حول تحديد النسل في العالم

صاحب الربيعي

اتسمت ادعاءات بعض الديمغرافين المتشائمين من التزايد السكاني في العالم بالهول والرعب من المستقبل نتيجة الزيادة السكانية المرتقبة ، وخاصة في البلدان الفقيرة التي تعاني من الفقر والجوع حتى بات المرء يشعر بالرعب من هذه الادعاءات وكأن الكارثة واقعة لامحال ، حيثُ تم ربط عجلة النمو السكاني بنقص الغذاء والذي عبر عنه ((مالثس)) في بداية القرن التاسع عشر بقوله: بأن السكان يتزايدون وفقاً لمتوالية هندسية والإنتاج الغذائي وفقاً لمتوالية عددية.
وبهذه الفرضية وضع ((مالثس)) الأرضية المناسبة للتفسيرات اللاحقة للأزمات العالمية ( الغذاء ، البيئة ، الحروب ) وفتح الأبواب على مصراعيها لأنصار هذا الاتجاه للإدلاء بدلوهم والتعبير عن حجم الكارثة المقبلة عبر ادعاءات وافتراضات عديدة منها النموذج الذي طرحه ((دافيد ريكاردو )) الذي أعتبر جميع الاقتصاديات الوطنية ذات سقفاً محدداً للتوسع ولا يمكنها إشباع الأفواه البشرية المقبلة.
إن هذه الافتراضات تجاهلت تماماً التقدم العلمي والتقني وأثرها على الإنتاجين الزراعي والصناعي ، فاعتقاد المتشائمين يكمن في أن الإنسانية سوف تعيش دوماً في حالة قريبة من المجاعة وحسب تعبير مالثس: بأن زيادة الإنتاجين الزراعي والصناعي سوف يقترن بنمو سريع للسكان يستهلك بدوره كل الإنتاج الموجود تاركاً البشرية دوماً في حالة البؤس.
إن التزايد السكاني المزمع في العالم واختلاف موازين القوى البشرية بين العالمين الغني والفقير ، قد دفع عدداً من أشرار العالم ينظرون الى هذه الأزمة المفتعلة والى تلك المخلوقات المتكاثرة في العالم الفقير بمنظار الهول القادم الذي سيجتاح البلدان الغنية، وبالتالي سيلتهم فتاتهم الغذائي ويتجه الى غذاء حيوانيتهم ( الكلاب والقطط ) ومن ثم يقلقهم ويقلق مخلوقاتهم (اللطيفة) التي لاشك لها أهمية أكبر لديهم من المخلوقات البشرية ذو المرتبة المتدنية.
لقد برع المتشائمون في ابتكار أساليب ونظريات للحد من التزايد السكاني منها :العقاقير الطبية كحبوب منع الحمل التي تم تجريبها في بادئ الآمر في يورتوريكو ذات الأكثرية السكانية الملونة ومن ثم تعميمها فيما بعد في الولايات المتحدة الأمريكية؛ والحرية الجنسية وأضعاف الممارسات الدينية التي تشجع الزواج المبكر ودعم التيارات الجديدة التي تدعو الى تسهيل معاملات الطلاق؛ وتحديد النسل بعدد محدد من الأطفال لكل عائلة وقد اعتمدت هذا الأسلوب كل من الباكستان وشيلي عام 1965 والفلبين عام 1970؛ وتشجيع وتقليل تكاليف عمليات الإجهاض، ففي اليابان عام 1957 بلغت حالات الإجهاض 716 حالة بالنسبة لكل 1000 ولادة؛ وتعقيم النسل وقد اعتمدت اليابان هذا الأسلوب ففي أعوام  (1946 ، 1953 ، 1956 )تم تعقيم ( 11213 ، 31900 ، 43700 ) أمراة على التوالي.
هناك أساليب أخرى تم اقتراحها من قبل المتشائمين للحد من التزايد السكاني وهي لا تخلو من البربرية كدعوة مالثس الى خلق حروب طاحنة كل أربع سنوات في المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان للقضاء على الزيادات المرتقبة التي قد تؤثر على الجانب الآخر من العالم.
وأقترح ((رنية ديمون)) عام 1965 الى إنشاء محكمة دولية تقرر لكل بلد معدل الزيادة السكانية ولها صلاحية إيقاف النمو السكاني في بلد ما وتفرض هذه المحكمة العقوبات الاقتصادية على البلد الذي يخالف قراراتها ، في حين أقترح ((يوهان ماكهول)) عام 1968  إنشاء محكمة مهمتها إعطاء التصريح بإنجاب الأطفال تبعاً لعدد الوفيات وذلك على المستوى الوطني وحتى على المستوى الأسري .
هذه المزاعم لا تعبر عن حقيقة الأزمة السكانية المفتعلة في العالم ، وإنما تعبر عن المصالح الأنانية المفرطة للعالم الغني الذي يسعى الى فرض السيطرة على الشعوب الفقيرة ، ليس فقط من أجل التحكم بمقدرات هذه الشعوب وإنما تحديد الولادات فيه.
لقد أعطى العالم الغني لنفسه الحق في تحديد النسل للشعوب الفقيرة بعد أن أعتمد أسلوب نهب موارد ومقدرات هذه الشعوب عبر سنوات طويلة من الاستعمار وأتباع سياسة التجويع التي أدت الى موت ملايين من البشر.

