وتيرة الاستهلاك المتصاعدة تفقد السعودية مخزونها النفطي خلال عقدين


هل يمكن أن تعجز السعودية عن تصدير كامل نفطها للأسواق العالمية خلال عقدين من الزمن، تفقد أكثر من 93 في المائة من مواردها المالية، وبالتالي عدم قدرتها على الاستيراد لضعف المقدرة المالية؟ لعل الإجابة عن هذا التساؤل ستكون بـ ”نعم” في حال استمر معدل استهلاك السعودية للمشتقات النفطية 8 في المائة، وهو الأعلى في العالم بوتيرة متصاعدة خلال السنوات المقبلة .
ووفقا لتقرير اقتصادي حديث حصلت ”الاقتصادية” على نسخة منه، فإن السعودية إذا استمرت في معدلات الاستهلاك المتصاعدة للمشتقات النفطية، فإنها قد تستهلك جميع ما تنتجه من نفط خلال عقدين من الزمن، أي عجزها على التصدير، وفي الوقت نفسه فقدان ما يقارب 93 في المائة من مواردها المالية، وبالتالي عدم قدرتها على الاستيراد لضعف القدرة المالية، محذرا من الاستهلاك المحلي للطاقة المتزايدة في السعودية وانعكاساته على الصادرات النفطية، وبالتالي على الموارد البترولية للسعودية التي تعتمد على أكثر من 90 في المائة في دخلها على موارد البترول.
وقدر تقرير مركز السياسات النفطية والتوقعات الاستراتيجية صادرات السعودية من النفط خلال العام الجاري بنحو 2,680 مليار برميل بقيمة تجاوزت التريليون ريال، ومتجاوزة بذلك إيرادات عام 2011م بنسبة تقدر بنحو 6 في المائة في المائة، ولكن وفي الوقت نفسه فإن أسعار المنتجات النفطية محلياً من بين أدنى الأسعار في العالم، حيث تستهلك السعودية حالياً من الطاقة أربعة ملايين برميل نفط مكافئ في اليوم، تشتمل على نحو 1,5 مليون زيت خام ونحو 2,5 مليون برميل مكافئ من الغاز، ويبلغ نمو الاستهلاك المحلي معدل 8 في المائة سنوياً وهو الأعلى في العالم.
وأوصى التقرير بالتعامل مع هذا العامل المهم بـ ”الصراحة والشفافية اللازمتين”، و”الاعتراف بشكل علني وصريح” بعامل الندرة النسبية للنفط والإسهام الفاعل في إيجاد الحلول اللازمة لهذه المعضلة التي ستواجه السعودية إذا تركت الأمور دون معالجة، والاعتراف بأن الاستهلاك المتزايد للنفط محلياً هو قضية متشعبة لا يحلها عبر حلول آنية.
ودعا إلى أخذ التقارير الأخرى على ”محمل الجد”، كتقرير ”سيتس جروب” العالمية الصادر في أيلول (سبتمبر) 2012م، وتقرير دار ”تشاتمان” في كانون الأول (ديسمبر) 2011م والذي أشار إلى أن الاستهلاك المحلي للنفط في السعودية إذا استمر على هذا المعدل فإنه سوف يحد من إمكانية التصدير خلال عقد من الزمان، وكذلك تقرير صندوق النقد الدولي عن السعودية لعام 2011م الذي يحذر من أن استمرار الاتجاهات الحالية في الاستهلاك المحلي للنفط سيحد من قدرة السعودية على التصدير.
وهنا يقول الدكتور راشد أبانمي رئيس مركز السياسات النفطية والتوقعات الاستراتيجية ومعد التقرير، إنه بالنظر إلى السعودية ودعمها للمشتقات النفطية فإن الأمر يزداد تعقيداً كونها تعتمد اعتمادا شبه كلي على إيراداتها من تصدير النفط للخارج، فالبترول هو المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة حيث بلغت نسبته من إيرادات الميزانية لهذا العام 93 في المائة.
