كيف ننزع فتيل الانفجار السكاني؟

شاكر النابلسي

-1-
يقول خبراء التنمية، إن الغول الشرس الذي يهدد كافة خطط التنمية، ويبتلع نتائجها في العالم الثالث، هو الانفجار السكاني في هذا العالم المحدود الموارد والبطيء في تنفيذ خطط التنمية، نتيجة لعوامل التاريخ والجغرافيا والاجتماع… إلخ.
وكان خبراء التنمية – خاصة في العالمين العربي والإسلامي – حائرين بين تنفيذ ما تقتضيه خطط التنمية من التأكيد على ضرورة تحديد النسل حتى يتكافأ عدد السكان لكل بلد مع موارده الطبيعية، وإنتاجه الوطني في كل عام، وبين دعوة معظم فقهاء الأديان إلى مزيد من التناكح والتناسل لزيادة عدد المؤمنين في كل دين. وكان من النادر أن تلقى فقيهاً من فقهاء الدين، لا يشجع على التناسل، وينادي بتحديد النسل، بما يتناسب وقوى البلد الاقتصادية وما فيه من خدمات تعليمية وصحية.
-2-
وفي مقابلة الشيخ الفقيه التنويري أحمد بن باز، هنا في “الوطن”(13/2/2010) مع عبد الهادي السعدي، دقَّ الفقيه ابن باز ناقوساً مدوياً، محذراً من خطر انفجار القنبلة السكانية الداهم، التي بدأت تتفجر في بعض البلدان العربية الفقيرة، حيث أعاقت هناك تطوير التعليم، وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية، وساهمت في زيادة معدلات البطالة، والفساد، والرشوة، والفقر. والتهم هذا الانفجار السكاني كل بادرة تقدم، وتحسين وتغيير إلى الأفضل في أركان الوطن الأساسية.
-3-
وكما قلنا في الأسبوع الماضي، فقد جاءت إضاءة الشيخ الفقيه ابن باز تلك، نادرة ندرة المطر في صيف صحراء الجزيرة العربية. وكان الكاتب التنويري عبدالله بن بخيت، قد أثار هذه القضية بقوة وشجاعة وصراحة فيها سخرية حلوة ومرّة – كعادته – في عموده الأسبوعي في صحيفة “الرياض”، تحت عنوان: “القوة في الكثرة” (23/11/2009). وقال منطلقاً من الكارثة التي يمكن أن يحدثها انفجار القنبلة السكانية في السعودية خاصة، على قاعدة “ابدأ بنفسك”:
“صراع الحواري عندنا قائم على التجمعات والتكتلات والتحالفات. ترسخ هذا المقياس حتى أضحى دولياً. كنا نتبارز في معرفة عدد سكان العالم. نرى أن سبب تفوق أمريكا يعود إلى عدد سكانها ومستقبل الصين يتوقف على الألف مليون التي تغص بها أرضها. لم نكن نعرف من مجالات التنافس الدولي سوى صراع القوة.”
وبعد أن استعرض ابن بخيت الشغف الطفولي الذاهل بالقوة المتأتية – خيالياً – من الكثرة، استعرض لنا ما تمَّ في السعودية في نصف قرن مضى من دفع كبير للاستيلاد وزيادة عدد السكان، بحيث تضاعف عدد سكان السعودية، وقال: “يبدو أن هذا الموقف شغل مواطير السعوديين الاستيلادية بطاقاتها الكاملة. تضاعف الرقم في أقل من نصف قرن. وإذا تيسرت الأمور مع باقات الزواج الجديدة (زواج مسيار، زواج فرند، زواج مقناص) وتسهيلات التعدد، فسوف يبلغ عدد السكان في المملكة أربعين مليوناً، في الثلاثين سنة القادمة.”
-4-
هذا عن المملكة الغنية بمواردها الطبيعية وبثروتها البترولية، فما بالك بالدول الفقيرة؟
