الانفجار السكاني من أهم المعوقات للتنمية

بدءً، أود أن أهنئ الأستاذ سامي البحيري على مقالته القيمة (القنبلة السكانية هى أخطر أسلحة الدمار الشامل) المنشورة في إيلاف يوم 27/3/2004 وقد أجاد عندما وصف الانفجار السكاني في البلاد العربية بأنه الدمار الشامل بعينه. منذ مدة وأنا أنوي الكتابة في هذا الموضوع الخطير والذي يعتبر من أهم معوقات التنمية البشرية والاقتصادية ويلعب دوراً كبيراً في إنتاج الإرهاب والكوارث في العالم العربي والعالم الثالث عموماً ولكن تزاحم المآسي العراقية أحالت دون ذلك.
والغريب في الأمر هو غياب عامل الانفجار السكاني، كسبب معوق للتنمية، في تقرير الأمم المتحدة عن التنمية في البلاد العربية لعام 2002 والذي ركز فقط على ثلاثة عوامل كسبب لتخلف العرب وهي: غياب الحريات ونقص المعلومات واضطهاد المرأة. وأضاف الأستاذ خالد القشطيني في عموده اليومي في الشرق الأوسط، عبر ثلاث مقالات له عن التقرير، ثلاثة عوامل أخرى وهي: التراث (التعلق بالماضي إلى حد الهوس ورفض الحداثة)، الشمولية (الإمعان في المركزية والآيديولوجية الشمولية) و القضية الفلسطينية. وكل هذه العوامل صحيحة بطبيعة الحال لعبت دوراً كبيراً في تخلف العرب. ولكن المشكلة أنه لا تقرير الأمم المتحدة ولا التعليقات الكثيرة عليه أشارت إلى عامل الانفجار السكاني كمعوق مهم للتنمية في البلاد العربية. لذلك أود أن أدلي بدلوي بهذه المسألة الخطيرة لدق ناقوس الكارثة المنتظرة أو الدمار الشامل على حد تعبير سامي البحيري.
من الجدير بالذكر، إن أول من حذر البشرية من خطر تكاثر السكان في العالم هو الاقتصادي البريطاني المعروف، توماس مالتوس (1766-1834) عندما نشر نظريته عن تكاثر السكان عام 1798 والتي تفيد أن (سرعة الزيادة في السكان تفوق سرعة الزيادة في إنتاج الغذاء. والزيادة النسبية في إنتاج الغذاء تحفز على زيادة السكان، وإذا فاقت زيادة السكان إنتاج الغذاء، فهذه الزيادة ستتوقف بسبب المجاعة والأمراض والحروب). لقد لاقت هذه النظرية معارضة شديدة في البداية، ولكنها في نفس الوقت حفزت الخبراء ولأول مرة على إجراء دراسات ديموغرافية منتظمة.
وفي القرن العشرين كانت الأحزاب الشيوعية من أشد المعارضين لنظرية مالتوس فكانوا يروجون ضدها ويصفونها بأنها فرية إستعمارية إمبريالية تبريرية وإن سبب المجاعات ليست الزيادة في السكان وإنما النهب الذي تتعرض له شعوب العالم الثالث من قبل الدول الإمبريالية وعدم توزيع الثروة بصورة عادلة على سكان المعمورة وإن التقدم العلمي والتكنولوجي كفيل بتوفير الغذاء للجميع ولا داعي لتحديد السكان. قد تكون هذه التبريرات صحيحة في ظروف معينة ولكن هل صحيح ترك السماح للنمو السكاني إلى ما لا نهاية ودون قيد وضوابط؟
ويا للمفارقة، كانت أولى دولة اضطرت لتبني تحديد النسل بصرامة هي الصين الشعبية والتي هي دولة شيوعية. وبتبنيها برنامج تحديد النسل فقد قدمت الحكومة الصينية أعظم خدمة جليلة ليس لشعبها فحسب، بل وللبشرية جمعاء. ورغم أن هذا الإجراء رافقته حملات إعلامية ظالمة ومضللة في الغرب من قبل الإعلام الغربي ومنظمات حقوق الإنسان من باب النفاق والانتهازية لأغراض سياسية بحتة، إلا إن المحصلة النهائية كانت في صالح البشرية. فلولا هذه السياسة الصارمة لبلغت نفوس الصين الآن أكثر من مليارين وهذه تشكل كارثة بيئية رهيبة، بينما نفوس الصين الآن حوالي مليار ومائتي مليون نسمة فقط!!! ولذلك فقد حققت الصين أعلا نسبة في الناتج القومي الإجمالي التي هي في حدود 15 بالمائة سنوياً حيث أغرقت البضائع الصينية أسواق العالم. فأين منها الشعوب العربية رغم ثرواتها النفطية؟
ونظراً للتقدم المذهل في العلوم الطبية والتحسن الكبير في الخدمات الصحية واكتشاف اللقاحات ضد الأوبئة التي كانت تفتك بالبشر في الماضي مثل الحصبى والجدري والكوليرا والتدرن وغيره من الأمراض، حصلت زيادة مطردة في السكان في القرن العشرين بشكل غير مسبوق. ومن جانب آخر، فمع التقدم الحضاري ونشر الثقافة وتحسن المستوى الاقتصادي وتعقيدات الحياة في العالم الغربي المتقدم، توقف النمو السكاني عند مستوى ثابت في البلدان الغربية المتطورة منذ عشرات السنين ومعها التقدم الاقتصادي والاجتماعي. والثبات في السكان، إضافة إلى السلام والاستقرار السياسي والسياسة الاقتصادية المبنية على روح المنافسة، ساعد كثيراً في تحقيق التنمية الاقتصادية وتحسن المستوى المعيشي للفرد على شكل قفزات نوعية في العالم الغربي المتقدم بعد الحرب العالمية الثانية.
