التعداد العام للسكان ..في الزمن الصعب جداً!

د. أمين ساعاتي
الاقتصادية 21\3\2010

يعد التعداد العام للسكان الذي بدأت الحكومة تعد له العدة في هذه الأيام .. هو البوابة التي تدخل الحكومة من خلالها إلى غرفة تشريح المجتمع لوضع الخطط اللازمة لحل مشاكل المجتمع، ودون الدخول من بوابة التعداد فإن مشكلات المجتمع السعودي لن تجد حلاً، بمعنى أن التعداد العام للسكان هو مفتاح تصميم الخطط المستدامة في أي مجتمع من المجتمعات، ونذكر جميعاً أننا أجرينا إحصاء للسكان في عام 1974 ولم تكن المملكة تزخر بهذا الكم الهائل من الطوفان البشرى القادم من كل أنحاء شبه القارة الهندية والفلبين وإندونيسيا ومن اليمن الشقيق ومختلف الدول العربية الشقيقة، وكان إجمالي عدد السكان يبلغ في ذلك التاريخ 7.009.466 نسمة منهم 6.218.361 نسمة سعوديين، وكان عدد العمالة الوافدة ومعظمهم من الأشقاء في اليمن ومصر يصل إلى 791.105 نسمة، بمعنى أن غير السعوديين أقل من مليون واحد.
وهكذا كانت الاحتياجات التي يتطلبها المجتمع بحجم هذا العدد القليل من السعوديين وبحجم هذا العدد القليل من غير السعوديين.
وحينما عادت الجهات المختصة وأجرت في عام 1992 (بعد 18 عاما) التعداد العام للسكان للمرة الثانية، أظهر التعداد أن إجمالي عدد السكان قفز إلى أكثر من الضعف وبلغ 16.948.388 نسمة، وكان السعوديون 12.310.053 نسمة، وعدد الأجانب 4.638.335 نسمة، وعند ذاك التاريخ بدأ الطوفان البشري من الخارج يغزو المجتمع السعودي ويبتلع مزايا تنفيذ مشاريع وبرامج التنمية ويدخلنا في أتون قصور شامل في الخدمات، ومع قصور الخدمات جاء الطوفان البشري الأجنبي بثقافات مختلفة اختلطت مع ثقافات المجتمع السعودي المحافظ.
أمّا التعداد الثالث للسكان فقد أجريناه في عام 2004 (بعد 12 عاما)، وبلغ إجمالي عدد السكان 22.678.262 نسمة منهم 16.527.340 نسمة سعوديون و6.150.922 نسمة من غير السعوديين.
ورغم أن الملايين الستة من الأجانب تشكل تحدياً صارخاً لمجتمع محافظ، إلاّ أن هؤلاء الملايين الستة يخفون خلفهم ستة ملايين آخرين من المخالفين لنظام الإقامة تمكنوا من التسلل إلى أمهات المدن وأنشأوا فيها محميات عشوائية يتحصنون فيها ويغيرون على كل من تسول له نفسه أن يقتحم أكواخهم وعششهم.
ومع أن الاعتمادات المالية لبرامج التنمية قد تضاعفت إلاّ أن الكتل البشرية الزاخرة المتسللة عبر حدود المملكة أربكت برامج التنمية وأبرزت قصوراً ملحوظاً في الكميات المتاحة من المياه والكهرباء والسكن والمستشفيات والمدارس.
والغريب العجيب أن معدلات الزيادة في عدد السعوديين رافقتها زيادة مضاعفة لعدد الأجانب القادمين للعمل في المملكة، أي أن الزيادة في معدلات السكان من السعوديين لم تحد من الزيادة في الطلب على القوى العاملة من الأجانب، وإذا كان هذا مقبولاً مع بداية عصر التنمية، فقد حان الوقت لأن نشهد تطورات موضوعية في العلاقة بين زيادة معدلات السكان مع زيادة عدد الوافدين، بمعنى أننا نتطلع إلى أن تؤدي الزيادة في معدلات السعوديين إلى انخفاض الطلب على العمالة الأجنبية من الخارج، ولهذا كنت ومازلت مؤيداً ومشجعاً على زيادة معدلات عدد السكان، وطبعاً الدعوة إلى زيادة عدد السكان تخالف تماماً الآراء المطروحة بقوة، والتي تطالب بإنقاص معدلات الزيادة في عدد السكان التي يقال إنها باتت ترعب المهتمين برفع مستوى معيشة الإنسان السعودي.
وللأسف كلما تكالبت مشكلات شح المياه وانقطاع الكهرباء وأطلت أزمة السكن وضاقت الجامعات والمدارس بأبنائها وبناتها وتعرقلت مشاريع الصرف الصحي وزادت شرائح الباطلين عن العمل من الشباب والشابات، أقول كلما تكالبت هذه المشاكل وضغطت على المجتمع السعودي، فإن الكثير من الحكوميين التنفيذيين يحملونها على الزيادة في معدلات السكان، ولا يحملونها البتة على الفساد الإداري ولا على الزيادة في معدلات التأشيرات التي تصدرها مؤسسات الاستقدام!
وشخصياً أرى أن هذا القصور في الخدمات وهذه المشكلات التي يعانيها المجتمع السعودي هي نتيجة وليست سـبباً للزيادة في عدد السكان، لأن المشكلات التي نعانيها إنما هي إفراز طبيعي للنقص في عدد السكان، وبالذات هي إفراز طبيعي لنقص المهارات ونقص الكفاءات، وبالتالي انخفاض الإنتاجية.