لقد أوجز ابن بخيت أخطار الزيادة السكانية على المملكة في هذه السلَّة المليئة بالحقائق المُغلَّفة بطبقة من السخرية السُكريّة. ووصف المستقبل الصعب في ظل هذا الانفجار السكاني قائلاً: “الوظيفة والخبزة سوف تقسمان على أربعة، أو على ستة. كل طفل يأكل ربع ما يحتاج. نعود لأيام النحافة والهزال والمضاربة على آخر قطعة لحمة في التبسي. سنصبح نيجيريا وباكستان. يصبح 90% من السكان وقوداً للصراعات التي تجري بين أغنياء المجتمع وأدوات للتهريب في أيدي العصابات. والباقي يتولى أمرهم الإرهاب. ندخل في الدوامة التي لا تنتهي أبداً.” تلك كلها كانت نتاج عواطف وغرائز التكاثر البشري. أما العقل ودفاتر الحساب الآن، فتقول لنا كما عبَّر أيضاً ابن بخيت، إن العالم: “لم يعد في حاجة إلى كمية كبيرة من البشر. ولم يعد التنافس بين الشعوب بالقوة القاتلة. وفَّر العصر الحديث عشرات الخيارات، لتصبح قوياً، دون أن تكون قاتلاً.”
-5-
فكيف نمنع انفجار القنبلة السكانية في العالمين العربي والإسلامي تفادياً للكارثة؟ فهل نصائح الحكماء كافية؟ وهل فتاوى الفقهاء كافية؟
وهل دقّ نواقيس خطر الزيادة السكانية كاف؟ في رأيي المتواضع أن تفادي الانفجار السكاني مرتبطٌ بتحسن ظروف التنمية الاقتصادية، والاجتماعية. فمن الملاحظ مثلاً أن أكثر بلدان العالم العشرة غنى وارتفاعاً في الدخل القومي السنوي GDP لا يزيد سكانها على خمسة ملايين نسمة ما عدا اثنتين هما سويسرا (7 ملايين) والولايات المتحدة الأمريكية (260 مليونا). وعلاقة الرفاهية بحجم الدولة نقاش مطروح منذ أيام أرسطو الذي نادى بتقليص حجم المدن الإغريقية. وقال إن التجربة أثبتت أن الدول ذات التعداد السكاني الكبير من الصعب إذا لم يكن من المستحيل أن تُسيّر تسييراً مرضياً. وهذا المفهوم عكس ما يراه الآباء المؤسسون الأمريكيون. فقد رأى جيمس ماديسون (1751-1846) الرئيس الرابع الأمريكي أن تعداد الدولة السكاني الكبير سوف يساعد على تحقيق الديموقراطية من حيث إنه يقلل من احتمالات سيطرة فئة على أخرى، وهضم حقوقها.
-6-
لقد أثار موضوع الانفجار السكاني وأثره على رفاهية الدولة مؤخراً، اثنين من كبار الأكاديميين الاقتصاديين الأمريكيين هما البيرتو آلاسينا الأستاذ بجامعة هارفرد وإينريكو سبولور من جامعة براون في كتابهما (حجم الأمم). وقد أشارا في هذا الكتاب إلى أن نصف دول العالم الآن لا يتجاوز حجم سكانها ولاية ماساشوستيس (6 ملايين). ويرى هذان العالمان، أن الدول الصغيرة أسعد حظاً في أوقات السلام، بينما تظل تكاليف الدفاع أرخص في الدول العملاقة حيث تتوزع تكاليف الدفاع على أكبر حجم من دافعي الضرائب. ويرى هذان الكاتبان أن الدول الكبيرة تستطيع أن تجبي مبالغ هائلة من الضرائب، ولكن لكل هذا ثمنا باهظا، وأنه ينطبق على الدول الغنية أصلاً، أما الدول الفقيرة كدول الشرق الأوسط والعالم العربي بصفة خاصة، فلا مجال لها لتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية غير تحديد النسل، والتقليل من عدد السكان.

الوطن السعودية 27 فبراير 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*