ثروة الأجيال.. في تقرير وكالة الطاقة الدولية!

د. أمين ساعاتي

في الشهر الماضي أصدرت وكالة الطاقة الدولية تقريرا يحذر السعودية من مغبة الاستهلاك المحلي الجائر للطاقة النفطية، وأشار التقرير إلى أن استمرار الاستهلاك المحلى القياسي سيحد من قدرة المملكة على تلبية الزيادة المحتملة في الطلب على النفط في السوق العالمية. وقالت الوكالة إن الطلب على النفط في السوق العالمية سيرتفع إلى 91 مليون برميل يوميا متجاوزا توقعات أوبك التي جاءت أكثر تحفظا.
وما نود أن نضيفه هو أن المملكة هي أكبر مستهلك للنفط في الشرق الأوسط حيث تستهلك حاليا ما يقرب من 2.5 مليون برميل يوميا؛ أي ربع الإنتاج الحالي؛ وهي مرشحة لاستهلاك عشرة ملايين برميل يوميا في عام 2030!!
من ناحيتها رفعت وزارة البترول والثروة المعدنية إلى المقام السامي دراسة مهمة جدا جاء فيها أن المملكة تشهد نمواً بمعدلات عالية للطلب على الكهرباء والمياه؛ وبالتالي زيادة ملحوظة في الطلب على الموارد الهيدروكربونية الناضبة (النفط) التي تستخدم جزءاً كبيراً منها في توليد الكهرباء والمياه، ولذلك فإنه من الضروري توفير الموارد الهيدروكربونية واستخدام مصادر بديلة رخيصة الثمن ولا تلحق أضراراً بالبيئة، ونقصد هنا التوسع في استخدام الطاقة الشمسية والطاقة الذرية في إنتاج الكهرباء والمياه، وبذلك تتحقق الميزتان؛ الأولى ضمان توفير المياه والكهرباء بصورة دائمة، وتوفير جزء كبير من الموارد الهيدروكربونية الموسومة بالنضوب.
وفي ضوء هذه الدراسات فقد توافر للمقام السامي الأرضية المناسبة لتأسيس مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة التي تم تكليفها بمسؤولية البحث عن مصادر جديدة للطاقة تغنينا عن استخدام النفط بكميات تهدد هذه الثروة الناضبة، ولا شك أن اختيار الدكتور هاشم بن عبد الله يماني لمنصب رئيس المدينة هو اختيار موفق إلى حد بعيد، حيث إن الدكتور يماني له باع طويل في مجال الطاقة النووية والذرية، وبالمثل فإن اختيار نائبيه الدكتور وليد بن حسين أبو الفرج والدكتور خالد بن محمد السليمان موفقاً إلى حد بعيد.
لقد نص نظام المدينة الذي صدر مع القرار الملكي على أن يكون لمدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة الشخصية الاعتبارية المستقلة وتتصل مباشرة برئيس مجلس الوزراء، كما نص النظام على أن المدينة تهدف إلى المساهمة في التنمية السعودية المستدامة معتمدة في ذلك على العلوم والبحوث والصناعات ذات الصلة بالطاقة الذرية والمتجددة في الأغراض السلمية بما يؤدى إلى رفع مستوى المعيشة وتحسين نوعية الحياة في المملكة، كما أن من مسؤوليات المدينة أن تقوم بدعم ورعاية نشاطات البحث والتطوير العلمي وتوطين التقنية في مجالات اختصاصاتها وتحديد وتنسيق نشاطات مؤسسات ومراكز البحوث العلمية وتحديد الأولويات والسياسات الوطنية في مجال الطاقة الذرية والمتجددة من أجل بناء تقنية واسعة في مجال توليد الطاقة والمياه المحلاة وفي المجالات الطبية والصناعية والزراعية والتعدينية.
