ثروتنا النفطية وجِصَّة التمر

قبل أن نسترسل في صلب الموضوع، أود أن أعطي القارئ الكريم نبذة قصيرة عن ”الجصَّة” ودورها في حياتنا في الزمن الماضي، قبل عصر النفط والكهرباء والبرَّادات. فقد كنا نستخدم الجصة كمخزن للتمر الذي كان يمثل نسبة لا تقل عن 70 في المائة من غذائنا اليومي في نجد، قبل زمن الطفرة النفطية. والجصة عبارة عن غرفة صغيرة على شكل مكعب أطوال أضلاعه في الغالب، متر × متر × ارتفاع مترين. وقد يزيد حجمها على ذلك بالنسبة إلى الأسر الكبيرة. وجميع أضلاعه، مع قاعدته وسقفه، مكونة من ألواح الصخر، وتكون متماسكة بواسطة مادة جيرية تسمى ”الجص” نظراً لعدم وجود الأسمنت في ذلك الوقت. وتكون هذه الغرفة المكعبة الشكل مقفلة تمامًا من جميع الجهات، مع وجود فتحة في أعلى الشكل بمقاس 50 سم × 50 سم، بحيث تسمح لدخول الفرد العادي إلى داخلها عند الحاجة إلى جلب كمية من التمر ”المكنوز” فيها. ونعني بكلمة مكنوز هنا كمية التمر المحفوظ داخلها. وعادة يحيط بالفتحة قطعة من القماش لتحفظها من ولوج الغبار أو الحشرات إلى الداخل. وسُمِّيت بالجصة نسبة إلى مادة الجص المستخدم لتماسك الألواح الصخرية. وعادة يوضع فوق التمر الذي داخل الجصة كمية من الأحجار ذات الوزن الثقيل ليكوِّن ثقلا وضغطاً كبيراً على التمر. وللضغط فائدتان. الأولى: أن الضغط على التمر يقلل من حجمه فتزيد كمية المخزون داخل الغرفة. والثانية: أن الضغط الكبير يساعد على تفريغ التمر من الهواء، فيقلل من إمكانية نمو حشرة السوس داخل حبات التمر، الذي عادة ينتج من تعرض المادة الحلوة من التمر للبكتيريا الموجودة في الهواء. وحسب علمنا، فالجصة معروفة في أغلبية المجتمعات النجدية، ولا نظن أن لها وجودا في المجتمعات الأخرى في الجزيرة العربية. وكانت معظم الأسر التي لديها المقدرة المادية تخزن في الجصة ”مؤونة” ثمانية إلى تسعة أشهر من التمر، أو ما يكفي حتى دخول موسم جني ثمر التمر الجديد خلال أيام الصيف. على أنه في حالات كثيرة قد تستنفد العائلة مخزون التمر بالكامل قبل حلول موسم التمر الجديد. وفي هذه الحالة تضطر الأسرة إلى شراء قوتهم اليومي من التمر من المعروض في السوق، وإن كان في معظم الأحوال مكلفا نسبيًّا، وعلى وجه الخصوص عندما لا يكون لدى الأسرة دخل ثابت. وقد تلجأ بعض الأسر إلى الاقتراض، وهو ما يضيف إلى عبء الحياة المعيشية الشحيحة. وكان من أسوأ المواسم التي تمر على المنطقة عندما تهاجمها على حين غرة أسراب الجراد التي تأتي على الأخضر واليابس، وتأكل حتى ثمار النخل، ما كان يتسبب في حدوث مجاعة تعم معظم أفراد المجتمع الصغير في القرى والمدن التي تقع في طريق تلك الأسراب المتوحشة. وإذا كان وقت زيارة أسراب الجراد قريبا من موسم حصاد القمح، وهو أيضا يمثل نسبة 30 في المائة الباقية من المعيشة، ضاعف ذلك من المعاناة المعيشية.
والشاهد هنا، أن معظم الأسر آنذاك كان تعتمد في غذائها اعتمادًا كبيرًا على ما تحويه الجصة من التمر. وبما أن كمية التمر المخزون في الجصة محدودة، فمن الطبيعي أن يكون له نهاية مع استمرار الاستهلاك. وإذا عملنا مقارنة بسيطة بين مخزوننا النفطي القابل للإنتاج وبين مخزون التمر في الجصة، وجدنا أن هناك تشابها كبيرا في النتيجة، إذ كلاهما ينضب. فنحن الآن نستنزف ثروتنا النفطية بلا هوادة، وهي كمية محدودة، بصرف النظر عن حجمها وما يقال عن أنها ستعيش عمرًا طويلاً. فالمهم في الأمر أننا لم نتخذ بعد أي احتياطات أو إجراءات عملية تهوِّن علينا من صدمة النضوب. والفارق الوحيد بين الحالتين هو أن مخزون التمر كان من الممكن بالنسبة إلى الأسر العاملة إعادته وملء الجصة من ثمر الموسم الجديد ليبقي الحياة إلى موسم آخر مقبل. أما الثروة النفطية فليس هناك طريقة لتعويضها وملء مكامنها بنفط جديد. ومع ذلك فنحن، وبقية أشقائنا في دويلات الخليج، نسرح ونمرح حول جصة النفط أو مكامن النفط دون أي مبالاة أو خوف من أن نجد أنفسنا في نهاية المطاف من دون نفط!
وهذا ليس جهلاً منا بحقيقة الأمر وبأهمية إيجاد مصادر للمعيشة بعد نضوب النفط، فنحن – ولله الحمد – مدركون لذلك ونحسب له ألف حساب. لكننا، مع شديد الأسف، لم نفعل شيئاً على أرض الواقع يضمن لنا وجود دخل ولو متواضعا. فنحن مشغولون باستهلاك وإهلاك ثرواتنا الطبيعية المؤقتة ونطلب من وسائل الرفاهية المزيد. كل منا يتكل على الآخر، فتجدنا منقسمين إلى متفائل ليس لديه حيلة ولا قوة، ومتشائم يضرب كفًّا بكف، ولاهٍ لا يفكر إلا في شؤون حياته الحاضرة، والباقون ينظرون بإعجاب إلى ضخامة الدخل الذي يتضاعف بعد كل فترة ويحسبون أنهم محظوظون! وكان الأولى أن يكون إنتاجنا من هذه الثروة الناضبة أقل من حاجة البلاد والعباد حتى نجبر المواطن على العمل المنتِج، لو لا أننا ابتلينا بتحمُّل مسؤولية ما يسمى بالمنتج المرجِّح، وهو التزام أدبي واختياري لسد الفجوة بين المعروض والطلب العالمي على حساب مستقبل أجيالنا.
ومن اللافت للنظر أنك لا تجد أثرًا إيجابيًّا على مستقبل هذه البلاد الاقتصادي للمجالس الاستشارية التي يتسلم أعضاؤها مكافآت خيالية، ولا للجامعات التي كان من المفروض أن تكون موطنًا للبحوث والدراسات الاستراتيجية وعونا لولي الأمر على اتخاذ التوجيهات والقرارات الضرورية التي تحفظ للأمة استمرارية الحياة على ظهر هذه الصحراء وتحمي أجيالهم من نوائب الدهر. ويا ليتنا نتخذ من عصر الجصة عبرة أن لكل شيء نهاية.
– عثمان الخويطر
المصدر
http://www.aleqt.com/2013/07/07/article_768330.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*