كسل الطاقة

ابراهيم سعيد
أول ما يُدهَش له زائر الخليج، أو أشد ما يهمه، هو سعر الطاقة، فمقارنة بأي دولة في العالم اليوم لن تجد نفطاً أرخص مما تجده في دول الخليج، هنا حيث يظن الناس خارج الخليج أن الخليجيين يمشون على أرض يسيل نفطها في الشوارع، وأن كل ما عليهم أن يحفروا حفرة لجمعه وتصديره للخارج، بل إنني وجدت من حاول إقناعي بأن كل خليجي لديه بئر نفط في البيت! وأنا أعرف من سيبتهج بمثل هذه الفكرة!!
في الحقيقة فإن سعر النفط خاصة وقود السيارات في الخليج رخيص جداً مقارنة بأسعاره في أوروبا أو أمريكا مثلاً، حيث الأسعار النفطية في كل دول العالم تقريباً مرتفعة جداً ومضاعفة بشكل يجعل الحياة بالتالي شديدة الغلاء، خاصة إذا كنا نتحدث عن النفط الذي لا يتوقف دوره على تشغيل السيارات، بل على تشغيل الحياة المدنية بشكل عام، في كل مفصل ومنتج وغذاء وشراب يحتاج نفطاً بأي شكل أو آخر، من جمع المواد الخام حتى فم المستهلك وما بعد فم المستهلك أيضاً.
النفط هو الطاقة الأساسية في عالم اليوم، ومن يمتلك طاقة اليوم فهو بالفعل يمتلك ثروة لا تقدر بأي ثمن، ففضلاً عما يشعر به الأفراد بشكل مباشر، فإن الطاقة الرخيصة تكون دافعاً لمشاريع عملاقة وهائلة وضخمة، فضلاً عن سهولة التصنيع والتجارة في عالم يقوم على التجارة والصناعة بوصفهما النشاطين الرئيسيين في عالم اليوم، والتحليل البسيط يقول أن الخليج يجب أن يكون بالفعل قطبا محورياً من أقطاب عالم صناعة وتجارة اليوم ما دام يملك قوة الطاقة وحيويتها، لكن لأرض الواقع كلام مختلف يقول أن هذه الطاقة كسولة.
الخليج الذي يمتلك أرخص طاقة، ولا تكلفه الطاقة بل تشجعه على الذهاب في إنشاء مناطق صناعية جديدة واستجلاب عمالة إضافية، في الوقت الذي يسرّح فيه العالم عماله وتنتقل المصانع من الدول الصناعية الكبرى إلى دول العالم الثالث الرخيصة التكلفة.
رغم ذلك تشهد الدول الخليجية غلاءً شديداً في مستوى العيش وهذا ما يتناقض ظاهريا مع انخفاض أسعار الطاقة، لكن في العمق فإن دول الخليج جميعها وبلا استثناء لا زالت تعتمد اعتماداً مفرطاً على استيراد السلع والبضائع الأساسية ومنظومة الانتاج الداخلية فيها متعرقلة جداً، لأسباب كثيرة أشهرها الفساد، وسوء الإدارة.
في الخليج قدرة طاقة هائلة اليوم على الذهاب خطوات أوسع وأسرع نحو تقدم وازدهار وحضارة حقيقية تتجاور، إن لم يكن تتجاوز، الحضارات الحديثة المعروفة، لكن الالتفات الى أرض النتائج يقول أن فكر الإدارة الخليجية معاق عن تلك الطاقة الهائلة لا يزال تبعياً، لا يملك ثقة في قدرته الذاتية على الانطلاق، ولا ينمي مهاراته الذاتية بل يكتفي باستيرادها وبتشجيع استيرادها، والنتيجة هي أن الخوف الأعظم المتنامي اليوم في صدور الخليجيين شعباً وقيادات هو نضوب النفط. بدل الخوف من ضياع الطاقة؟!
حسنا إذن ما دام النفط مصيره إلى النضوب فلماذا إذن تهدر الأموال سنوياً على حل مشاكل عالقة وباهضة الأثمان بسبب أنماط الإدارة، والاعتماد على المؤهلات الأجنبية والوافدة؟ ولماذا لا يمضي الأمر بشكل استراتيجي وحثيث نحو دعم مقدرة الشعوب الخليجية نفسها لتعتمد على ذاتها بشكل أكبر وأفضل، بدل الأسلوب الدعائي البراق الاعلامي الذي يتحدث عن تنمية شكلية، تهدر أموالها في مشاريع هي مجازر اقتصادية حقيقية تصب الأموال والنفط في قوالب اسمنتية لن يستفيد منها أحد بعد عشرين عاماً.
دول لا حصر لها تتمنى لو أن نفط الخليج هذا بأيديها، وما الذي يؤديه ذلك؟ وهل الدول الخليجية بنت قدرة ذاتية لتلك الحماية، والقدرة لا تستورد بشراء الطائرات الفلكية الأثمان، ولا باستيراد وتكديس الأسلحة، بل ببناء الذات نفسها، لا بتوقيع وتجديد معاهدات واتفاقيات الحماية الدولية.
القوة الاقتصادية العظيمة مهدرة وتنمي الاتكالية بشكل مفرط في الخليج، في الوقت الذي تقوم فيه الدول الأخرى مفردة ومجتمعة بقفزات اقتصادية سريعة وهي لا تملك ربع موارد الطاقة الخليجية وتستوردها من الخليج، ومثالاً بعد مثال من اليابان لنمور آسيا للصين، للهند، كل تلك الدول تحقق معدلات نمو اقتصادي سريعة، أما معدلات النمو الاقتصادية في الخليج فهي مدعومة كأي شيء آخر بهذه الثروة التي لا نحسن استغلالها.
الفكر هو الذي يصنع الفرق الثقافي بين حسن استغلال الثروة وبين إهدارها، وهو نفسه الفكر الذي يجب أن تتم تنميته وتشجيعه وتحريره من أي قوالب فكرية قديمة تعيق حركته، والأمل كما هو الأمل دائما بالشباب.
إن المنظومة الفكرية التي تقوم عليها دولنا الخليجية منظومة قديمة، حان أن نستبدلها بمنظومة أكثر حداثة، منظومة ليست اتكالية ولا تعاني عقدة الخواجة تجاه المستعمر القديم، وليست لديها أمراض التملك والاستحواذ وتنمية الأملاك والثروات على حساب المسئوليات كما هي أمراض الجيل السابق، الذي اشترى ثرواته على حساب تضييع ثروات وطنه. نحتاج منظومة متكونة بالمبدأ من مناخ الحرية وتشجيع التقدم والتطوير والأفكار الجديدة وحلول المشاكل. إن أعداد السكان البسيطة نسبياً في دول الخليج والثروة الهائلة، والمساحات الجغرافية الشاسعة، والبناء المدني الحديث كلها عوامل مجتمعة كان يجب أن تساهم في تقدمِ جذري عميق، لا سطحي سريع، سريع التحقق وسريع الزوال أيضاً.
داخل الفكر الخليجي تكمن مشكلة يجب الحصول لها على حل في أقرب فرصة، هناك تسرب نفطي خطر قد يتسبب في اشتعال مفاجئ. انتبهوا خليجياً من كسل الطاقة.
الرؤية العمانية 25 يوليو 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*