الطاقة والنمو السكاني

(لن يتأخر يوم القيامة المحتوم) ويا حاجوج ويا ماجوج ألطفوا بنا
لم يأتي الجنون الأمريكي من أجل الديموقراطية, ولا من أجل العدل والمساواة, ولم يأتي أيضا من أجل الاستغلال بهدف الربح والحصول على آلاف المليارات من الدولارات فقط, ولا من أجل السيطرة العالمية الحرة وبناء الإمبراطورية المشابهة للإمبراطوريات السابقة, بل انه آت من واقع أن تكون أو لا تكون. فالمخزون العالمي المؤكد يعادل ألف ومائتي مليار برميل من النفط فقط. ولو لاحظنا بأن العالم يستهلك ما يعادل 27 مليار برميل سنويا, وأن المكتشفات العالمية السنوية لا تتعدى 6 مليارات من البراميل النفطية, فان هذا يعني بأن العالم يستنزف ما يعادل 21 مليار برميل من النفط سنويا من المخزون العالمي المتراكم. ويعني هذا أيضا بأن المخزون العالمي المكون من الألف ومائتي مليار برميل يتناقص وبشكل واضح بمعدل أكثر من عشرين مليار برميل سنويا. ولو قسمنا الألف ومائتي مليار برميل من المخزون المذكور على العشرين مليار برميل المستنزف سنويا من هذا المخزون لأصبح واضحا لنا بأن الزمن قد اقترب فعلا ولن يتجاوز الستين من الأعوام القادمة. هذا في حال لو استمرت العلاقات التناسبية القائمة حاليا مابين مختلف دول العالم في الأطر الحياتية واستغلال النفط من أجل البقاء. بالإضافة إلى ذلك فانه من المتوقع أن يتزايد العدد السكاني ليصبح في عام 2012القريب جدا بحدود 12 مليار نسمة أي ضعف عدد السكان الحالي في هذه المعمورة. ويعني هذا بأننا سوف نحتاج إلى ضعف الكمية المستهلكة من النفط لنستمر في الحياة, أي 54 مليار برميل سنويا, فتصبح الأعوام الستين المقدرة أقل من ثلاثين. وماذا سيحل بنا إذا ما وصلنا إلى عام 2025 الذي يفترض أن يتضاعف فيه العدد السكاني من جديد؟ ولو أننا اعتبرنا أن هذا ضرب من التشاؤم وتفاءلنا كثيرا فإننا لن نستطيع إطالة هذا الزمن أكثر من بضع سنوات حتى ولا عشرات, فالنهاية قادمة لا ريب فيها مهما تضاربت التوقعات أو التقديرات زيادة أو نقصانا.
والأمريكيون لا يريدون هذه النتيجة ويطمحون للبقاء لزمن أطول مما يستطيعه الآخرون. وبما أنه لا توجد هناك وسيلة أخرى لذلك, فقد انقضوا على الدول النفطية باسم الديموقراطية ومحاربة الإرهاب ليستنزفوا نفوطها وهو الهدف الرئيس ويخزنوه في بلادهم في الخزانات الجوفية ليتمكنوا من الاستمرار في البقاء أطول مدة زمنية ممكنة. فالنفط الخليجي وكذلك بحر قزوين وما حوله أصبح هدفا أمريكيا وهو من أهم مهامهم. لاحظوا الاضطراب والجنون الأمريكي عندما تضرب خطوط نقل النفط العراقي, الذي يجب أن يكون الهدف الرئيسي للمقاومة البطلة في العراق! إنهم يضخونه تحت النار, وليس هناك زمن للانتظار, فاليوم قبل غد. ونتيجة لذلك فان زمن البقاء الحقيقي لشعوب كثيرة على وجه هذه الكرة الأرضية سيكون أقصر بكثير من الفترة التي نتحدث عنها, أي الثلاثين أو الستين عاما. فهل لنا أن نعتبر؟ البلاد التي بدأت الحياة فيها أولا والتي تحتضن أعظم كمية من الطاقة اللازمة للبقاء في العالم تنتهي الحياة فيها أولا. فهل في هذا شيء من العدالة.
