ذروة النفط تقود إلى الحرب، الكساد والتحولات الجيوسياسية


خلال الأشهر الأخيرة, رأينا العديد من القصص حول تصور انتهاء ما يعرف بـ ( أزمة الطاقة ) في المستقبل القريب، والآن فكرة أن العالم سيبلغ ذروة إنتاج النفط أصبحت لا وجود لها.
تلك القصص تتحدث عن العثور على كميات كبيرة من النفط في أعماق البحار أو بالقرب من أسفل الغطاء الجليدي في مناطق من القطب الشمالي, أو فيما يسمى بـ ( الفراش الصخري ) في أنحاء العالم.
وفي الآونة الأخيرة، تركز الاهتمام نحو الزيادة السريعة في إنتاج النفط الامريكي الذي يأتي من النفط الصخري أو ما يعرف تحديدا بإسم الخام الخفيف – و توجد حقوله في ولايات داكوتا الشمالية و تكساس , وقبل ان نخوض في تفسير تلك الأقاويل المتفائلة والتي قد تستغرق مدة عقد أو عقدين من الزمن لتفسيرها , يجب أن نحدد ما المقصود من مفهوم ( ذروة النفط ) وما ينطوي عليه من تداعيات خطيرة للتنمية الاقتصادية على الصعيد العالمي, في الوقت الحالي وخلال الأعوام المقبلة.
وذروة النفط هي ببساطة اختصار لأقصى نقطة يتوقف عندها تزايد إنتاج النفط عالميا, يتبعها انخفاض في الإنتاج . مع ملاحظة أننا نتحدث عن تدفق النفط.
هذا غير الكمية المحفوظة تحت طبقات الجليد بالقطب الشمالي و ما في أعماق المياه بالبرازيل أو في الرمال النفطية في ألبرتا بكندا , وإن لم يتم استخراجه و تكريره ونقله إلى خزانات الوقود، فإننا سنواجه نقصا في النفط. و تقلص تدفق النفط  يرجع إلى عدة أسباب , أبرزها هو أن الحقول النفطية القديمة قد أخذت في النضوب ولا يمكن العثور على أخرى جديدة أو استغلالها بالسرعة الكافية .
ويعتقد في الوقت الحالي أن حقول البترول في أنحاء العالم تفقد من 3 إلى 4 مليون برميل يوميا من الإنتاج كل عام بسبب نضوب النفط بالآبار التي يجب أن تستبدل بحقول أخرى جديدة لضمان الحفاظ على مستوى التدفق, وثمة عامل آخر ألا و هو العوائق السياسية للوصول إلى النفط, هذا ربما يتضح ببساطة في سوء الإدارة لشركات النفط الحكومية, وحركات التمرد في بعض الدول, بل وحتى الحروب التي يتسع نطاقها فتعوق الوصول إلى حقول النفط.
هذا كله لا يعد مشكلة , لكن لو أن النفط لم يصل إلى خزانات الوقود في العالم بالسرعة الكافية لدعم استمرار النمو الاقتصادي ـ فستكون لدينا المشكلة. و آخر عقبة هي الزيادة المطردة في تكلفة النفط  والتي تقدر ب 7 % سنويا . ومع كل زيادة, يتم بيعه خارج السوق بأسعار إضافية على المستهلك.
و يمكننا تصور أن الإنتاج العالمي من النفط قد يبلغ ذروته لمجرد بلوغ المستهلكين إلى عدد وافر لا يمكنه تحمل التكلفة.
وهناك حقيقة نجهلها ، وهي أن الدول الرئيسية المصدرة للنفط قد تستهلك نسبة كبيرة من إنتاجها لنفسها , فنسبة الصادرات العالمية تقل بمقدار مليوني برميل يوميا خلال السنوات الأخيرة, ولعل الزيادة المستمرة والمعروفة في كمية النفط التي تستوردها الصين و تليها الهند بدرجة أقل , تبدو وكأنه سيبقى القليل من النفط متاح لاستيراد البلدان الأخرى في عقد آخر من الزمن , أو ما إلى ذلك .