قبل أن نناقش هذه المسؤوليات المهمة يجدر بنا أن نميز بين الطاقة في المطلق، وبين الطاقة البترولية، بمعنى إن الطاقة بمفهومها العام هي الهدف الذي لا نسعى إلى خفضه، بل بالعكس نحن نريد أن نزيد من استهلاك الطاقة من خلال تنفيذ مزيد من برامج التنمية المستدامة، ولكن ما نريده هو تخفيض استهلاك الطاقة البترولية وليس الطاقة الشمسية أو الطاقة النووية التي نرجو أن ننجح في القريب العاجل في بناء قواعدها العملاقة.
ويجب ألا يغرب عن البال أن زيادة الطلب على الطاقة النفطية بهذه المعدلات المخيفة ليس سببه المواطن العادي، وإنما تشترك في أسبابه أمور كثيرة، منها أن عدد المقيمين الذين يملكون السيارات تضاعف بشكل لم تعد الشوارع تتسع لمركباتهم، كما أن عدم توافر شبكة مواصلات داخلية للنقل الجماعي والتوجه إلى شراء الشاحنات الضخمة والمعدات الثقيلة زاد من استهلاك المواد النفطية بشكل مخيف.
وإذا كانت هذه المشكلة عصية على الحل، فإن المشكلة الأصعب هي أن معدل الزيادة في عدد السكان يتنامى بمتواليات هندسية، ومع كل شاب مفتاح وسيارة، يضاف إلى ذلك أن القطاع الصناعي يتقدم بخطى واسعة، حيث يضع المملكة في مقدمة الدول الصناعية الناشئة المستهلكة للنفط ومشتقاته.
ورغم أن الزيادة في استهلاك البنزين بدأت تتضح من خلال توقف بعض محطات الوقود بسبب نقص كميات البنزين المتاح للمحطات، كذلك فإن العجز في إنتاج المشتقات النفطية أخذ يتعاظم في السوق المحلية مما أدى إلى تحويل السوق السعودية من دولة مصدرة للمشتقات النفطية إلى دولة مستوردة لها.
إذن لا نستطيع أن نكابر ونقول إننا لسنا مقبلين على أزمات في سوق النفط المحلي بعد أن أصبح الطلب يفوق العرض سواء في البنزين المتاح للمركبات أو المشتقات النفطية المتوافرة في المحطات، الأشرس من هذا أن انخفاض أسعار البنزين أدى إلى ازدهار حرفية التهريب إلى الدول المجاورة، حيث إن كمية كبيرة من البنزين يقوم المرابون بتسريبها إلى الدول المجاورة لتباع بثمن مضاعف، ولكن السؤال: هل اللجوء إلى رفع الأسعار في السوق المحلية كاف لخفض الاستهلاك، أم أن زيادة الأسعار لن تؤثر في الطلب على الطاقة؟
ونعود ونقول إن الطلب على الطاقة النفطية لن ينخفض بزيادة أسعار الطاقة النفطية، وإنما سيزداد الطلب على الطاقة النفطية طالما أن معدلات الزيادة في عدد السكان تضرب في العالي، وطالما أن النفط هو الطاقة الوحيدة، وطالما أن الدولة تتجه إلى التصنيع بخطوات قوية، وطالما أن برامج ومشاريع التنمية تسير على قدم وساق.
ونعود مرة أخرى لنؤكد أن خفض استهلاك النفط ومشتقاته ممكن ولكن ليس بزيادة أسعاره، وإنما بإيجاد بدائل للطاقة، ولدينا ثلاث بدائل متاحة أولها – كما ذكرنا – الطاقة الشمسية وثانيها الطاقة النووية للأغراض السلمية ولقد اتخذنا خطوة تأسيسية وئيدة تحتاج إلى خطوات قوية، وثالثها تشجيع الاتجاه إلى شراء المركبات التي تدار بالطاقة الكهربائية والعزوف عن شراء المركبات التي تدار بالبنزين أو الديزل.
إن مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة في موقف لا يحسد عليه؛ ومطلوب منها بشكل ملح وعاجل أن تتقدم إلى الحكومة ثم إلى مجلس الشورى بما توصلت إليه من أخبار سارة تطمئن الأجيال المقبلة وتؤكد أن الجيل الحالي لن يجور على النفط ويحرم الأجيال المقبلة من نعمه وخيراته.
(الاقتصادية 6 نوفمبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*