لقد بدأ الحديث الجاد عن إمكانية انقراض الحياة الإنسانية من على الكرة الأرضية منذ ما يقرب من قرنين سابقين من قبل العلماء في مختلف بقاع الأرض المتحضرة, وان هناك مئات الآلاف من الأبحاث العلمية في هذا الخصوص (أمامي الآن ومن موقع واحد فقط على شبكة الانترنيت أكثر من 67 ألف دراسة علمية بداية من عام 1820 وحتى الآن, تحلل إمكانية الاستمرار في الحصول على الطاقة اللازمة للحياة البشرية ومحدوديتها). إلا أننا كمجرد كائنات حية في العالم الثالث (والأفضل أن نكون الثالث والستون أو الثمانون) لم نستطع إدراك أو حتى التفكير في ذلك على الإطلاق. ويشيع في عالمنا الثالث هذا بأن يوم القيامة سوف يأتي مع مجيء حاجوج وماجوج. ونسبح في ظلام الجهل الذي كلف أجدادنا من أجل تحريرنا من نفس الطغمة ويكلفنا وسوف يكلف أحفادنا الكثير الكثير من الألم.
تجري الحياة على سطح الكرة الأرضية بواسطة الطاقة. تأخذ الكائنات ذاتية التغذية هذه الطاقة من الإشعاعات الشمسية وتعطيها للكائنات الحية التي تتغذى بالمواد العضوية. تخزن هذه الطاقة الملتقطة من التراكيب الضوئية ببطء شديد, وكلما أصبح المخزون من هذه الطاقة أعظم وأكثف خلال تاريخ الكرة الأرضية كلما أصبحت الظروف الموضوعية مواتية لنشوء الأحياء التي تحتاج إلى استخدام هذه الطاقة. والوجود الإنساني هو أحد هذه الكائنات الحية. إلا أن استطاعة الإنسان في استخدام الطاقة خارج جسده مكنت الوجود البشري من استخدام كميات ضخمة منها أكثر بكثير من أية مخلوقات أخرى نشأت على الإطلاق. وأعطت إمكانية السيطرة على النار وكذلك استثمار المحروقات الطبيعية, الإنسان فرصة لاستهلاك كميات ضخمة من الطاقة خلال زمن قصير جدا, تلك الطاقة التي تراكمت خلال زمن طويل جدا قبل ظهور الحياة على الكرة الأرضية.
وباستخدام الطاقة خارج الجسد لخلق الظروف الأكثر ملائمة لحاجة الإنسان, وسع الإنسان قاعدته المادية بشكل فعال أكثر بكثير من الحاجة الفعلية للبقاء ولزمن طويل. ومكن هذا من تزايد عدد السكان في الكرة الأرضية, وان هذا مماثل لوضع أية مخلوقات في ظروف حياتية ملائمة جدا. فعدد السكان في العالم الآن يزيد عن 6 مليار نسمة, يحافظون على بقائهم ويستمر عددهم في التزايد باستخدام الطاقة خارج الجسد.
إلا أن استنزاف المحروقات التي تمدنا بثلاثة أرباع هذه الطاقة أصبح غير بعيدا, ولا توجد هناك طاقة أخرى متوفرة بشكل واف ورخيص لاستبدالها. وانه لم يتبقى للانهيار السكاني في العالم إلا سنوات قليلة. وانه لن يكون بإمكان الناجين منهم المحافظة على التقاليد الحياتية الحضارية التي تحتاج إلى طاقة وافرة ورخيصة. وانه من غير المحتمل أن يستطيع الجنس البشري الاستمرار في الحياة لفترة طويلة بدون الطاقة التي تشكل جزء هاما من صيغ حياته المشرقة.
ويبدو للمجتمع البشري وكأنه أنشأ طاقة غير متناهية لخدمته, وأنه يعتقد أن من غير المتوقع انتهاء هذه الطاقة المتراكمة بكثافة والتي ساعدت الإنسانية على خلق الظروف الملائمة للحياة. وكأن المجتمع البشري يهوى الاعتقاد بأنه يسيطر على قدره بشكل جيد., إلا أن التاريخ الطويل لتطور الحياة على الكرة الأرضية يري بأن نشوء الحياة البشرية فيها ليس سوى حدث عرضي أتى ليعبر عن توازن الطاقة الكونية فقط.
