مستقبل نفطنا والسباحة عكس التيار

يخيَّل إلي أحيانًا أنني أسبح وحدي عكس التيار، وذلك عندما يكون الحديث يدور حول مستقبل ثرواتنا النفطية الناضبة في دول الخليج العربي، وأنا أدرك تمامًا ماذا تعني هذه الجملة البسيطة. بل إنني أحس وكأنني فعلاً ”أخوض” منفردًا في مياه بحر لجِّي ضد اتجاه أمواجه العاتية. فأقول، إن استمرار زيادة الطلب العالمي على المصادر النفطية الناضبة، دون وجود روافد أخرى ومصادر طاقة متجددة، لا يخدم مصالحنا المستقبلية على الإطلاق. على الرغم من أن دخلنا القومي يعتمد بقدر كبير على المداخيل النفطية، بنسبة تزيد على 90 في المائة من ميزانية الدولة. وهو خطأ استراتيجي ووضع غير مريح وغير طبيعي، نتيجة لفشلنا الذريع خلال أكثر من 40 عامًا في محاولاتنا لتنويع مصادر الدخل. فليس من الحكمة ولا من حسن التدبير أن يكون مستقبلنا ووجودنا أحياء على ظهر هذه الصحراء مرتهَنا بوجود النفط. فمن شأن ارتفاع مستوى الطلب على مصادر الطاقة النفطية أن يقضي مُبكِّرًا على مصدر معيشتنا قبل أن نتمكن من إيجاد مصادر جديدة للدخل. ولذلك فنحن، أو على الأصح، أنا أتمنى أن يتجه العالم بأسره وبكل جدية إلى استخدام مصادر الطاقة النظيفة المتجددة مثل الطاقة الشمسية كأحد روافد الطاقة النفطية. ولا بأس في أن يتوسع في إنتاج النفوط غير التقليدية عالية التكاليف، كالنفط الصخري وبعده الصخر النفطي والرمال النفطية، لعل هذه المصادر الإضافية تُخفف من الضغوط الكبيرة على إنتاج دول الخليج العربي. وهذا عكس ما يتخيله الكثيرون، وعلى هذه الدول الخليجية، إن أرادت أن يكون لشعوبها مستقبل حياتيًّ، أن تعمل على تنويع مصادر دخلها خارج نطاق المصادر النفطية الناضبة. وأن تسعى كذلك جاهدة إلى خفض المستوى المرتفع للإنتاج وحصر صرف الدخل النفطي فقط لتمويل المشاريع الحيوية والتنموية ذات المردود المادي الجيد والوظائف الثابتة، وليس بمثابة دخل رئيس لميزانية الدولة، كما هي الحال اليوم في أغلب دولنا الخليجية. وأن تعمل شعوبها بكامل طاقتها وبقوة إرادتها على الاستغناء تدريجيًّا عن معظم الأيدي العاملة الأجنبية غير الضرورية وإحلال الأيدي الوطنية مكانها، أسوة بمن حولنا من الشعوب المكافحة في سبيل تأمين معيشتها. ومن المؤسف حقًّا أن الكثيرين من المسؤولين وغير المسؤولين، في دولنا الخليجية، أرعبهم أخبار ظهور النفط الصخري وظنوا أنه سيستحوذ على نسبة كبيرة من نصيبهم في السوق النفطية. مع أنه من غير المتوقع أن يكون له تأثير ذو قيمة في عالم يستهلك أكثر من 90 مليون برميل في اليوم الواحد. وكان الأولى، بالنسبة للمنتجين الخليجيين، أن يراجعوا سياساتهم الإنتاجية واستراتيجياتهم المستقبلية ليجدوا أن الاستغلال الأمثل لمصادر الثروة الناضبة هو دون شك إنتاج الحد الأدنى منها، وليس ما فوق الحاجة، كما هو حاصل اليوم. وإذا كان القصد من إنتاج الحد الأعلى، الذي نمارسه اليوم، هو استجابة لزيادة الطلب العالمي على مصادر الطاقة، فهذا بعينه ما يجعلني أتمنى رفع إنتاج النفوط غير التقليدية كالصخري والرملي حتى لا يكون لدينا عذر لرفع إنتاجنا واستنزاف ثرواتنا، بحجة ملء فراغ الفجوة بين الإمدادات والطلب. وقلت في موضع آخر، إن إنتاج النفط الصخري هو بالنسبة لنا نعمة وليس نقمة، كما يتخيل البعض. والتحدي الحقيقي الذي يجب مواجهته هو محاولة خلق جيل منتِج يكسب دخله من عرق جبينه وليس من ثروة نافقة.
ومن يقرأ ويسمع ما تنقله المصادر الإعلامية الغربية، وهي تتحدث عن ضخامة إنتاجنا النفطي، وتصويره على أنه مهدد من المصادر الجديدة المكلِفة من أنواع النفط الصخري والصخر النفطي والرمال النفطية وما إلى ذلك من المصادر غير التقليدية المقبلة، وأننا لن نستطيع بعد اليوم رفع معدل الإنتاج النفطي إلى مستويات إضافية، يكاد يجزم بأنهم لا يدركون مغزى ما يقولون. وهم فعلاً لا يفقهون كثيرًا عن وضعنا الاجتماعي والاقتصادي ومستقبل حياتنا ومعيشتنا على ظهر هذه الصحراء الخالية من جميع مقومات الحياة البشرية. وحتمًا، هم يظنون أننا نفتخر بإنتاجنا الكبير ونبحث عن المزيد من الطلب العالمي عليه، كما كانت عليه الحال قبل الثمانينيات الميلادية. وما علموا أن إنتاجنا الحالي هو أكبر بكثير مما نحن في حاجة إليه. وأن مصالحنا المصيرية تستدعي خفض الإنتاج الحالي لصالح تنويع الدخل وإطالة عمر الثروة النفطية الناضبة. ومن شبه المستحيل أن نتحول إلى أمة منتِجة، تعيش ولو بنسبة متدنية على مجهود أبنائها ومن عرق جبينهم، ما دام دخلنا النفطي على وضعه الحالي الفائض عن الحد الأدنى من متطلبات حياتنا. وليسوا وحدهم الذين لديهم اعتقاد راسخ بأننا يجب أن نرفع إنتاجنا لتلبية الطلب العالمي المتنامي. بل هناك منْ هم مِن بني جلدتنا ومصيرهم مصيرنا، يعتقدون أن رفع كمية الإنتاج إلى مستويات قياسية هو مطلب مرغوب وينفون أن يكون منه ضرر على مستقبلنا. بل يرون أنه بالإمكان استثمار فوائض أموالنا وإدخالها في صناديق سيادية أجنبية من أجل حفظها لصالح الأجيال المقبلة. وهي في نظرنا فكرة خاطئة وتنطوي على عدم إدراك أن مستقبلنا مهدد بالضياع في حال نضوب الثروة النفطية، قبل أن نتمكن من تأمين أي مصدر آخر ثابت للدخل. وأن أول من سيقضي على محتويات الصناديق السيادية ومدخرات الفوائض المالية هم جيلنا عندما يتضاءل الدخل وينخفض ولو بنسبة قليلة. ويظهر أن روح التفاؤل المسرف تسيطر على عقول الكثيرين ممن لا يعتقدون بقرب انتهاء عصر النفط الرخيص. ولذلك فهم إما أنهم لا يمانعون في تأجيل اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بإيجاد مصادر جديدة للدخل القومي خارج نطاق الدخل النفطي، وإما أنهم غير مكترثين لما ستؤول إليه أحوالنا المعيشية في زمن نضوب هذه الثروة. وبصرف النظر عن تصنيف منْ يسعى ويؤيد اتخاذ خطوات فعَّالة لتنويع الدخل ومن لا يهمه هذا الأمر لا من قريب ولا بعيد، فالأول، أقرب ما يكون للتشاؤم والآخر يتسم موقفه بالتفاؤل الذي في غير محله. فالمسألة إذًا تكاد تكون خيارا بين شيئين متناقضين إما حياة وإما موت، وإما مقبول وإما غير مقبول.
– عثمان الخويطر
http://www.aleqt.com/2013/10/06/article_790971.html

