخروج المرأة إلى سوق العمل بالإضافة إلى الاختراعات التكنولوجية الحديثة.
ويفسر الكاتب ضعف تلك القوى بأن زيادة أعداد الخريجين بعد الحرب العالمية الثانية، ظاهرة لن تتكرر في الدول المتقدمة في القرن الواحد والعشرين. والحركة النسائية القوية للانخراط في سوق العمل كانت بمثابة تغير اجتماعي فريد من نوعه أيضاً .أما بالنسبة إلى شريحة المستهلكين الذين قدموا سلفاً جديدة أو شريحة المستهلكين الذين كانوا على استعداد لتجربتها لأول مرة فكلتا المجموعتين في تناقص مستمر في ضوء شيخوخة الدول الصناعية.
وهكذا فإن النمو الاقتصادي بصفة عامة سوف يتقلص بسبب انخفاض عدد المستهلكين الجدد فعندما كانت قوة العمل للعالم المتقدم تنمو بنسبة 0,5 إلى 1% سنوياً كما كان الحال حتى عام 2005 وحتى مع زيادة سنوية طفيفة في الناتج الحقيقي للعامل بنسبة1,7% فقط فقد كان هذا يعني أن النمو الاقتصادي السنوي بين 2,2 و2,7% سنوياً ولكن مع تقلص قوة العمل في كثير من الدول المتقدمة مثل ألمانيا والمجر واليابان وروسيا ودول البلطيق بنسبة 2% سنوياً ونموها في دول أخرى مثل النمسا التشيك الدنمارك اليونان وايطاليا بأقل من 0,2% سنوياً فإن نفس نسبة الزيادة السنوية في الناتج الحقيقي للعامل وهي 1,7 % سوف تسفر عن نمو سنوي يتراوح بين 1,5% و1,9% فقط بل وستكون الدول المتقدمة قد حالفها الحظ إذا ما نجحت في الاحتفاظ بنمو إنتاجيتها عند هذا المستوى فمن المرجح انخفاض الإنتاجية بسبب شيخوخة قوة العمل.
ويحذر الكاتب الأمريكي جاك جولد ستون من تزايد الضغوط على الاقتصاديات الصناعية بسبب ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية فلا شك أن زيادة عدد المسنين في المجتمع تعني الحاجة إلى مزيد من الخدمات ولفترات أطول وقد تم بالفعل إعادة هيكلية لبرامج التقاعد الحكومية للمسنين فيد العديد من الدول الصناعية بما يتناسب مع التغيرات الديموجرافية الجديدة التي تشهدها ونظرياً من الممكن زيادة مخصصات التقاعد وإلغاء امتيازات الأثرياء ولكن الواقع أن الارتفاع الحاد في إعداد المسنين الذين تتراوح أعمارهم بين 80و90 سنة وهم الذين يحتاجون إلى الرعاية الصحية المكلفة سوف يمثلون عبئاً ثقيلاً على الدول المتقدمة وحتى بالنسبة إلى المتقاعدين بين 60و70 سنة إذا استمروا في العمل والإنتاج لفترات أطول سيكون هذا على حساب زيادة الانفاق على الرعاية الصحية الخاصة للحفاظ على لياقتهم وكل هذا يعني أن الدول المتقدمة المسنة سوف يكون لديها العدد الأقل من العمال ومن المخترعين ومن المستهلكين الشبان وسيخصص جزء كبير من نموها الاقتصادي للإنفاق على فواتير الرعاية الصحية ورواتب التقاعد هذا إلى جانب ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية في ضوء انخفاض أعداد العمالة.
ويبدي الكاتب أسفه لعدم التفاف صناع السياسة إلى مثل هذه التأثيرات السلبية لبعض الظواهر الايجابية مثل ارتفاع متوسط الأعمار.
الشباب والإسلام في الدول النامية
ويعقد الكاتب مقارنة بين التغيرات الديموجرافية للدول المتقدمة والنامية فيقول أنه في الوقت الذي ستعاني فيه الدول الصناعية لأوروبا وأمريكا الشمالية وشمال شرق آسيا من شيخوخة غير مسبوقة خلال هذا القرن فإن الدول سريعة النمو في إفريقيا أمريكا اللاتينية الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا سوف تحظى دون غيرها بشعوب شابة واليوم حوالي تسعة من كل عشرة أطفال تحت سن 15 سنة يعيشون في الدول النامية وهي الدول التي ستظل تتمتع بأعلى معدلات للمواليد في العالم.
