معضلة الـنمو السكاني

‬د‮. ‬جعفر محمد
الوطن البحرينية 3\5\2010

العلاقة بين النمو السكاني‮ ‬والتنمية الاقتصادية هي‮ ‬دائماً‮ ‬مكان بحث واهتمام دولي‮ ‬وخاصة بين المفكرين الاقتصاديين منذ نشوء وتطور نظريات العلوم الإنسانية،‮ ‬علماء الاقتصاد والسياسة والاجتماع لايزالون عاكفون على دراسة الكيفية التي‮ ‬يمكن بها تحقيق الموازنة بين الموارد الاقتصادية المحدودة ومتطلبات‮ ‬غير محدودة للنمو السكاني‮ ‬من سلع وخدمات‮. ‬ وعلى أساس ذلك أصبحت مشكلة النمو السكاني‮ ‬في‮ ‬المجتمعات الصغيرة والكبيرة الغنية والفقيرة إحدى أهم معضلات التنمية وإحدى أهم التحديات المستقبلية،‮ ‬ويعتبر الاقتصادي‮ ‬الكلاسيكي‮ ‬روبرت مالتس من أوائل المفكرين الذين اهتموا بهذه العلاقة،‮ ‬حيث كتب في‮ ‬النصف الثاني‮ ‬من القرن الثامن عشر عن هذه العلاقة وربطها بقانون تناقص الغلة‮ ‬Law of Diminishing Returns‮ ‬الذي‮ ‬يعالج أثر زيادة معدل النمو السكاني‮ ‬على مساحة محدودة من الأرض‮. ‬ وطبقاً‮ ‬لهذا القانون فإن زيادة استهلاك الموارد سيؤدي‮ ‬إلى تناقص الإنتاج الإضافي‮ ‬من هذه الموارد،‮ ‬فعند توظيف أعداد كبيرة من العمالة للمساحة المحدودة من الأراضي‮ ‬أو إلى عنصر إنتاجي‮ ‬ثابت‮ ‬يترتب عليه تناقص في‮ ‬الغلة أو في‮ ‬إنتاجية العمالة الإضافية‮.‬ وبذلك‮ ‬يرى مالتس أن قانون تناقص الغلة هو النتيجة الحتمية للزيادة المطردة في‮ ‬حجم السكان التي‮ ‬لن تؤدي‮ ‬إلا إلى انخفاض مستمر في‮ ‬معدل الإنتاجية العامة،‮ ‬ويقول إنه ومع استمرارية هذا الوضع وإذا لم‮ ‬يتوصل العالم إلى حل مناسب‮ ‬يوقف به معدل النمو السكاني‮ ‬بحيث‮ ‬يتوازن مع استخدام الموارد المتاحة سيصل العالم إلى مجاعة تهدد الإنسانية‮. ‬ويعتبر مالتس الكوارث الطبيعية حل ملائم لتخفيض حجم السكان‮. ‬ وفي‮ ‬عام‮ ‬1948‮ ‬عندما كان العالم منهمكاً‮ ‬في‮ ‬إعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية في‮ ‬أوروبا أطلق المدير العام لمنظمة اليونسكو جوليان هكسلي‮ ‬آنذاك صيحة مدوية عندما طالب‮ ”‬بضرورة تحقيق التوازن بين معدل النمو السكاني‮ ‬ومعدل استخدام الموارد الاقتصادية وإلا فعلى الحضارة الفناء‮”.‬ وعلى الرغم من أن الابتكارات العلمية والتكنولوجية التي‮ ‬شهدها العالم في‮ ‬شتى المجالات أدت إلى تخطي‮ ‬بعض من التكهنات المتشائمة التي‮ ‬ظلت تشغل بال المجتمعات في‮ ‬دول مختلفة حول حتمية عجز الموارد عن تلبية حاجات الزيادات السكانية المتعاقبة،‮ ‬إلا أن هذه المجتمعات خاصة تلك الدول المصنعة والمصدرة للتكنولوجية المبتكرة لاتزال ترى أن النمو السكاني‮ ‬يبقى المعضلة الأهم والأكثر خطورة على تطور وتقدم البشرية‮. ‬ ووجد بعض من المفكرين أن هذه الابتكارات والتقنيات المتطورة قد تكون سبباً‮ ‬هاماً‮ ‬وراء تفاقم المشكلة السكانية،‮ ‬حيث إنها ستساهم في‮ ‬رفع المستوى المعيشي‮ ‬وتحسن الخدمات الصحية للأفراد مما‮ ‬يعني‮ ‬زيادة في‮ ‬المواليد وارتفاع متوسط معدل الزيادة السكانية‮.