تأثير معدل نمو السكان على التنمية الاقتصادية

د .  صلاح الدين حامد
صحيفة الصباح العراقية

يختلف معدل النمو السكاني بين الدول، اذ يكون في بعض الدول مرتفعاً وفي اخرى ثابتا ونادرا ما تجد بلداً يتناقص عدد سكانه. وعموما فأن معدل نمو السكان في العالم في تزايد ما ادى الى الارتفاع المستمر في عدد سكان الكرة الارضية.
ويحسب معدل نمو السكان بالزيادة الصافية في سنة معينة والناتجة من احتساب عدد الولادات مطروحا منه عدد الوفيات في تلك السنة.
وقد يزداد عدد السكان في بلد ما بسبب الهجرة اليه من المناطق والبلدان الاخرى واكتسابهم جنسية البلد المهاجر اليه وتتركز هذه الحالة في البلدان المتقدمة.
تتركز زيادة السكان في البلدان النامية خصوصا التي ترتفع فيها معدلات نمو السكان وبمستويات قد تفوق معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي, ما يولد ضغطا على موارد البلد الاقتصادية والمالية وبالتالي لايمكنه تلبية متطلبات هذه الزيادة في السكان من غذاء وتعليم ورعاية صحية وغيرها من الخدمات الضرورية,وبخلاف ذلك نجد الدول المتقدمة وخصوصا الاوروبية تمتاز بثبات عدد سكانها وبالتالي فأن معدل نمو سكانها يكاد يقترب من الصفر, وتجدر الاشارة الى ان اليابان قد بدأ عدد سكانها بالتناقص.
وسنحاول أن نوضح التأثيرات الايجابية والسلبية لزيادة معدل نمو السكان على التنمية الاقتصادية.
ان العناصر الايجابية تكمن في توفير العنصر البشري لعملية التنمية الاقتصادية لانها تتكون من جانبين المادي والبشري, وتوسيع السوق المحلية من خلال زيادة الطلب على السلع والخدمات بسبب زيادة عدد السكان ما يدعو الى زيادة الانتاج, وتوفير الايدي العاملة نظرا لكون العمل عنصراً اساسياً من عناصر الانتاج, وقد تكون زيادة عدد السكان مهمة في توفير القوة البشرية للدفاع عن الوطن وحمايته.
وبالرغم من ذلك يمكن ان تصبح هذه العوامل الايجابية غير ذات اهمية في العديد من البلدان النامية بعد ان اصبح عدد سكانها اكبر من مواردها الاقتصادية وبالتالي اضحى عبئا على اقتصادها. ومن ناحية اخرى فأن الموارد البشرية بحاجة الى تأهيل حتى تصبح عناصر فاعلة في التنمية الاقتصادية, وبالنتيجة تحتاج الى موارد كبيرة لا تقوى هذه البلدان على توفيرها, يضاف الى ذلك التطور التكنولوجي الذي ساهم بشكل كبير في تقليل الحاجة الى القوة العاملة البشرية, اذ حلت المكائن والمعدات بشكل واسع في مجالات الحياة المختلفة ما قلص فرص العمل امام اليد العاملة.
ولمزيد من التوضيح نفترض ان البلد ينمو  سكانه بمعدل 3% سنويا وأن عدد سكانه 30 مليون نسمة في سنة معينة فأن الزيادة ستكون بحدود 900000 نسمة واذا تمكن البلد من توفير متطلبات هذه الزيادة واستمر نمو السكان بنفس المعدل فأن الزيادة في السنة اللاحقة ستكون927000 نسمة وبالتالي فان الفرق بين الزيادتين والبالغ 27000 نسمة يحتاج الى توفير المتطلبات اللازمة, ماذا يعني هذا بالنسبة للاقتصاد؟ وللاجابة على هذا التساؤل وفي ضوء توفير مستوى معين من الخدمات فأنه يعني:ـ
1-زيادة عدد المستشفيات والمراكز الصحية باستمرار وتوفير المستلزمات الطبية اللازمة والادوية.
2-زيادة عدد المدارس لاستقبال الاعداد المتزايدة من السكان وتوفير مستلزمات التعليم بمراحله المختلفة من مدرسين ومعلمين وابنية مدرسية وتجهيزات المدارس والكتب والقرطاسية.
3-توسيع البنية التحتية من الطرق والجسور وزيادة وسائط النقل المختلفة للمساعدة في تنقل الزيادة في عدد السكان.
4-زيادة الانتاج الزراعي لتوفير الغذاء الكافي باستمرار، أو زيادة الاستيرادات من المواد الغذائية التي لا تنتج محليا.
5-زيادة في الخدمات الاخرى لمواجهة الطلب المتزايد من قبل الاعداد الجديدة من السكان مثل المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي والاتصالات الهاتفية والكهرباء.
وهنا تعتمد قدرة البلد على زيادة الاستثمار في هذه المجالات لتوفيرها على موارده المالية, فاذا كانت هناك موارد مالية كافية يمكن ان تساهم في توفير هذه المتطلبات مع امكانية تطويرها ومواكبة التقدم الحاصل في تقديم هذه الخدمات .
ونعتقد ان قلة من الدول النامية يمكنها ذلك,أما اذا كانت الموارد المالية بمستوى يمكنه من الاستمرارفي توفير الخدمات للاعداد المتزايدة من السكان, الا انه لا يمكنها من تطوير ها الى مستويات متقدمة لان ذلك قد يكون خارج قدرتها
في حين نجد ان اغلب الدول النامية لا يمكنها توفير الموارد المالية الكافية وبالتالي يتدهور مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين مع مرور الوقت حتى تصبح غير قادرة على توفير التعليم الكافي والرعاية الصحية والخدمات الاخرى مما ينعكس سلبا على مستوى التنمية البشرية.
وهنا يكون السؤال عن علاقة ذلك بعدل نمو الناتج المحلي الاجمالي.. نجيب بأن معدل النمو الاقتصادي يساوي معدل نمو الناتج المحلي ناقصا معدل نمو السكان، وعليه اذا اراد البلد الذي لديه معدل نمو سكاني 3% سنويا ان ينمو ويتطور لابد ان يحقق معدلات نمو  تفوق معدل نمو السكان, وهذا امر ليس سهل التحقق.
ربما يساعدنا هذا التحليل في فهم الفرق في مستوى الخدمات المقدمة ونوعيتها في الدول المتقدمة والنامية المقدمة للمواطنين في كل منهما, اذ ان الخدمات تتطور نوعيا في الدول المتقدمة بسبب ثبات عدد سكانها وبالتالي فهي ليست بحاجة الى بناء المزيد من المدارس والمستشفيات والطرق والجسور وغيرها عما موجود لديها وانما فقط لتحديثها وتطويرها ما ينعكس ايجابيا على رفاهية مواطنيها, وعلى العكس فأن الدول النامية بحاجة الى المزيد من بناء المدارس والمستشفيات والطرق ومحطات الماء والكهرباء وغيرها لمواجهة الموجات المتزايدة من السكان لاضافتها لما موجود لديها ومع ضعف القدرة على ذلك فأنه ينعكس سلبا على رفاهية مواطنيها , وهذا يعني ان الخدمات تتطور عموديا في الدول المتقدمة في حين تتطور افقيا في الدول النامية ان تحقق ذلك اصلا.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*