وبالفعل أكثر من 70% من النمو السكاني العالمي حتى عام 2050 سيتركز في 24 دولة يصنفها البنك الدولي على أنها الدول ذات أقل دخل أو أقل متوسط للدخل في العالم حيث كان متوسط دخل الفرد فيها أقل من 3,855 دولار في عام 2008 وحيث أن فرص التوظيف في كثير من الدول النامية محدودة، إذا ستتجه عمالتها إلى أسواق العمل للدول المتقدمة التي تعاني من الشيخوخة والمهاجرين والشباب من الدول النامية سوف تستقطبهم الاقتصاديات المتقدمة ولكن غالباً للعمل بوظائف بسيطة مثل التمريض الأمن الزراعة وقيادة الحافلات والمستويات الحالية للهجرة من الدول النامية إلى الاقتصاديات المتقدمة تعتبر متواضعة مقارنة بقوى العرض والطلب التي قد تظهر في أنحاء العالم قريباً والتي ستؤثر كثيراً على الدول المسلمة حيث يستمر النمو السكاني القوى في العقود القادمة ويذكر أنه في عام 1950 كان مجموع سكان بنجلادش مصر اندونيسيا نيجيريا باكستان وتركيا 242 مليون نسمة ولكن بحلول عام 2009 أصبحت هذه الدول الأكثر اكتظاظاً بالسكان المسلمين في العالم ووصل عدد سكانها الإجمالي إلى 886 مليون نسمة ومن المتوقع أن يزداد بحوالي 475 مليون بحلول عام 2050 مقارنة نحو 44 مليون نسمة فقط في الدول الست الأكثر نمواً من حيث عدد السكان في العالم المتقدم وفي أنحاء العالم. من بين 48 دولة هي الأسرع نمواً من حيث عدد السكان الدول التي يبلغ معدل النمو السكاني فيها 2% أو أكثر 28 دولة ذات أغلبية مسلمة بنسبة 33% أو أكثر من إجمالي عدد سكانها ويصل الكاتب هنا إلى أنه نتيجة لمثل هذه التغيرات الديموجرافية فإن تحسين العلاقات بين المسلمين والمجتمعات الغربية يصبح أمراً حتمياً وهو أمر صعب في رأيه بالنظر إلى حقيقة مفادها أن كثيراً من المسلمين يعيشون في مجتمعات فقيرة غير مستقرة سياسياً وكثير منهم ينظرون إلى الغرب نظرة عدائية. ويضرب الكاتب مثالاً على ذلك بالاستطلاع الذي أجرته مؤسسة بيو العالمية عام 2009 والذي أظهر أن 69% من الأندونيسيين والنجيريين، الذين شملهم استطلاع الرأي لديهم نظرة إيجابية للولايات المتحدة، في حين أن هذه النسبة لاتتعدى 18% فقط في مصر، الأردن، باكستان، وتركيا (وكلها دول تعتبر حليفة للولايات المتحدة) وكان استطلاع عام 2006 عن رأي المسلمين بخصوص علاقاتهم بالغرب قد أظهر وصف أكثر من نصفهم لهذه العلاقة بأنها سيئة وأن السبب في ذلك هو الغرب.
ويؤكد الكاتب هنا على أهمية تحسين العلاقات بين الغرب وبين المسلمين أن تنامي الثقل الديموجرافي للدول المسلمة الفقيرة والزيادة المصاحبة له في هجرة المسلمين، ولا سيما من شمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا يدعو إلى أهمية التواصل بين الغرب والمسلمين لكنه أيضاً ينفي مزاعم هيمنة المسلمين على أوروبا حيث أن نسبة المسلمين من الكثافة الإجمالية لسكان الدول الأوروبية الكبيرة اليوم من 3 إلى 10% وعلى أقصى تقدير ستتضاعف بعد أربعة عقود ويضيف أنه يتعين على صناع السياسة في أنحاء العالم إدراك حقيقة أن شباب العالم يتركزون في الدول الأقل تعليماً وتوظيفاً ومن بينهما الدول المسلمة وإن الفقر والاضطرابات الاجتماعية قد تكون له آثار مدمرة في كثير من أنحاء العالم ولكن الهجرة الصحية للعمالة إلى الدول المتقدمة في مقابل تحويلات المهاجرين النقدية إلى الدول النامية قد يؤدي إلى نتائج أفضل
التوسع العمراني ومخاطرة