1 Comment

  1. د . خالد ميا

    لنودع النفط قبل أن يودعنا ولكن كيف ذلك ؟ أود الاشارة إلى انقاط التالية :
    -1لا بد من تنمية حقيقية تعتمد على موارد مستدامة
    -2 فشلت خطط التنمية في الدول الدكتاتورية أو لنقل بنظام غير ديموقراطي لأن الطبقة الفاسدة لا يهمها من خطط التنمية إلا ما يخدم مصالحها .
    3- زرع الغرب الاستعماري الخوف من الوحدة العربية في عقول الخليجيين (أؤلئك العرب يريدون مشاركتكم في ما خصكم به الله من ثروات ).و الآن أصبحت الوحدة (حسب رأيي الخاص )ضرورية لأصحاب النفط لأنهم أصحاب رؤوس الأموال و بالتالي ستفتح لهم أبواب الاستثمار في بلادهم الكبيرة
    4-فائدة أخرى الدول المنتجة لا تسطيع فرادى مقاومة الضغوط لانتاج فائض من النفط و فائض من الأوراق النقدية .لكنها مجتمعة تستطيع دون أن تلحق الضرر بالاقتصاد العالمي.
    5- التعاون الاقليمي مع ايران و تركيا و عدم الانجرار خلف الخطط الغربية لاشعال حروب أو توترات معهم.

    Reply

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*