وتابع أبانمي أنه في الوقت نفسه، فإن تكلفة إنتاج البترول متدنية جدا ما يجعل الحكومة تبيعه محلياً بسعر تكلفة الإنتاج وهذا يتسبب بخطورة اقتصادية عظيمة تتفاقم يوماً بعد يوم، فالعالم الآن ولأسباب جوهرية يواجه محدودية في إنتاج النفط الخام ويأتي في مقدمتها تقلص الاحتياطيات النفطية ووصول الحقول في بعض الدول المنتجة إلى ذروة إنتاجها النفطي بالتزامن مع التراجع المستمر والانخفاضات المتوالية في إنتاج الدول من خارج أوبك ومحدودية القدرة على الإنتاج، وبالتالي توقعات مستقبلية بنقص في العرض في مواجهة وتيرة الطلب المتنامي للنفط.
وقال أبانمي إن الاحتياطيات تكون عبر آلاف السنين في مكامن أو فقاعات كبيرة في باطن الأرض وهو غير قابل للزيادة، ويستنفد أو ينضب حال استخلاصه من مكمنه، ولذا فهو يتأثر بالعوامل الفنية ووسائل الإنتاج التي تستخدم في استخراجه، وعليه فإن نضوب هذا المورد الطبيعي هو استنفاد الاحتياطي بعد استخراج النفط الموجود في المكمن، كما هو الحال في البحرين ودبي مثلاً اللتين كانتا من منتجي ومصدري النفط في الماضي وتقلص إنتاجهما إلى حدوده الدنيا.
وأضاف أن النضوب لا يعني فقط استنفاد الاحتياطي ”وهو المهم جداً، بل يشمل هذا المفهوم كذلك ارتفاع تكاليف الاستخراج عن قيمته نظراً للوسائل والطرق التي يتم على ضوئها إنتاجه، ففي سلطنة عمان مثلاً فإن الماء المستعمل في حقن الآبار البترولية للمساعدة على استخراج النفط من الآبار قد بلغ امتزاجه مع النفط الآن داخل أكبر حقل في سلطنة عمان إلى نحو 90 في المائة مختلط مع النفط، ما يجعل الإنتاج منخفضاً وتكلفته عالية جدا، كما أن بعض الدراسات تشير بأن الإنتاج النفطي في السعودية قد بلغ الذروة أي انه سيبدأ في الانخفاض مستقبلاً”.
وبالرغم شكوك البعض في صحة نظرية الذروة فإنها حقيقة جوهرية وفقا لأبانمي، ”ويجب الاعتراف بها وعدم تجاهلها أو التقليل من شأنها. فلننظر لما حولنا وأخذ العبر، ففي أكبر الدول المنتجة للنفط والتي تتميزا بشفافية عالية كأمريكا وبريطانيا، تبين سجلات الإنتاج النفطي الأمريكي أنها قد سجلت منذ عام 1970م إنتاج بلغ ذروته بـ 9.6 مليون برميل يومياً، ثم بدأ بالهبوط منذ ذلك التاريخ تدريجيا حتى وصل خلال عام 2011م بحده الأقصى إلى نحو 5,5 مليون برميل يومياً”.

احتياطات وفائض الإنتاج
يرى أبانمي أن القطاع النفطي في السعودية تنقصه الشفافية ويتميز بسرية تامة وتحفظ على المعلومات المتعلقة بشؤون النفط، ”وإذا وجدت فإنها ناقصة بل متناقضة ولا يمكن الاعتماد عليها.
فعلى سبيل المثال التقديرات لاحتياطي السعودية التي لم تعاد تقديراتها الاحتياطية ولم تتغير منذ ربع قرن بالرغم من المتغيرات المتعلقة باستكشاف واستخراج النفط والقدرات الفنية في تقدير حجم المتاح والقابل للاستخراج من النفط المتطورة جدا”.
وقال التقرير إنه ومنذ عام 1988م وشركة أرامكو السعودية لم تعد تقديراتها الاحتياطية، والتوقعات المتعلقة تشير إلى عدم اكتشافات كبيرة من حقول النفط في السعودية، بالرغم من البحث في كل الأماكن والمواقع المحتملة إضافة إلى أن الآبار القديمة والعملاقة بدأت مكامنها البترولية تضعف في ظل الإنتاج بالحدود القصوى، وفي غياب الشفافية تغيب المعلومات الدقيقة التي يمكن يُبنى عليها تحليلات دقيقة.