ويحذر الكاتب الأمريكي جولد ستون من تفاقم مخاطر القرن الواحد والعشرين نتيجة لزيادة التوسع العمراني بصورة غير مسبوقة، ويقول إن عام 2010 سيشهد ظاهرة جديدة لأول مرة في التاريخ وهي أن غالبية سكان العالم يعيشون في المدن وليس في الريف وفي حين كان أقل من 30% من سكان العالم عام 1950 يعيشون في المدن إلا أن توقعات هيئة الأمم ترجح ارتفاع هذه النسبة إلى 70% بحلول عام 2050 يضيف أن الزراعة تعد أحد القطاعات كثيفة العمالة كما كان الحال من قبل ومع استحواذ القطاعات الصناعية والخدمية على فرص التوظيف المتاحة لتحول الدول الأقل دخلاً في آسيا وأفريقيا إلى التحضر بشكل سريع وبالفعل معظم التجمعات السكانية المزدحمة موجودة في المناطق الحضرية في الدول منخفضة الدخل مثل مومباي، وعدد سكانها 20 مليون نسمة، المكسيك 19,5 مليون نسمة ودلهى 17 مليون نسمة شنغهاي 15.8 مليون نسمة تركيا15,6 مليون نسمة كراتشي 13,1 مليون نسمة القاهرة 12,5 مليون نسمة مانيلا 11,7 مليون ولاغوس 10,6 مليون نسمة وجاكارتا 9,7 مليون وكثير من هذه الدول لديها العديد من المدن المليونية يزيد عدد سكانها على المليون نسمة وباكستان لديها ثماني مدن المكسيك 12 الصين أكثر من عشرين كما تشير تقديرات هيئة الأمم إلى تضاعف .. التحضير في إفريقيا جنوب الصحراء من 2005 2050، ومن 300 مليون شخص يعيشون في .. ونسبة 67% في عام 2050 أما الصين التي تقدر المناطق الحضرية فيها بنسبة 40% من إجمالي مساحتها فقد تتحول إلى التحضر بنسبة 73% بحلول عام 2050 وبالنسبة للهند تقدر مساحة المدن اليوم فيها بنسبة 30% ومن المتوقع أن ترتفع إلى 55% في منتصف القرن الحالي، وبصفة عامة من المتوقع نمو سكان المدن على مستوى العالم بنحو 3 مليارات شخص بحلول عام 2050 ويلفت الكاتب إلى أن هذا الامتداد الحضري قد يتسبب في حدوث بعض الفوضى ويشير إلى انخفاض الجدوى الاقتصادية من زيادة نسبة المناطق الحضرية ويقول أن الدول النامية التي تحولت إلى التحضر في القرن الواحد والعشرين لم تحقق نفس القدر من الزيادة في الدخل مثلما حدث في كثير من الدول الصناعية الكبرى الآن عندما تحولت إلى التحضر قبل سنوات طويلة الولايات المتحدة على سبيل المثال لم تتوسع عمرانياً بنسبة 65% في عام 1950 عندما كان متوسط دخل الفرد حوالي 13000 دولار (بدولارات 2005) وفي حين أن دولاً أخرى لديها نفس القدر من التوسع الحضري مثل نيجيريا باكستان والفلبين لا تتجاوز دخل الفرد فيها من 1800 إلى 4000 دولار وفقاً لبعض الأبحاث والخبراء في مجال الديموجرافيا السياسية فإن الدول التي يوجد بها نسبة كبيرة من السكان من الشباب معرضة أكثر من غيرها للاضطرابات والفوضى ولديها قدرة أقل على إنشاء مؤسسات ديموجرافية والحفاظ عليها بل وكلما كانت هذه الدول نسبة التحضر فيها أكبر كانت أكثر عرضة للفوضى ولمظاهر العنف وهكذا فإن الامتداد الحضري في الدول النامية خلال العقود القادمة قد يتسبب في معاناة أشبه بالمعاناة التي شهدتها أوروبا في القرن التاسع عشر بسبب التوسع العمراني من فقدان السيطرة على الاضطرابات وزيادة العنف وفي بعض الأحيان كما في فترات 1820 و1830 و 1848 نشوب ثورات
نزع فتيل القنبلة السكانية .. كيف؟