‬ إن أبعاد المعضلة السكانية لا‮ ‬ينحصر في‮ ‬زيادة الضغط على الموارد المتاحة بل‮ ‬يمتد إلى جميع المجالات الأخرى،‮ ‬فقد‮ ‬يؤدي‮ ‬ارتفاع معدل النمو السكاني‮ ‬إلى زيادة حجم المصروفات الحكومية ومن ثم إلى عجز دائم في‮ ‬الموازنة الحكومية‮. ‬ أما على المستوى الفردي‮ ‬فقد‮ ‬يؤدي‮ ‬انخفاض متوسط الدخل الفردي‮ ‬إلى زيادة معدلات الإعالة وما‮ ‬يترتب على ذلك من انخفاض معدلات الادخار التي‮ ‬تمثل المصدر الأساسي‮ ‬لمعدلات تراكم رأس المال‮. ‬ومع انخفاض معدلات تراكم رأس المال تنخفض معدلات الإنتاجية وتتردى معدلات النمو الاقتصادي،‮ ‬وتتسبب أيضاً‮ ‬في‮ ‬زيادة كبيرة في‮ ‬أعداد الباحثين عن فرص عمل بمعدلات تزيد بكثير عن إمكانية توفير فرص عمل جديدة وإلى ظهور البطالة والبطالة المقنعة بمعدلات عالية‮. ‬والمؤشرات السكانية تشير إلى مدى خطورة هذه المعضلة،‮ ‬فحسب مؤسسة سكان العالم الألمانية أن عدد سكان العالم سيصل إلى‮ ‬7‮ ‬مليار نسمة مطلع العام المقبل،‮ ‬ومن المتوقع أن‮ ‬يرتفع إلى‮ ‬3‭,‬9‮ ‬مليارات بحلول عام‮ ‬‭.‬2050‮ ‬ويولد في‮ ‬الثانية الواحدة‮ ‬6‭,‬2‮ ‬شخص من سكان الأرض في‮ ‬المتوسط‮. ‬كما أن الدول الأقل تقدماً‮ ‬والتي‮ ‬يزيد عددها على الخمسين دولة‮ ‬يتوقع أن تشهد نمواً‮ ‬سكانياً‮ ‬بمعدل ثلاثة أضعاف‮. ‬ ويعيش حوالي‮ ‬3‮ ‬مليارات نسمة بدخل‮ ‬يقل عن دولارين في‮ ‬اليوم،‮ ‬في‮ ‬حين‮ ‬يعاني‮ ‬من سوء التغذية أكثر من‮ ‬800‮ ‬مليون نسمة بينهم‮ ‬160‮ ‬مليون طفل،‮ ‬إضافة إلى كل ذلك هناك استغلال مسرف لثروات الأرض،‮ ‬إذ إن استغلال الثروات الطبيعية‮ ‬يصل إلى معدل‮ ‬20٪‮ ‬كل عام وهذا‮ ‬يتعدى قدرة الأرض على تجديد هذه الثروات‮.‬ وتشير التوقعات إلى أنه في‮ ‬حالة استمرار هذا المعدل فإن استهلاك سكان العالم خلال الـ‮ ‬50‮ ‬عاماً‮ ‬المقبلة سيتجاوز بكثير قدرة الأرض على تجديد مصادرها البيولوجية،‮ ‬ووفقاً‮ ‬لبيانات المؤسسة الألمانية تسجل أفريقيا أسرع معدلات نمو لعدد السكان،‮ ‬حيث تجاوز عدد سكان هذه القارة خلال العام الجاري‮ ‬حاجز المليار نسمة،‮ ‬وبذلك لم‮ ‬يعد في‮ ‬استطاعة معظم الدول الأفريقية تقديم الدعم الكافي‮ ‬لشعوبها،‮ ‬حيث‮ ‬يشكل النمو السريع في‮ ‬عدد السكان ضغطاً‮ ‬إضافياً‮ ‬على الموارد الطبيعية وأنظمة التعليم والصحة،‮ ‬كما‮ ‬يزيد من الفقر‮. ‬وفي‮ ‬دول مجلس التعاون التي‮ ‬تتمتع بموارد نفطية هائلة تبقى مشكلة ارتفاع معدل النمو السكاني‮ ‬من أهم المشاكل التي‮ ‬تواجه الخطط التنموية الاقتصادية،‮ ‬ويبلغ‮ ‬متوسط معدل الزيادة السكانية في‮ ‬هذه الدول حوالي‮ ‬3٪‮ ‬سنوياً‮ ‬وهذا المعدل هو الأعلى عالمياً‮. ‬ وتشير الإحصائيات إلى أنه من المتوقع أن‮ ‬يرتفع حجم السكان في‮ ‬دول الخليج من‮ ‬4‭,‬41‮ ‬مليون في‮ ‬2010‮ ‬إلى‮ ‬5‭,‬47‮ ‬مليون في‮ ‬2015‮ ‬ومن ثم إلى‮ ‬4‭,‬53‮ ‬مليون في‮ ‬‭.‬2020‮ ‬كما‮ ‬يلاحظ أن الزيادة في‮ ‬أعداد السكان تواكبت مع معدل نمو متواضع في‮ ‬الناتج المحلي،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬انعكس سلباً‮ ‬على معدلات نمو الدخل الحقيقي‮ ‬للفرد،‮ ‬وإذا ما استمرا هذا المعدل في‮ ‬الارتفاع فإنه من المتوقع أن‮ ‬ينعكس ذلك سلباً‮ ‬على بقية المؤشرات الاقتصادية وخاصة الميزانية الحكومية والمستوى المعيشي،‮ ‬والأهم من ذلك زيادة الضغط على استخدام الموارد النفطية مما قد‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى تقليص العمر الزمني‮ ‬لهذه الموارد‮.‬

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*