إقتصادات ما بعد النفط


تشير دراسات وكالة الطاقة العالمية إلى أن الإنتاج النفطي العالمي يبلغ ذروته ما بين أعوام 2010 و2020، ثم يبدأ بعد ذلك العد التنازلي والهبوط غير القابل للتراجع.
كما تقدر معظم الدراسات أن عمر النفط المتبقي لا يتجاوز الخمسين عاماً، يصاحب اختفاءه تعطل أو اختصار أو توقف لجميع البرامج والمشروعات الصناعية والاقتصادية والخدمات الاجتماعية.
الدكتور كمال أمين الوصّال أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية صرّح لـ”إيلاف” بشأن هذا الموضوع قائلاً: “إذا ما استمر النمط الحالي في استخدام الثروة النفطية فلن تكون الدول البترولية قادرة على خلق وظائف كافية لاستيعاب الداخليين الجدد إلى سوق العمل، لأن عوائد النفط لا تمثل دخلاً بالمفهوم الاقتصادي، ولكنها بمثابة تحويل من أحد أشكال الثروة/الأصول، وهو النفط، إلى شكل آخر، وهو السيولة، ومن هنا ضرورة التعامل الرشيد الحذر مع هذه الثروة، وضرورة أن يستخدم الجزء الأكبر منها في بناء طاقات إنتاجية قادرة على توليد الدخول وبناء اقتصاد حقيقي، يتسم بالاستمرارية.
وأضاف “فإذا ما نفد النفط –  وهو سينفد يومًا ما – من دون بناء طاقات إنتاجية فستعود الدول النفطية كما كانت قبل ظهور النفط، باستثناء ما تم إنجازه من بعض مشروعات البنية التحتية، التي هي بطبيعتها تساهم في زيادة الدخل، ولكنها لا تولد هذا الدخل”.
فيما أوضح الدكتور نجيب الشامسي محلل اقتصادي متخصص بالشؤون الخليجية لـ”إيلاف” أن الـ 40  أو الـ 50 سنة، التي تمثل عمر النفط المتبقي، هي مرحلة بسيطة جداً ليست ذات قيمة في عمر الشعوب والأمم، وأن دول مجلس التعاون الخليجي، التي تمتلك ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط وحوالى 25 بالمائة من الغاز الطبيعي، لم تعمل طيلة العقود الماضية على إيجاد قاعدة إنتاج حقيقية بالمعنى الصحيح: “لا فائدة من استنزاف النفط الذي سيدرّ ثروات يتم ضخّها في اقتصاديات عالمية، ثم تقوم أزمات مالية مفتعلة، كتلك التي حصلت سنة 2008”.
لذلك يجب التفكير في عدم الاستنزاف والتفكير في أن تبقى الاحتياطات مخزنة في باطن الأرض للأجيال المقبلة، لأنها سوف تحاسبنا، وسوف تتساءل ماذا فعلت الدول لشعوبها عبر العقود الماضية، فلا هي أوجدت قاعدة إنتاجية، ولا هي حققت أمناً غذائياً ولا تنميةً اقتصاديةً حقيقيةً ولا تنميةً بشريةً بالمعنى الصحيح، فكيف سنواجه العالم؟، هل المباني والعمران الموجود في مجلس التعاون الخليجي أمر كاف لنضع أنفسنا بين الدول المتقدمة من حيث التنمية، هذا ليس بمعيار. هناك تراجع على مستوى التعليم، وعلى مستوى الصحة، هذه كلها مؤشرات سلبية إلى الأوضاع التنموية في المنطقة.

دول مجلس التعاون الخليجي ومراعاة حق الأجيال المقبلة
يعود الدكتور الشامسي ليبيّن أن الاستغلال الأمثل للنفط يتمثل في مرحلة أولى في تغطية التزامات دول الخليج تجاه العالم، لأن المنطقة لا يمكن أن تكون في عزلة عن العالم، ولكن أيضًا بشكل تراعي فيه الأجيال المقبلة: “يجب إنتاج كميات تتوافق مع حاجياتنا وتدوير هذه العوائد، بحيث تصبّ في شرايين اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مشاريع تكاملية، صناعية، زراعية وخدماتية، والعمل على توطين الاقتصاد. فالبنى التحتية التي نشيّدها لا تحقق الاستقرار للمنطقة، لأنها تخدم الوافدين من الخارج، ولا تخدم المواطنين، فمع كل هذه الثروات شاهدتم ما حدث من اضطرابات في البحرين والسعودية وعمان في خضم الأحداث التي شهدها العالم العربي، يعني أننا خلال 4 عقود لم نتمكن من معالجة مشاكل البطالة والتعليم والصحة التي هي أساس التنمية.
ثم يجب ترجمة قرارات القمم بشكل جاد وفاعل من أجل تحقيق وحدة اقتصادية حقيقية، تخدم أهدافنا التنموية، ويجب اتخاذ قرارات لتحقيق الانفتاح الاقتصادي من أجل تفعيل السوق الخليجية المشتركة، وإزالة كل المعوقات التي تواجه الإتحاد الجمركي، وانتقال اليد العاملة بين دول مجلس التعاون، فهناك دول تفتقر طاقات مواطنة، وأخرى تعاني فائضًا، فلماذا لا يتم تسهيل الانتقال تحت مظلة التأمينات الاجتماعية؟”.