ينصح الكاتب بضرورة التزام الحكومات والمنظمات غير الحكومية بالسيطرة على معدلات المواليد، تطوير الزراعة ونشر التكنولوجيا الجديدة، وتشجيع نمو التجارة الدولية بما يسمح للدول النامية بتصدير السلع الغذائية في مقابل البذور والسماد والمعدات التي تساعدها في زيادة الإنتاج. ويوضح إن المشكلة السكانية حالياً ليست في النمو السكاني العالمي بقدر ما هي التركيبة السكانية وتوزيعها وبالتالي ينبغي على صناع القرار السياسي العمل على إعادة هيكلة المؤسسات العالمية بما يتناسب مع التغيرات التي تشهدها الدول الصناعية من ارتفاع لمعدلات الشيخوخة وتركز النمو السكاني والاقتصادي العالمي في الدول النامية وكذلك زيادة معدلات الهجرة الدولية ويذكر أنه خلال الحرب الباردة كان قد تم تقسيم العالم إلى ثلاث مجموعات “العالم الأول” للدول الصناعية الديمقراطية “العالم الثاني” للدول الصناعية الشيوعية وأخيراً “العالم الثالث” ويشمل الدول النامية وكان تركيز السياسيين وقتها على إدارة الصراع بين العالمين “الأول”و”الثاني” وفي نفس الوقت إطلاق حروب ومبادرات دبلوماسية لاستقطاب الدول النامية إلى معسكر العالم الأول ولكن منذ انتهاء الحرب الباردة لم يعد يهتم السياسيون الغربيون بالمجموعة الثالثة المهمشة وأصبحت الخريطة العالمية الإستراتيجية تقتصر على الولايات المتحدة كقوة عظمى لا منافس لها مع وجود أوروبا والصين كلاعبين رئيسيين أيضاً.
ويحذر جولد ستون من تجاهل السياسة الغربية للتغيرات الديموجرافية الحالية ويقول أن هذه حقائق قد تندثر بالإهمال ولكن كبداية ينبغي قبول فكرة عالم ثلاثي الأقطاب يشمل “”
عالم أول جديداً للدول الصناعية المسنة وهي أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا وباسيفيك (ويشمل أيضاً اليابان سنغافورة كوريا الجنوبية تايوان بالإضافة إلى الصين بعد عام 2030 عندما تتضح تداعيات سياسة الطفل الواحد من شيخوخة السكان) و”عالم ثاني” يتكون من الدول سريعة النمو اقتصادياً وسكانياً (مثل البرازيل، إيران، المكسيك، تايلاند، تركيا، وفيتنام، بالإضافة إلى الصين علم 2030)و “عالم ثالث” للدول الفقيرة المزدحمة بالسكان والتي غالباً ما تكون حكوماتها ضعيفة.
العالم الثاني: همزة الوصل بين العالم المتقدم والعالم الثالث
ومن أجل التأقلم مع الاضطرابات العالمية التي قد تنبع من العالم الثالث سوف تحتاج الدول الصناعية المسنة للعالم الأول إلى بناء تحالفات قوية مع القوى الناشئة للعالم الثاني الجديد للتواصل مع دول العالم الثالث فأهمية دول العالم الثاني في القرن الواحد والعشرين لن تقتصر فقط على كونها محركاً للنمو الاقتصادي العالمي، لكنها ستكون أيضاً محوراً أسياسياً في الأمن العالمي والتعاون الدولي والتقارب الجغرافي والثقافي والديني يعني أن لي تواصلاً سلمياً بناء بين دول العالم الأول والثالث لا بد أن يتضمن تعاون دول العالم الثاني وبناء على ما سبق تكون هناك حاجة في رأي الكاتب إلى إعادة النظر في المؤسسات العالمية المختلفة مجموعة الثماني على سبيل المثال سوف يتراجع دورها الخاص بوضع السياسة الاقتصادية العالمية وبالفعل تزايدت أهمية مجموعة العشرين وهي نتيجة حتمية لظهور قوى اقتصادية عالمية مثل البرازيل الصين الهند اندونيسيا المكسيك وتركيا فالمؤسسات الدولية لن تستطيع الاحتفاظ بشرعيتها دون تواجد الدول سريعة النمو وهكذا من المهم تجاوز المخاوف الأوروبية بشأن الآثار المحتملة للهجرة واتخاذ خطوات جادة للسماح بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قد يشعل العدائية تجاه الغرب ليس فقط من جانب المواطنين الأتراك الذين سيصل عددهم إلى 100 مليون نسمة بحلول عام 2050 ولكن مسلمي العالم أيضاً. ويضيف الكاتب أن “الناتو” أيضاً في حاجة إلى التأقلم مع التغيرات الديموجرافية العالمية والتحالف اليوم مكون في معظمه من دول مسنة واقتصاديات بطيئة النمو ويتركز اهتمامه على نصف الكرة الشمالي وملتزم بهيكل الحرب الباردة غير القادر على