بينما كانت الصورة معكوسة في بلدان العالم الثالث المتخلف وخاصة في البلاد العربية. فرغم تحقيق الاستقلال السياسي وتكوين الدول الوطنية ذات السيادة الكاملة إلا إن ذلك قد رافقه تفشي الفساد الإداري وحصول انفجار خطير في السكان مرتبطاً بتراجع رهيب في التنمية البشرية والاقتصادية وتردي المستوى المعيشي وانتشار الفقر. فهناك حلقة مفرغة، الفقر يؤدي إلى زيادة النسل وزيادة النسل تؤدي إلى المزيد من الفقر ومعه الكوارث. فقد لوحظ أن تعداد السكان في البلاد العربية أخذ يتضاعف كل 20-25 عاماً تقريباً، أي الزيادة بشكل متوالية هندسية (2، 4، 8، 16 .. وهكذا). فمثلاً كان سكان العراق عام 1920 حوالي مليون ونصف المليون، بينما بلغ حسب إحصاء عام 1997 حوالي 24 مليوناً وقد يصل إلى أكثر من أربعين مليوناً عام 2017. وكانت نفوس المغرب عام 1971 حوالي 15 مليون نسمة والآن حوالي ثلاثين مليوناًً وربما سيقفز هذا الرقم إلى 60 مليوناً بعد ثلاثين عاماً. ورافق هذه الزيادة المذهلة في السكان تردي فضيع في المستوى المعيشي للفرد. لذا فأمنية نسبة كبيرة من الشباب المغربي هي الهجرة إلى الغرب. كذلك كان تعداد سكان مصر حوالي 38 مليوناً عام 1976 ليقفز إلى 70 مليوناً الآن وإذا ما استمرت الزيادة على هذا المعدل، فهذا يعني أن تعداد سكان مصر سيبلغ 140 مليوناً بعد 20 -30 عاماً وربما 240 مليوناً بعد 50 عاماً، علماً بأن 96 بالمائة من مساحة مصر صحراء قاحلة. وهذه الأرقام المرعبة تنطبق على بقية الدول العربية التي كانت نفوسها حوالي 28 مليوناً في بداية القرن العشرين والآن حوالي 290 مليوناُ بزيادة عشرة أضعاف خلال قرن واحد. وإذا استمرت الزيادة بنفس المعدل فستبلغ نفوس البلاد العربية حوالي نصف مليار بعد 30 عاماً ومليار بعد 50-60 عاماً دون أن يرافق هذه الزيادة أي نمو في الثروة القومية بنفس المعدل. وليست هناك أية علامة تشير إلى اهتمام الحكومات العربية بأخذ أي إجراء لتحديد النسل مثل نشر ثقافة تنظيم العائلة وتكوين عيادات طبية لها. وعليه فإن الشعوب العربية تحث الخطى نحو الدمار الشامل.
وحتى لو عملت الحكومات العربية على فتح مشاريع اقتصادية لحل مشكلة البطالة في بلدانها لمعالجة البطالة، فلا يمكن أن تستجيب لتغطية الحاجة، لأن معدل بناء المشاريع أقل من معدل نمو السكان. فجيش البطالة في نمو أسرع من نمو المشاريع الاقتصادية. وقد شبه رئيس وزراء الهند الأسبق الراحل جواهر لال نهرو العملية بشخص يحاول الصعود على السلم ولكن في نفس الوقت يهبط به السلم بوتيرة أسرع. وهكذا نرى في الوقت الذي يتضاعف فيه دخل الفرد في الدول المتقدمة ذات تعداد سكاني ثابت، نراه يتردى في البلاد العربية. وعلى سبيل المثال لا الحصر (…. فقد كان نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي في مصر عام 1962 نحو 2500 دولار أي خمسة أضعاف مثيله في كوريا الجنوبية الذي بلغ نحو 480 دولار في العام نفسه. وبعد أربعة عقود انقلب الحال ليصبح نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي في كوريا الجنوبية 8910 دولار ومصر 1490 دولار في عام 2000 – راجع الدكتور علاء التميمي، التنمية البشرية في الوطن العربي- موقع صوت العراق 23/3/2004). أعتقد أن الانفجار السكاني له دور كبير في ذلك.
وما لم تعمل الحكومات العربية على أخذ إجراءات صارمة وناجعة للحد من الانفجار السكاني، فستبقى الأزمات الاقتصادية الحادة في هذه البلدان ومعها ستبقى المنطقة أرضاً خصبة للأصولية الإسلامية المتطرفة لخلق المشاكل وبؤرة للتوترات السياسية ومصدراً لتفريخ الإرهاب الذي يهدد الأمن والسلام العالمي.
عبدالخالق حسين
الحوار المتمدن 2004 / 4 / 3

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*