أنصار نظرية الحجم الأمثل للسكان
لقد ظهرت هذه النظرية قبل الحرب العالمية الثانية ولم تلق الصدى اللازم لها ، وبرزت مجدداً في الخمسينيات وتم رفضها من قبل المفكرون الماركسيون في المؤتمر الأول للسكان المنعقد في روما عام 1954 حيثُ اعتبروا طريق التنمية الاقتصادية والتحولات السياسية والاجتماعية هو السبيل الوحيد أمام العالم المعاصر.
في حين أقترح ((الفريد سوفي)) نموذجه المتمثل من ثلاث نقاط هو تفادي الشيخوخة؛ وإخضاع الواقع الاقتصادي للواقع الديمغرافي؛ والسعي الى تحقيق الحجم الأمثل للسكان .
وفي المؤتمر الثاني للسكان عام 1965 المنعقد في بلغراد أعتبر الماركسيون أن الاتجاهات الديمغرافية تلعب دوراً مهماً في التنمية الاقتصادية ولكنهم لم يتبنوا النتائج كاملة .
نشر البنك الدولي عام 1972 وثيقة بعنوان التخطيط الديمغرافي جاء فيها: مهما يكن النظام الاجتماعي أو السياسي فان الخصوبة المرتفعة لابد أن تؤدي عامة الى تعميق خطورة عدم المساواة في توزيع الدخول والثروة ، وإذا انخفضت الخصوبة الى النصف فانه خلال جيل واحد سوف يترفع الدخل في نهاية الفترة بنسبة 20-40% لما كان عليه لو أن الخصوبة استمرت ثانية.
وفي نفس العام وضع خبراء معهد ((ماساشوستس)) في واشنطن بناءاً على طلب نادي روما ((نظرية حدود النمو )) وهي تستند الى هيبة المشرفين في مجال مشكلة السكان؛ واتخاذ متغيرات أخرى غير المتغيرات الاقتصادية؛ و وضع نموذج سكاني يسمح بترقيم النتائج على المستوى العالمي لمجموعة من القرارات المتخصصة على أن يكون للتضخم السكاني النصيب الرئيسي في هذا النموذج ماذا نفعل ؟ تعقيم الرجال أم النساء ؟ كيف ؟ ومن منهم؟

تصورات البروفيسور كارلو شيبولا حول تحديد النسل
تعتبر هذه التصورات أكثر إنسانية ومنطقية من التصورات السابقة نظراً لاعتمادها أسلوب الإقناع والمنطق في حل المشكلة السكانية المفترضة وقرب تصوراتها من نظرية حدود النمو والذي عبر عنها ((شيبولا ))بقوله: إن أفضل الأساليب لقياس الراحة النفسية للفرد هو معرفة مستوى الدخل الفردي وثمة حقيقة هي أنه كلما قل عدد الأفراد أزداد الدخل الفردي ارتفاعاً ويمكن للنمو في حالات محددة والى درجة معينة تأثير على النمو الاقتصادي، ويمكن أن يكون للنمو الديمغرافي حافزاً للنمو الاقتصادي ، ولكنه في أغلب  الأحيان وبصفة خاصة في الدول المتخلفة يمثل عيباً خطيراً للغاية من حيثُ أثره على التكوين الرأسمالي ، فالموارد القليلة المتاحة تستخدم في الاستهلاك بهدف وحيد هو تغذية الناس الذين يتزايد عددهم على حساب الدخل الفردي.
ولكن((شيبولا))  دارة بنفس الحلقة المفرغة التي دارة بها مالثس وريكاردو فهو لم يعر أهمية للتقدم العلمي والتقني الذي سيؤثر بلا شك على الإنتاج بشكل أيحابي ويرفع من مستوى الدخل ، إضافة الى الاكتشافات الحديثة للموارد التي قد يكون لها تأثير مباشر على حياة الفرد في المجتمع فهناك عدد لا بأس من الدول غير قادرة على استثمار مواردها بسبب قلة عدد سكانها .
لقد أقترح ((شيبولا)) خمس بنود للحد من عدد السكان في العالم وهي: أنجاب ثلاثة أطفال لكل زوجين؛ و إقناع رجال الدين والبابا والمسئولين في البلدان المتخلفة بأن زيادة أفراد الشعب لا تكفل لهم السلطة فلا معنى للسلطة على مليون نفس بشرية محرومة من كل شيء؛  وإقناع الكنيسة ( في أمريكا اللاتينية خاصة ) بأن المهم ليس هو إرسال الكثير من البشر الى الجنة بل لابد من الكفاح حتى يسود الوعي كوكبنا فيدرك الناس ما هو أنفع ، توفير وسائل منع الحمل الضرورية .
أخيراً يحق لنا التساؤل هل هناك أزمة سكانية في العالم ؟ إن وجدت حقاً هل هذه هي الطرق المناسبة لمعالجتها ؟ هل أزمات الجوع والفقر الذي تجتاح البلدان الفقيرة بسبب ازدياد عدد السكان أم بسبب السياسات الاستعمارية التي تنتهجها البلدان الغنية بحق البلدان الفقيرة ؟
لو كانت البلدان الغنية جادة في معالجة أزمة السكان وما يرافقها من جوع وفقر، عليها توزيع الثروة بشكل عادل على سكان العالم والكف عن سياسات نهب واستغلال الشعوب الفقيرة ، فبأمس القريب كان كل بريطاني يستعمر تسع أشخاص من سكان العالم ، ومازالت الحيوانات الأليفة في البلدان الغنية تستهلك ربع إنتاج العالم من الحبوب وهو ما يكفي لإطعام مليار و300 مليون من البشر.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*