التعامل مع التهديدات المعاصرة في حين أن دول أفريقيا والشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا كثيرة السكان يمكنها السيطرة على حركات التمرد بسهولة أكبر من قوات الناتو إذا ما اقتضت الحاجة إلى إرساء الاستقرار في هذه الدول وبالتالي قد يكون من المفيد لأعضاء الناتو دراسة جدوى دعوة دول مثل البرازيل والمغرب إلى التحالف مع دول أخرى مثل البانيا وتعكس حالة أفغانستان وهي دولة سريعة النمو السكاني ويوجد بها قوات الناتو أهمية بناء مؤسسات عالمية فعالة اليوم هناك 28 مليون أفغاني وبحلول عام 2025 سيكون هناك 45 مليون أفغاني وبحلول 2050 سيقترب عدد السكان من 75 مليون نسمة وخلال السنوات القادمة إذا ما فشلت جهود الناتو في مساعدة الأفغان لدعم الاستقرار والرخاء وشعروا بأن تدخل الحلف كان ضد مصالحهم سيزيد عداء عشرات الملايين من الأفغان تجاه الغرب لكن إذا ما نجحت هذه الجهود فسوف يتحول ملايين الشباب الأفغان إلى أصدقاء للغرب وهو ما يحسن أيضاً علاقة مليار مسلم في الدول النامية الفقيرة بالغرب.
الإصلاح يبدأ من داخل الدول الغربية
ويدعو الكاتب الأمريكي الدول الغربية لاتخاذ خطوات جادة لدعم الاستقرار العالمي في ضوء التغييرات الديموجرافية التي سيشهدها العالم في السنوات والعقود القادمة ويأتي في المقدمة كما يقول تشجيع الحكومات للأسر من أجل زيادة الأطفال بها وقد نجحت بالفعل كل من فرنسا والسويد في تقديم بعض الحوافز مثل توفير الرعاية الصحية للأطفال ومنح الأمهات فترة أطول لرعاية الأطفال بالإضافة إلى الحوافز المالية للأسر التي لديها أكثر من طفل غير أنه لا توجد لدى السياسيين رؤية واضحة عن أفضل السياسات لتشجيع زيادة معدلات المواليد
ويضيف أنه الأهم من سياسات تشجيع الانجاب مسألة قوانين الهجرة فالحركة الصحية للمهاجرين تفيد الدول المتقدمة والنامية على السواء دون التعرض لمخاطر “نزيف العقول” وغيرها من الآثار السلبية لزيادة معدلات الهجرة
أمر آخر لفت إليه الكاتب تشجيع المتقاعدين الغربيين على الانتقال إلى دول البحر المتوسط أو أمريكا اللاتينية أو أفريقيا وهو ما يعني تقليل الضغوط على الدول الصناعية وفي نفس الوقت إتاحة الفرصة للدول النامية من الاستفادة من توفير الخدمات الصحية وغيرها لهؤلاء المتقاعدين وإن كانت مسألة توفير خدمات صحية وسكنية من الدرجة الأولى في دول العالم الثالث أمراً صعباً لكنها ستوفر نزيف العقول من الأطباء والممرضين المهاجرين من الدول النامية إلى الدول المتقدمة عن توافر فرص عمل لهم في بلادهم وقد بدأ بالفعل اتجاه الكثير من المواطنين في الدول الغربية للانتقال إلى منتجعات صحية أرخص وأبرز المقاصد السياحية للمتقاعدين الآن الهند سنغافورة وتايلاند وحسب تقديرات شركة ديلويت لأبحاث السوق فإن 750 ألف أمريكي قد سافروا إلى خارج الولايات المتحدة من أجل العلاج في عام 2008 ويقول الكاتب في النهاية أن ديموجرافية القرن الواحد والعشرين ستختلف تماماً عن القرن الماضي فلأول مرة سيحدث معظم النمو الاقتصادي العالمي خارج أوروبا وأمريكا وكندا ولأول مرة ستكون هناك نسبة كبيرة من المسنين يعيشون في هذه الدول ولأول مرة سيكون معظم سكان الدول ذات الدخل المنخفض من الشباب وسيعيشون في المدن وليس القرى وهكذا لا يمكن الاعتماد على السياسات الاقتصادية والإستراتيجية للقرن العشرين وهناك حاجة إلى سياسات جديدة.

ترجمة وعرض: شريفة عبد الرحيم
المصدر: الأهرام الاقتصادي
21 مارس 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*