أجراس مستقبل النفط والغاز تقرع

يجمع الكثيرون على أن إنتاج النفط والغاز على المستوى العالمي قد وصل إلى ذروته منذ حوالي ستٍّ سنوات. وهذا يعني أن إنتاج المادتين في دول مجلس التعاون الخليجي هو الآخر قد وصل إلى ذروته. وبالطبع لا يمكن الحديث عن الوصول إلى الذروة دون أن يعقبه الحديث عن التراجع والهبوط، ومن ثمَّ عن النفاذ. هذا موضوع السَّاعة في كثير من الأوساط الذي تتناوله الكثير من التقارير والندوات.
وحتى لو وجدت مصادر إنتاج جديدة، كاستخراج البترول الحجري المبالغ بشأنه في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها أو كاكتشاف مكامن جديدة من الغاز، فان ذلك لن يكون أكثر من تعويض جزئي عن التراجع في إنتاج آبار البترول والغاز الكبيرة الهرمة القديمة وعن استجابة جزئية لنهم الآلة الإقتصادية العالمية وعلى الأخص في دول آسيا الكبيرة الصًّاعدة من مثل الصٍّين والهند. من هنا فان العالم يريد أن يعرف عن مقدار التراجع في الإنتاج وطول ما بقي من عمر حقبة البترول والغاز.
من جهتنا، في دول مجلس التعاون، يجب عدم تنصيب أنفسنا كمسؤولين عن حلٍّ إشكالية توفُر البترول والغاز للنشاطات الحياتية في مجتمعات الهيمنة والنفوذ الإقتصادي في الغرب والشرق، فهذا شأن يخصُّهم، وهم قادرون على التكيُّف مع الظروف ومهيَّئون للإنتقال عبر الحقب التاريخية بكثير من الإستعداد والمرونة والبحث عن المخارج من الأزمات.
لكنَّنا يجب أن نكون معنيٍّين بجديَّة وتركيز شديد بمقدار استعداد دول البترول والغاز العربية، وعلى الأخص دول مجلس التعاون الخليجي، للتعامل مع هذا الموضوع المصيري الخطير. في اعتقادي أننا نحتاج أن نولي اهتماماً كبيراً للجوانب التالية :
أولاً – من الضروري التعامل مع ثروة البترول والغاز من منطلق أن نوع وكفاءة استعمال الثروة لا يقلُّ أهمية عن توليدها وإنمائها. من هنا فان هوس البعض بالدفع نحو زيادة الإنتاج أو رعب البعض من اي تناقص في الإنتاج، دون أن يصاحبه تفكير عقلاني وموضوعي بشأن استعمال عوائد الثروة الحالية استعمالاً يبعده عن التبذير السَّفيه والمقامرات العبثيَّة في العقار والأسهم وغيرها من الإستعمالات الفاسدة أو الخادمة لمصالح مجموعات أنانية من المسؤولين والمتنفذين، فانهما، الهوس والخوف، لن يكونا أكثر من عواطف ساذجة لن تفيد في مواجهة مشاكل مستقبل هذه الثروة العربية الناضبة. إن ما سًّماه البعض بلعنة ثروات البترول والغاز سيحتاج إلى تغييرات جذرية في فكر وضمائر وأخلاص ومنهجيًّة كلُّ متخذي القرارات بشأن استعمالات ريع تلك الثروات لتولٍّد ثروات إضافية تصبُّ في خانة التنمية المستدامة، وليس لحرق تلك الثروات في أتون المظاهر والبطر والتٍّرف.
ثانيا في قلب معركة الإستعمال الصحيح لثروات البترول والغاز الهائلة الإنتقال من الإقتصاد الرًّيعي إلى إقتصاد إنتاجي معرفي، وهو الأمر المفصلي الذي يتطلب تنشأة إنسان ومواطن عربي قادر على المساهمة الفعَّالة في ادارة وقيادة ذلك الإنتقال.
وحتى نكون صريحين مع إنفسنا فان الإقتصاد الريعي، القائم على توزيع ريع البترول والغاز حسب مقاييس الولاء والزبونية، قد أنتج إنساناً إتكالياً إنتهازياً يعتمد على استلام الفتات من الفوائض في شكل من العطايا والمكرمات، ويتسابق في سوق الولاءات القبلية والمذهبية والعائلية، ويستهلك بنهم دون تفكير في المستقبل ولا في ممارسة الإدخار.
ولم يكن دور النظام السياسي غير الديموقراطي أفضل، إذ أنشأ إنساناً غير مبال بالمصلحة العامة ولا ملتزما بقضايا المجتمع والأمة ولا مشاركا في صنع القرار. وكذا الأمر بالنسبة لنظامي الثقافة والتربية، فقد ساهما في بناء إنسان مفرغ من ملكات التحليل والنقد والإستقلالاية والتمرُّد على الواقع المشؤَّه.
هذا الإنسان المواطن المصاب بألف علَّة وعلًّة يحتاج إلى عملية تغيير جذرية كبرى ليستطيع مواجهة ما ينتظر مجتمعاته إبًّان فترة ما بقي من عمر ثروات البترول والغاز في أرضه وبالطبع لما ستأتي به فترة مابعد ثروة البترول والغاز.
نكتفي بذكر مدخلين رئيسًّيين نعتبرهما مفصليًين لمواجهة فترة مابقي من عمر البترول والغاز وفترة مابعد ذلك. ولاشكًّ أن هناك مداخل فرعية كثيرة أخرى. من الضروري أن يعي المسؤولون في دول اليسر المؤقًّت أن أيًّ محاولة للإلتفاف حول هذين المدخلين ستنتج كارثة مستقبلية. ولوج المدخلين سيحتاج إلى قرارات مؤلمة وتنازلات صعبة، لكنَّ جرس الإنذار الصاخب، وهو يعلن وصول إنتاج البترول والغاز إلى ذروته وقرب البدء بتراجعه، هذا الجرس لن يترك أحداً يغطُّ في نوم عميق، ولن تنفع الحبوب المخدٍّرة أو المنوٍّمة.
د. علي فخرو (وزير بحريني سابق)
القدس العربي 10 ابريل 2013
http://www.alqudsalarabi.info/index.asp?fname=today%5C10qpt697.htm&arc=data%5C2013%5C04%5C04-10%5C10qpt697.htm

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*