والمعروف بداءة أن ثروات الأمم إما ثروات طبيعية وإما ثروات بشرية. وإذا كان الله – سبحانه وتعالى – قد حبانا بثروة طبيعية وهي النفط، التي وضعتنا جنبا إلى جنب مع أغنى دول العالم، ولكن هذا المستوى من الغنى أوضح أن عدد السكان منخفض بالنسبة للثروة والمساحة الجغرافية. إننا إذا سـألنا عن المبررات التي تطالب بحرص شديد على ضرورة خفض معدلات الزيادة في السكان .. نجد أنها مبررات يمكن أن تكون نافعة إذا كانت الأرض تضيق بأهلها، وأما إذا كنا بقعاً بشرية متناثرة هنا وهناك وكانت الكوادر عاجزة عن زيادة معدلات الناتج القومي، فليس أمامنا إلاَ زيادة عدد السكان والعناية بالتدريب والتعليم والارتفاع بالقدرات والخبرات حتى نستطيع زيادة المعروض من العبقريات السعودية في سوق العمل السعودي.
إن القول إن الزيادة في عدد السكان تضغط على الموارد وتؤثر سلباً في مستوى الخدمات التي تقدمها الحكومة إلى المجتمع، إنما يأتي هذا في ظل نظرية توماس مالتوس التي تقول ـ في المطلق ـ إن الزيادة في عدد السكان تضغط على الموارد وتلحق أضراراً بالغة بمعدلات التنمية، بل تقول إن الزيادة في عدد السكان عامل من عوامل زيادة معدلات الفقر، ولكن في مواجهة هذه النظرية أثبت العلماء أن نظرية مالتوس لم تعد نظرية صحيحة، حيث إن انتشار التكنولوجيا وزيادة المهارات أديا وستؤديان بالضرورة إلى زيادة معدلات التنمية وانخفاض معدلات الفقر، والأدلة كثيرة وماثلة، فالزيادة في عدد السكان في كوريا الجنوبية وفي سنغافورة وفي اليابان وفي تركيا والبرازيل حتى في الصين والهند لم تكن معيقة للتنمية، بل إن زيادة الانتشار التكنولوجي أدى في الصين والهند أخيرا إلى زيادة ملحوظة في التنمية وفي الثراء.
وفي ضوء ذلك نستطيع القول إن الآثار الديموغرافية تمثل حلقة رئيسة في كثير من تحليلات الاقتصاد الكلى التي تهدف إلى تخفيض الفقر وتحقيق مزيد من النمو، بمعنى أن وجود نسبة مرتفعة من الأفراد في سن العمل يعنى أن هناك عدداً أكبر من العمال لكل معال، أو بمعنى آخر أن التغير الديموغرافي على هيكل أعمار السكان يغير نسبة العاملين إلى المعالين، وسيترتب على ذلك زيادة في الإنتاج بالنسبة للاستهلاك، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.
إن ما يجب أن نقوم به هو أن نبني سياسات سكانية تقوم على زيادة معدلات السكان بنسبة تتناسب مع معدلات الناتج الوطني لنحدث التوازن بين الزيادة السنوية في معدلات السكان مع الزيادة السنوية في الناتج المحلي الإجمالي، حيث إذا وصلت الزيادة في معدلات السكان إلى حد الإضرار بالاقتصاد، فإن تعديل السياسات السكانية شيء مطلوب، ونحن قادرون على تعديلها وإنقاص معدلاتها بالقدر الذي يحقق التساوي مع الناتج الوطني الإجمالي، ولكن لن يكون الهروب إلى الخارج واستقدام قوافل بشرية بكفاءات عمالية متواضعة هو المخرج السليم للأزمة!
ولكن مع هذا فإن الزيادة في معدلات عدد السكان يجب ألا تكون في المطلق، وإنما يجب أن ترافقها منظومة كاملة لجودة نظم التدريب والتعليم وبناء مؤسسات التدريب والتعليم ومراكز الأبحاث القادرة على تخريج وتأهيل المزيد من المواهب والعبقريات التي تتمتع بالكثير من المهارات وتتمتع بكاريزما الابتكار وتتمتع بخصائص القيادات التنفيذية الماهرة المتطلعة إلى تطبيق منهج مالي وإداري يستطيع أن يبتكر ويرتفع بمعدلات الأداء والإنتاجية.
ولذلك نؤكد أن أهم المشكلات التي تعترض مســيرتنا التنموية تأتي بسبب النقص في عدد السكان وانخفاض المهارات عند المواطن السعودي وبالتالي انخفاض الإنتاجية، ولو كان لدى المواطن السعودي مهارات عالية لما وصلت إنتاجيته إلى الحدود الدنيا مقارنة بمستوى الإنتاجيات في العالم.
إذن، قصارى ما نرجوه من التعداد العام للسكان الذي تستعد له جهات التعداد في هذه الأيام أن يفيدنا في تقليص هذا البركان البشرى وإزالة كل السلبيات التي رافقت الاستقدام العشوائي الذي تحول إلى عمالة سائبة، وقصر الاستقدام على القوى العاملة المدربة التي تضيف لبنة في معمار التنمية المستدامة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*