ذروة الإنتاج بين المؤيدين والمعارضين


تدور خلال السنوات المتأخرة نقاشات حادة، وأحياناً غير ودية بين مختلف الأطياف التي لديها اهتمام بمصادر الطاقة، حول ما يُطلق عليه “ذروة الإنتاج النفطي”. والمقصود في هذا المقال هو قمة الإنتاج العالمي، وليس ذروة إنتاج حقول بذاتها. ويُخَيَّل إلينا من طريقة الحوار ومن الحماس الذي يتمتع به المتحاورون، أن لا أمل في تقريب وجهات النظر والوصول إلى حل وسط يتفق عليه الجميع. وأحياناً تشعر وكأن الاختلاف في الرأي ناجم عن سوء فهم لما يقصده الطرف الآخر. فالفكرة، ببساطة متناهية، تدور حول ما تبقى من عمر النفط كمصدر رئيس لتوليد الطاقة التي يعتمد عليها نمو الاقتصاد العالمي. وذروة الإنتاج تعني، بمفهومنا، المستوى الذي إذا بلغه مجموع الإنتاج العالمي من النفط يبدأ بعده بالانخفاض التدريجي، رغم الحاجة إلى المزيد، حتى يقترب من النضوب ويصبح إنتاجه دون الجدوى الاقتصادية. وبناء على ذلك، فلا بُد من أن تكون ذروة الإنتاج مرتبطة بكمية الاستهلاك العالمي. فإذا تساوى مقدار الاستهلاك مع أقصى كمية للإنتاج العالمي، فتلك هي الذروة التي تسبق تجاوز الطلب للعرض. وهناك احتمالات كثيرة قد تؤثر في هذه القاعدة إذا ظهر أي منها في وقت مبكر من عمر تساوي الإنتاج مع الاستهلاك. فلو حدث فجأة أن هبط مستوى الاستهلاك بنسب كبيرة بسبب أزمة اقتصادية حادة نتيجة لعوامل خارجية، كارتفاع الأسعار، أو في حالة اكتشاف حقول نفطية ضخمة، (وهذا مستبعد جدا)، لتأجَّل وقت بلوغ الذروة لفترة قد لا تكون طويلة. وهناك حقيقة لا مراء فيها تحت الظروف العادية، وهي أن الطلب العالمي على الطاقة في ازدياد مستمر بسبب ارتفاع مستوى المعيشة وزيادة عدد السكان. فإذا بلغ الإنتاج الذروة فهذا يعني عدم القدرة على تلبية كامل الطلب على الطاقة. وتكون النتيجة أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك ستتسع مع مرور الوقت، ما يستدعي إيجاد مصادر مُتجددة للطاقة لتعويض النقص المتزايد للإمدادات النفطية.
وإذًا، فالذين يقولون بوجوب حدوث الذروة فكرتهم مبنية على أن النفط له نهاية، والذي له نهاية فله ذروة. بدليل أن كمية الإنتاج ترتفع مع نمو الطلب حتى تصل إلى مرحلة قصوى. وبعد فترة زمنية محدودة من الوصول إلى قمة العطاء، تبدأ كمية الإنتاج في الهبوط. فإذا استمر نمو الطلب، كما هو مُتَوَقع تحت الظروف العادية، فسيقود ذلك إلى ارتفاع حاد في الأسعار وحدوث أزمات اقتصادية خطيرة حتى يتم تعويض النقص في إمدادات الطاقة بمصادر جديدة ومتجددة. أما رؤية الطرف الذي لا يقر بأن هناك شيئا اسمه ذروة الإنتاج، ففيها شيء من الغموض. وأغلب الظن أنهم يعتقدون بوجود كميات غير محدودة من المصادر النفطية التي ستظل تمد العالم بما يحتاج إليه من الطاقة، وهذا فيه شيء من الإسراف في التفاؤل. فالمتخصصون في شؤون مصادر الطاقة يعلمون أن ما تبقى من النفط التقليدي، وهو الذي لا يزال يمد العالم بالطاقة منذ اكتشاف النفط، لا يزيد على تريليون ومائتي بليون برميل حسب التقديرات “المُضخَّمَة”، وتريليون واحد حسب تقديرنا. وهناك ما لا يقل عن ثلاثة إلى خمسة تريليونات من النفط غير التقليدي، الذي تزيد تكلفة إنتاجه خمسة أضعاف النفط التقليدي، ويوجد في الغالب كمادة صلبة أو سيولة ثقيلة. وعلى ضخامة الاحتياطي، فإن كمية الإنتاج من غير التقليدي أقل بنسبة كبيرة عن التقليدي. ولا نتوقع أن يصل إنتاجه إلى مستوى يُعوِّض كمية النقص من الإنتاج الحالي على مدى السنين القادمة. أما ظن البعض باحتمال وجود حقول نفطية جديدة في مستوى الحقول الكبيرة المعروفة الآن، من النوع التقليدي، فلا يعدو عن كونه أحلاما وتمنيات لا يجوز أن نأخذها على محمل الجد. نرحب بها إن وُجِدت، ولكن لا ينبغي لنا أن نبني عليها استراتيجيات مستقبل الاقتصاد الدولي.
ومن أهم عوامل الاختلاف في مسألة ذروة الإنتاج، علاقته المباشرة بمصير اقتصاد الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء. والموقف بين الطرفين المتناقضين واضح. فطرف يحاول أن يلفت الانتباه إلى قرب حدوث أزمة طاقة إذا لم تُتخذ الإجراءات الكفيلة بتأمين مصادر جديدة، كالطاقة الشمسية بالنسبة لنا في المملكة، تكون بمثابة رافد للنفط. والطرف الثاني، على النقيض من ذلك، يعتقدون أن الإمدادات النفطية ستستمر تُغطي احتياجات العالم من الطاقة لسنوات طويلة قادمة دون أن يكون هناك نقص يُذكر، على الرغم من احتمال استمرار نمو الطلب. ويتهمون أصحاب الذروة بأنهم إنما يولِّدون الخوف والذعر في نفوس البشر. وهذا الاعتقاد فيه شيء من الصحة، لكنه تحذير مدفوع بحسن النية وخوفاً من أن يُفاجأ العالم بحدوث كوارث اقتصادية تصعب معالجتها.
وهنا يبرز سؤال مهم، أي الموقفين أفضل، وأيهما أكثر ضرراً على مستقبل الشعوب؟ فإن كان الصواب مع الذين يعتقدون بالذروة وحتمية نقص الإمدادات، وهو ما يدعو إلى الإسراع في إيجاد البدائل المناسبة وبالقدر الكافي، فهذا عمل إيجابي، حتى ولو لم يحدث نقص في المشتقات النفطية. والعالم في حاجة إلى البدائل إن عاجلاً أم آجلاً. وما الذي سيحدث لو أننا قبلنا وجهة نظر الذين يستبعدون حصول نقص في الإمدادات النفطية خلال العقود القادمة واعتمدنا على استنتاجاتهم ووثقنا بمرئياتهم، وهو ما يعني عدم الاهتمام بما يخبئه لنا المستقبل؟ ثم اكتشفنا بعد حين أنهم على خطأ، وأن علينا مواجهة مصير محتوم، وهو نقص مفاجئ في مصادر الطاقة يحتاج تعويضه إلى سنوات طويلة وإلى أموال باهظة، في وقت يكون الاقتصاد العالمي خلاله قد تدهور وانتشرت البطالة وعمت الفوضى. فأي الفريقين أحق أن يُتَّبَع، الذي يؤجِّل ما لا يَحتمِل التأجيل بافتعال فرضيات وتبني مجرد تخمينات، أم الذي يكون أكثر واقعية ويميل إلى اتخاذ الحيطة والحذر وتجنب وقوع المفاجآت الكوارثية؟
– عثمان الخويطر
http://www.aleqt.com/2012/10/28/article_705138.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*