نهاية النفط السعودي؟


سعود كابلي
ترتفع الأصوات التي تنبه إلى حقيقة أن هامش القدرة الإنتاجية للنفط الذي تتمتع به المملكة يقل يوما بعد يوم، فكيف لنا أن نوجد ورقة قوة لسياستنا الخارجية مستقبلا إذا فقدنا ورقة النفط؟
المقصود هنا ليس نهاية مخزون النفط من باطن الأرض وإنما نهاية النفط كورقة تمثل الدعامة الصلبة والأساسية لسياستنا الخارجية، وأهم مصدر لقوتها على الصعيد العالمي، وما يخلق لها مساحة تحرك كبيرة على المسرح السياسي العالمي.
السعودية توصف في بعض الصحف الاقتصادية بأنها “بنك العالم المركزي للنفط” ولأن مثل هذا الموقع يعطيها قوة فإنه في المقابل يفرض عليها واجبات ويضعها أمام تحديات. وكما أن وظيفة أي بنك مركزي في أي اقتصاد هو ضمان استقرار الأسواق والعملات من خلال “هامش القدرة” التي تتمتع به، فإن المملكة لعبت على مدى عقود ذات الدور على صعيد سوق النفط العالمي من خلال هامش القدرة الإنتاجية للنفط الذي تتمتع به (swing capacity) واليوم ترتفع الأصوات المنتقدة والمنادية بالتنبه إلى حقيقة أن هامش القدرة هذا الذي تتمتع به المملكة يقل يوما بعد يوم.
هذه القدرة لن تختفي بين ليلة وضحاها ولكن المؤشرات تقول إن الاتجاه العالمي العام (trend) يسير نحوها، وبالتالي كأننا نشاهد منحنى على الورق يتجه للأسفل بدلا من الصعود وإن كنا لا نزال في نقطة مرتفعة على هذا المنحنى.
ورقة النفط السعودي تواجه في الحقيقة تحديا على مستويين في كل من العرض والطلب.
١/ العرض: تقل مع الوقت قدرة المملكة على عرض مزيد من النفط للأسواق نتيجة للحاجة المتزايدة للاستهلاك الداخلي، ومجلة “ايكونوميست” في تقرير لها بعنوان “إحراق ثروتهم” (Burning their wealth) بتاريخ ٥ /٤ /٢٠١٢ أشارت إلى أن استهلاك النفط داخليا في المملكة أكثر من استهلاك ألمانيا، علما بأن المانيا دولة صناعية فيها ٣ أضعاف السكان واقتصادها أكبر من اقتصاد المملكة ٥ مرات. المملكة تستهلك اليوم ربع إنتاجها تقريبا (٢،٨ مليون برميل يوميا) وبهذا المعدل من المتوقع أن تفقد المملكة قدرتها التصديرية خلال عقدين أو أكثر طبقا لتقرير مثير للجدل نشرته مؤخرا “شاثام هاوس” حول استهلاك النفط في المملكة.
نسبة الارتفاع في استهلاك النفط خليجيا بلغت ٥٦٪ وهو ٤ أضعاف متوسط معدل نمو الاستهلاك العالمي وضعفا المعدل في دول آسيا الصاعدة.
يعود ارتفاع الاستهلاك بصورة أساسية إلى الحاجة الداخلية المتزايدة للنفط في توليد الكهرباء وتحلية المياه، وهذه عوامل داخلية بسبب العجز المائي الذي تلعبه الجغرافيا وبسبب الضغط الداخلي الدافع لتنمية دولة شاسعة، فاستهلاك الكهرباء يزيد في المملكة بمعدل ١٠٪ سنويا، ونتيجة التزايد المضطرد لعدد السكان فإن الطلب الداخلي سيستمر في التصاعد باضطراد. وحاليا يتم إنتاج ما يقارب من ٦٥٪ من الكهرباء في المملكة من خلال استخدام النفط (أي مجرد حرقه لإنتاج الكهرباء)
هذا يضع هامش القدرة الإنتاجية للمملكة تحت ضغط كبير، فالفائض من القدرة الإنتاجية العامة الذي يمكن للسعودية أن تستغله في التحكم بالسوق يقل مع الوقت تدريجيا، أو هكذا يبدو الاتجاه العام.
٢/ الطلب: سيقل مع الوقت الطلب على النفط السعودي نتيجة الاكتشافات الجديدة سواء في الحقول العميقة في المحيطات أو الطبقات الصخرية (Shale Oil) وهي اكتشافات بحسب تقرير نشرته “سيتي بنك” ستجعل من شمال أميركا “شرقا أوسط جديدا”، فهذه الاكتشافات رفعت الإنتاج الأميركي بواقع ٢ مليون برميل يوميا ليصل إلى حوالي ٩ ملايين برميل في اليوم مع نهاية ٢٠٠9. بعض المصادر تقدر حجم المخزون غير التقليدي من النفط في كندا بحوالي ١٧٠ مليار برميل مما يجعلها الثاثة من جهة حجم المخزون العالمي للنفط.
هذا الأمر سيفتح للولايات المتحدة على وجه الخصوص نافذة جديدة لتلبية طلباتها النفطية بعيدا عن الشرق الأوسط، وهو أمر قد لا يحدث مباشرة ولكنه اتجاه عام يظهر وكأن الولايات المتحدة تسير عليه، خاصة مع ارتفاع نسبة الاستثمار في مثل هذه الحقول غير التقليدية كما في حقول النفط العميقة في خليج المكسيك، وعلى أقل التقديرات فإن هذه الحقول الجديدة ستفتح بابا جديدا للمنافسة في سوق النفط مع دول الشرق الأوسط حال ما تنتفي الحاجة الملحة للاعتماد على النفط الخليجي والسعودي من قبل الولايات المتحدة على وجه الخصوص.
المسألة الأساسية ليست في انتهاء الطلب على النفط السعودي أو انتهاء قدرة المملكة على تصدير النفط نتيجة الاستهلاك، وإنما في انتهاء قدرتها (الاحتكارية) السابقة على أن تكون اللاعب الأساس في سوق النفط من خلال هامش قدرتها الإنتاجية، وسيكون أول انعكاس لهذا الأمر هو فقدان القدرة السياسية على التأثير في المسرح العالمي كما في السابق. فكيف ستعالج سياستنا الخارجية هذا الخلل البنيوي الذي سيصيبها؟ وما هي الخيارات لتعويض القدرة التي أوجدتها لنا قدراتنا النفطية في مجال سياستنا الخارجية ودورنا الإقليمي؟
لا توجد صداقات دائمة في السياسة، الولايات المتحدة هي مظلتنا الدولية السياسية والأمنية بشكل رئيس، وعلاقتنا معها مبنية على المصلحة المشتركة، ولكن السؤال ماذا إذا اختل ميزان المصلحة هذا؟ كيف يمكن لنا أن نوجد ورقة قوة لسياستنا الخارجية مستقبلا إذا فقدنا ورقة النفط؟
(الوطن 27 مايو 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*