ذروة الطاقة بدلاً من ذروة النفط


عثمان الخويطر
كتب الكثيرون ممن يهتمون بشؤون مصادر الطاقة، داخل المملكة وخارجها، عن ذروة الإنتاج النفطي، ومتى يصل الإنتاج إلى أعلى مستوى ويبدأ في الهبوط. ويُلاحظ في بعض الأحيان ارتفاع حاد في درجة الحماس بين المتحاورين حول موضوع الذروة، حتى أنك لتشعر أن المحاور المتحمس يُدافع عن عرضه وليس عن مجرد فكرة مطروحة للنقاش تتحمل الخطأ والصواب. وفكرة ذروة الإنتاج، أو نظرية الذروة كما يُسميها الكثيرون، قديمة جديدة. وكان أشهر منْ قدمها واستخدمها الدكتور ماريون كنج هوبرت، المتخصص في جيولوجيا النفط، خلال الخمسينيات من القرن الماضي، حينما تنبأ بوصول ذروة الإنتاج في أمريكا في أوائل السبعينيات، وهو ما حدث فعلاً. ومن الممكن أن تُستخدم الفكرة لحقل واحد أو لمجموع إنتاج دولة منفردة أو للإنتاج العالمي ككل، وهو الأكثر أهمية بالنسبة لمستقبل البشرية. والكل يدرك أن أي نقص في الإمدادات النفطية مقابل الطلب العالمي على الطاقة سوف تكون له عواقب اقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة. ولكن الأمر، فيما يتعلق بوصول الذروة ليس بهذه البساطة، رغم وضوح الصورة. فالمتخصصون والمراقبون منقسمون إلى مجموعتين رئيسيتين. المجموعة الأولى، يقولون إن ذروة الإنتاج قد حدثت فعلاً ولا هناك مجال لزيادة الإنتاج إلى أعلى من المستوى الحالي، وهو ما يعني أن العالم اليوم على وشك الوقوع في أزمة اقتصادية طاحنة تتمثل في نقص في مصادر الطاقة التي تعتمد أساساً على المصادر النفطية. والمجموعة الثانية، يعتقدون أن ذروة الإنتاج قادمة في غضون الـ 20 سنة المقبلة. وعدد قليل من المهتمين بمستقبل الطاقة لا يعترفون بشيء اسمه “ذروة الإنتاج النفطي” وفي نظرهم وحسب رؤيتهم، أن الاحتياطي النفطي المعروف، ويشمل النفط التقليدي وغير التقليدي، إضافة إلى ما سيُكتشف من الحقول الجديدة في أطراف القارات وداخل عمق البحار تحملنا على ألا نقلق على مصير مستقبل الطاقة، ليس فقط لعقود قادمة بل ربما لعدة قرون. والرأي الأخير يتميز بإسراف شديد في التفاؤل الذي لا يمكن تأييده علمياًّ. فأي الفِرَقْ يا ترى أقرب إلى الصواب، ونحن هنا نتحدث عن مصير شعوب الأرض كافة. فالطاقة هي شريان الحياة، وبدونها أو فقدان نسبة كبيرة منها مع التزايد المطرد لسكان المعمورة سيؤثر سلبياًّ على النشاط البشري وعلى توفير الغذاء الكافي بشكل خاص. هذا إذا لم تتحرك الدول الغنية والمتقدمة تقنياًّ للاستثمار بسخاء على مصادر الطاقة البديلة والمتجددة قبل فوات الأوان.
ولكن لماذا هذا التباين في الرؤية المستقبلية والاختلاف في التقدير على عمر النفط ومدى استمرارية وجوده بيننا، والكل متفق على أنه مادة ناضبة على كل حال؟ وإذا كان الاستهلاك الحالي للمشتقات النفطية يتطلب زيادة مستمرة مع مرور الوقت ليفي بمتطلبات الحياة العصرية وتقدم الشعوب، فمن الطبيعي أن يصل الإنتاج في يوم ما إلى مستوى تتوقف عنده الزيادة، وسم هذا المستوى ما شئت. والبعض أطلقوا عليه “الذروة”، وهو تعبير لا يروق للطرف الثالث الذي أشرنا إليه آنفاً، رغم أنه أمر طبيعي ولا يتناقض مع سُنة الحياة، إلا أنها قد تأتي مُتأخرة نسبياًّ إذا ما قورنت برؤية الطرفين الآخَرين. أما أن نسلِّم بعدم إمكانية حدوث “ذروة إنتاج” لمادة ناضبة تُستهلك بشراهة مفرطة فهذا خارج حدود المنطق السليم. ومن أسوأ نتائجه، أنه يُشجع على الإسراف في استهلاك الطاقة ويُوهم المنتجين بأنه لا خوف من نضوب ما لديهم من الاحتياطيات النفطية، وليست هذه هي الرسالة التي نود إيصالها إليهم. فكفانا الإسراف الذي نعيشه اليوم على حساب مستقبل الأجيال.
ومن باب التوضيح، فإن الذين يقولون بقرب وصول الإنتاج النفطي إلى الذروة، هم يعنون في الغالب ما يُسمى بالنفط التقليدي الذي لا يتطلب استخراجه تكلفة باهظة، ويُشار إليه أيضا بالنفط الرخيص، حيث يوجد في الطبيعة على شكل سائل وتحت ضغط كبير يُسهِّل اندفاعه من باطن الأرض إلى السطح بقوة ذاتية. ويتراوح مقدار الاحتياطي العالمي منه بين تريليون و200 مليون برميل (التقديرات الرسمية في كل دولة) وأقل من تريليون حسب تقديرات بعض المتخصصين. وهناك، بطبيعة الحال، احتمال كبير لإضافة احتياطي جديد من أماكن يغلب عليها ارتفاع التكلفة التي قد تزيد عن خمسة إلى عشرة أمثال المعدل الحالي، وعلى وجه الخصوص تلك التي تتواجد داخل البحار العميقة. ومن المستبعد، ولا نقول المستحيل، أن نكتشف في أي مكان في العالم، حقولاً للنفط التقليدي بحجم حقولنا الكبيرة. ولعله من المناسب أن نذكر أن حقل كاشاقان الكبير في كازاخستان الذي كان قد تم اكتشافه في عام 2000 لم يبدأ الإنتاج بعد لأسباب فنية ومالية وجيولوجية.
وهناك ما يُسمى بالنفط غير التقليدي، وهو النفط الثقيل والنفط الصخري أو الرملي ومعظمه في القارتين الأمريكيتين، الشمالية والجنوبية. والأخير يتواجد في الطبيعة في حالة صلبة، وتحويله إلى سائل عملية مكلفة للغاية ومؤذية للبيئة وتتطلب قدراً كبيراً من الطاقة.
وإذا كان لدى البعض من المهتمين بمصادر الطاقة حساسية مفرطة ضد مبدأ ذروة إنتاج النفط، فمن الأفضل، وربما أكثر قبولاً لدى الجميع، التحول إلى تعميم المفهوم من ذروة الإنتاج النفطي إلى ذروة الطاقة بوجه عام وبمصادرها المختلفة، لأن ذلك هو الذي يهم مستقبل المجتمع الدولي. وهناك ما يُشير إلى أن العالم يقترب من حدوث أزمة طاقة، كثبات سعر برميل النفط عند مستواه الحالي رغم وصول الإنتاج أخيرا إلى 90 مليون برميل مُكافئ في اليوم، وذلك نتيجة لارتفاع مستوى الطلب العالمي.
( الاقتصادية 4 ديسمبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*