تجارب دول مجلس التعاون الخليجي متباينة في التنمية وكلها لم ترتق إلى المستوى المطلوب
ثم يوضّح د.الشامسي أن تجارب دول مجلس التعاون الخليجي متباينة في التنمية، ولكنها كلها لم ترتق إلى المستوى المطلوب، الذي بلغته دول عربية أو أجنبية أخرى في المحيط نفسه، وأن دول المنطقة تحتاج إعادة النظر في استراتيجياتها، التي حتى وإن وضعت، فهي لا تنفَّذ بالشكل الأمثل: “يجب وضع خطط حقيقية، تخدم أهداف الإنسان، باعتبار أن الإنسان أساس التنمية ومحورها وهدفها ومستقبل الدول، هيئوا  الإنسان واعتنوا به صحيًا، وسيقوم بنفسه، إذا لم يجد عملاً هنا، سيعمل في أي منطقة في العالم، كما هو الحال في العديد من دول العالم. هناك دول، مثل ماليزيا وأندونيسيا، حققت طفرةً في التنمية، لأنها اعتمدت على الإنسان كأساس للتنمية”.
ويصرّح د.الشامسي: “نحتاج تعليمًا نوعيًا، وليس كميًا، لأن المؤشرات التي نعتمدها حاليًا هي مؤشرات كمّية، تتعلق بعدد المدارس وعدد الطلبة وعدد الجامعات… كما يجب الإقرار بأن حرية التعبير والحقوق الاقتصادية والسياسية هي حقوق دستورية، فلا يمكن أن تزوّد إنسانًا بالتعليم النوعي، ثم لا يجد المناخ الذي يمكن من خلاله التعبير عن رأيه وفكره، وما وصل إليه من إدراك، فهذه كلها منظومة تخدم التنمية.

في الاستغلال الأمثل للذهب الأسود
فيما أكد د.الوصّال أن الاستغلال الحالي للبترول يمثل بدرجة كبيرة استنزافاً لثروة ولمورد لن يبقى إلى الأبد، وفي ذلك ضياع لفرصة تاريخية لن تتكرر. كما بيّن أن الإستراتيجية الاقتصادية الأمثل لضمان استغلال أفضل للثروة النفطية يجب أن تكون جزءاً من إستراتيجية شاملة، تحدد رؤية هذه الدول لاقتصادياتها، بعد أربعة عقود من الآن، وتشمل أربع نقاط على غاية من الأهمية:
1- التنمية البشرية: ثورة في منظومة التعليم بكل عناصرها ومراحلها، بدءًا بمرحلة ما قبل الدراسة الأولية، وحتى الدراسات العليا، وبناء قاعدة علمية تكنولوجية على المدى الطويل، وعدم الاقتصار على إقامة مبان فاخرة، وتزويد الجامعات والمدارس بالأجهزة وغيرها من الأدوات.
2- التوجّه نحو الاستثمار الحقيقي، وليس الاستثمار المالي، فالأزمات المالية المتكررة، سواء كانت مختلقةً أو مدبّرةً أو طبيعيةً، تُفقد الجزء الأكبر من الاستثمارات المالية لدول الخليج من فترة إلى أخرى، وهذا الاستثمار الحقيقي يجب أن يتجه نحو قطاعات صناعية منتقاة بعناية، تكون ذات رأس مال مهم، قليلة الاعتماد على العمل، وهو ما يناسب دول الخليج، وذلك من خلال إقامة شراكات مع المؤسسات الرائدة في هذا المجال، ومن ثم يتم بناء اقتصاد حقيقي مستدام.
3 – الاتجاه نحو التعاون الاقتصادي مع الدول الأخرى، ليس استناداً إلى الشعارات الرنانة، ولكن استناداً إلى المصلحة المتبادلة، ووفقاً لأسس مدروسة، ويعدّ هذا محوراً أساسياً في تحقيق التنمية، في ظل انخفاض عدد السكان في معظم الدول الخليجية، فلا يمكن أن يقوم اقتصاد حقيقي على اقتصاد لا يتجاوز عدد سكانه المليون نسمة، ويتزامن مع ذلك وضع إستراتيجية لعلاج الخلل الديموغرافي، الذي تعانيه هذه البلدان، والذي يمثل قنبلة موقوتة سياسياً واجتماعياً.
4 – إصلاح شامل في مجال المالية العامة، فهناك إنفاق حكومي ضخم، ولكن العوائد لا تتناسب مع حجم الإنفاق، فهو يفتقر الفعالية والكفاءة والفعالية، بغياب التوزيع على أوجه إنفاق ذات الأولوية الإستراتيجية، وغالبًا ما يتجه إلى مشروعات مظهرية، بل وتفاخرية منخفضة، وأحيانًا عديمة العائد الاقتصادي والاجتماعي، ولا يتسم بالكفاءة، حيث تزيد تكاليف إنشاء مشروعات البنية التحتية على مثيلاتها في الدول الأخرى.
ويؤكد د.الوصّال أن التحدي الرئيس، الذي يواجه دول الخليج، هو تحدي التنمية البشرية بمفهومها العلمي الشامل: “البشر هم الغاية والوسيلة لعملية التنمية، وبدون تنمية بشرية حقيقية، يصبح أي اقتصاد مهما بلغت موارده في مهبّ الريح. ثم يضيف: “لا أعتقد أن النفط سيظل المصدر الأساسي لتوليد الطاقة، لأنه على العالم أن يبحث عن مصدر جديد للنفط – وهو يفعل ذلك- فالدول الصناعية تعمل وتدرك أنه ليس بإمكانها الانتظار حتى يأتي اليوم الذي ينفد فيه النفط من دون وجود مصادر بديلة.
– مهدي بن رجب
(ايلاف 27 فبراير 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*