ولا يوجد أحد في العالم يحب فكرة أن الجوع والكوارث والحروب هي قدر طبيعي للتعبير عن عدم التوازن (Malthus) … وقد اقترح مالثوز نفسه استخدام التدقيق الوقائي الذي يؤدي إلى خفض نسبة الولادة, حيث من الممكن أن يؤدي هذا إلى إطالة الفترة الزمنية بين النشوء والانقراض (1826 الجزء 1 الصفحة 7). فخلال ما يقرب من مائتي عام عندما جلس مالثوز ليدون مقالته لم تحدث هناك أشياء ضخمة لتغير العالم. إلا أنه خلال هاذين القرنين تزايد عدد سكان العالم بشكل أسي وأنه تم استنزاف الثروات غير القابلة للتعويض. ولذلك فان هناك شيء ما محتوما سيحدث من أجل التوازن والتعديل.
فاليوم إن هناك الكثير من الناس القلقون من تضخم العدد السكاني العالمي وكذلك على تأكل التربة وتلويث البيئة, يعتقدون بأن هناك إجراءات بشرية يمكنها أن تجنب الكارثة فيما لو اتخذت. والفكرة الغالبة هي أن عدد السكان المستقر الذي لا يرهق البيئة في تحملها يمكن من الاستمرار حتى اللانهاية, وأن هذه الحالة من الاستقرار يمكن الوصول إليها بتكامل تحديد النسل و صيانة الطبيعة (الأنهار والغابات وسواها) والاتكال على الثروات القابلة للتعويض. إلا أنه وللأسف فان تطبيق قانون صارم لتحديد النسل عبر العالم غير ممكنا سياسيا. وأن صيانة الطبيعة عديمة النفع في الوقت الذي يستمر فيه عدد السكان بالتزايد. بالإضافة إلى حقيقة أنه لا توجد هناك ثروة قابلة للتجديد بكل معنى الكلمة.
وعلاوة على ذلك, فان الطبيعة غير قادرة على تحمل عدد ثابت من أي صنف من أصناف المخلوقات لفترة زمنية غير محدودة. ولو كان كل شيء في الطبيعة بحالة توازنية ممتازة وان كل نوع من المخلوقات يحافظ على عدد محدد في وجوده, فقد يكون من الممكن البقاء لفترة زمنية أطول. إلا أنه يجري تنافس في الحياة على البقاء مابين المخلوقات, مع نشوء أنواع جديدة وموت أنواع قديمة. وفي هذا السياق فإنه من المتوقع تقلبا في عدد كل من أصناف المخلوقات, وقد أثبتت هذا الدراسات التي نفذت لبعض أصناف المخلوقات, والمراجع التالية (Ecology texts such as Odum, 1971 and Ricklefs, 1979) أعطت أمثله على ذلك.
فالنزعة إلى التوازن في الطبيعة تشكل جزء متكاملا من العلوم الكونية التقليدية في الدول الغربية. إلا أن العلوم قد أثبتت بأنه لا يوجد أي نوع من هذا التوازن. واعتمادا على القانون الثاني للترموديناميك فان تدفق الطاقة من منطقة كثيفة الطاقة إلى منطقة أقل منها كثافة يؤدي إلى هبوط في العمليات والتفاعلات المحلية (المواقع التي هبطت فيها الطاقة). ويمكن للكائنات الحية أن تراكم الطاقة بشكل مؤقت, إلا أنه وخلال مرور الزمن فان الانتروبي (Entropy) – النظام الديناميكي الحراري للطاقة غير المستفادة أو غير المستنفذة – سوف يسود. وفي حين أن النسيج الحياتي أصبح يغطي هذا الكوكب, فان الأرض بدأت تخزن الطاقة منذ أكثر من ثلاثة مليارات سنة سابقة, وهي في نفس الوقت غير قادرة على فعل الشيء نفسه حتى اللانهاية. والطاقة التي تكدست لابد أن تتحرر عاجلا أو أجلا. ويعتبر هذا بيئة طبيعية للطاقة البيولوجية التي نشأ فيها الإنسان. وان هذه البيئة هي المسؤولية عن النمو الهائج لعدد السكان وكذلك عن انقراض البشرية القريب.
الدكتور المهندس يوسف الإبراهيم
موقع الركن الأخضر (2006)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*