و من المهم أن نفهم الاختلاف بين ما يطلق عليه ( النفط التقليدي ) و ما هو معروف الآن بـ ( الوقود السائل ) بالإضافة إلى الوقود الحيوي و الغاز الطبيعي المسال ونواتج عمليات التكرير للنفط. إن الوقود الحيوي والغاز الطبيعي المسال يعدان من المنتجات المفيدة لأغراض متعددة و لكنهما لا يصلحا للاستخدام مباشرة كبدائل لما يستخدم فيه أنواع الوقود التقليدية وخاصة الأنواع المتعددة من الوقود المستخدم في وسائل النقل.
وكذلك ما يسمى بنواتج عمليات التكرير والتي تدخل كجزء من إمداد وقودنا ، لا تنتج مزيد من الطاقة هي فقط تطلق نواتج أخرى لعمليات تكرير النفط لذلك فإنها تأخذ حيز أكبر في حاوياتها – تشبه الي حد ما عملية صناعة الخبز.
و في الوقت الحالي ، فإن العالم ينتج نحو 75 مليون برميل يوميا من النفط التقليدي بالإضافة إلى 15مليون برميل من السوائل الأخرى القابلة للاشتعال, و بعد الزيادة المطردة في الـ 150عام الماضية ـ والتي توقفت بسبب الحروب, و الكساد الإقتصادي والاضطرابات السياسية في بعض الأحيان ـ نمى إنتاج النفط التقليدي ببطء شديد في السنوات الثماني الأخيرة.
وفي الآونة الأخيرة ، تزايدت إمدادات النفط العالمية القادمة من الولايات المتحدة وكندا. حيث أن إنتاج النفط الأمريكي ، وهو غالبا ما يأتي من حقول النفط الخفيف في ولاية تكساس وولاية داكوتا الشمالية ، قدر بما يقرب من 1,5 مليون برميل يوميا في العامين الماضيين، كما قدر إنتاج الرمال النفطية الكندية بحوالي 400,000 برميل يوميا. وهناك اثنان من أهم العوامل المؤثرة في إمدادات النفط العالمية في السنوات القليلة المقبلة والتي تتعلق بمدي استمرار تدفق إنتاج النفط الخفيف من الولايات المتحدة الأمريكية في حين استمر تدهور الوضع السياسي في الشرق الأوسط والذي سيحد بشكل خطير من صادرات النفط.
إن إنتاج النفط من تلك الحقول المحدودة قد استنزف بشكل سريع مما أدى إلى تراجع إنتاجها ما بين 80% إلى 91 % من الناتج الأولي خلال الأشهر ال24 الأولى. وفي هذه الحالة ، لابد من استبدال حوالي 40 % سنويا من الإنتاج فقط للحفاظ على مستوى التواجد. ويبحث علماء الجيولوجيا المستقلين في توقعات تتنبأ بأن إنتاج النفط الأمريكي الخفيف من الحقول الحالية سيصل إلى ذروته بحلول عام 2016 وأنه سينخفض إلى 700,000 برميل يوميا في عام 2025. لذلك ، فإن إجمالي إنتاج النفط الخفيف من حقول ولاية تكساس وولاية داكوتا الشمالية من المحتمل ألا يتعدى 5 مليارات برميل أي ما يعادل استهلاك حوالي عشرة شهور في الولايات المتحدة.
ومع انزلاق بعض دول الشرق الاوسط إلى الفوضى ، فإن التهديد لصادرات النفط من المنطقة يتزايد بشكل سريع. ومن بين البلدان التي لديها مشاكل خطيرة وحدهما ليبيا والعراق تعدان المنتجان الرئيسيان للنفط. لكن الاضطرابات قد بدأت لتوها ومن المحتمل أن تستمر لسنوات عديدة ، بينما ذروة إنتاج النفط – في الوقت الذي يبدأ الإنتاج العالمي في الانخفاض – ربما يتم إرجاؤه بضع سنوات باستهلاك النفط الخفيف مرتفع التكاليف ، هذه الحقيقة ليست بعيدة علينا وستكون واضحة للجميع في السنوات القليلة القادمة.
– توم ويبل
المصدر
http://www.publicserviceeurope.com/article/3128/peak-oil-down-to-war-depression-and-geopolitical-shifts

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*