وتابع التقرير: ”لكن في ضوء الحقائق العامة فإنه في ظل ارتفاع الطلب المتنامي على النفط وتسارع الإنتاج إلى أعلى من قدرة المكمن الاستيعابية ينتج عنه محدودية القدرة على الإنتاج من قبل الدول المنتجة كلما زاد معدل استخراج النفط، بينما تزداد تكلفة الاستخراج كلما امتد الاستخراج إلى مخزونات أو احتياطيات ذات جودة أو نقاء أقل. كما أن بعض المتمسكين بفرضية (الذروة النفطية) يحذرون من أن إنتاج السعودية للنفط قد بلغ ذروته عام 2005م وأنه سيتراجع إلى النصف بحلول العام 2030م”.
ويقول أبانمي إن أهمية هذه الحقيقة تكمن في أن عامل النضوب أو الندرة النسبية له آثاره السلبية في المنتجين والمستهلكين على حد سواء، فقد أشارت تقارير مؤسسات متخصصة في هذا الشأن كـ ”سيتي جروب” العالمية الأخير إلى أن السعودية إذا لم تغير من نمط استهلاكها المحلي للنفط، فإنه لن يبقى لها من النفط ما تصدره في العام 2030 م، كما ذكر تقرير صندوق النقد الدولي عن السعودية لعام 2011م أن أسعار المنتجات النفطية من بين أدنى الأسعار في العالم، وأن نمو الاستهلاك المحلي من الطاقة إذا استمر في الاتجاهات الحالية فسيساهم في الحد من قدرة السعودية على التصدير.

أسعار المحروقات المدعومة محلياً
يُشير التقرير إلى أن هنالك معضلة كبرى في السعودية تبدأ من منطلق أن سعر البنزين أرخص من سعر ماء الشرب، وأن الدعم الحكومي للطاقة يتجاوز 130 مليار ريال سنوياً، وحسب التقارير فإن الاستهلاك المحلي للطاقة هو الأعلى عالميا ويرتفع بمعدل 8 في المائة، وإذا استمر الاستهلاك بهذا المنوال فسيبلغ الاستهلاك المحلي عام 2030م 8,5 مليون برميل يومياً.
ويؤكد التقرير أن ”الواجب يحتم علينا الشروع بالعمل بشكل فوري على تطوير أنظمة المواصلات العمومية وتنظيمها لجعلها أقل تكلفة وزيادة الطرقات المخصصة للنقل العام، والذي سيوفر بدائل ملائمة تجعل الناس أمام خيار التخلي عن سياراتهم الخاصة، التي ستكون أكثر تكلفة من تلك البدائل التي تتوافر في أنظمة النقل العام وخدماته، كما يتوجب وضع رسم تنمية موارد مواصلات على رخص تسيير السيارات وفقا لهيكل متدرج طبقا لموديل السيارة ومعدل استهلاكها للوقود للحد من انتشار السيارات القديمة أو السيارات ذات الاستهلاك العالي للوقود”.
ودعا التقرير إلى تخفيض الرسوم الجمركية أو إلغاؤها على السيارات ”الهجينة – الهايبرد” التي تعمل على الكهرباء والبنزين، ومنع استخدام السيارات الحكومية ذات الدفع الرباعي وشطب السيارات التي يزيد عمرها على 20 سنة والسيارات ذات السعة التي يزيد حجمها على 3000 سي سي، بهدف توفير كلفة استخدام البنزين، كما دعا إلى تنظيم صارم لاستخدام السيارات الحكومية في العمل الرسمي ومراقبة ومتابعة حركة السيارات الحكومية والحد من كروت المحروقات المجانية، الأمر الذي يسهم في ترشيد وضبط الاستهلاك ”المفرط وغير المسؤول”.

الحلول والمقترحات
لفت التقرير إلى تفعيل الشفافية في القطاع النفطي ”وإيجاد جهاز رقابي فعال ليراقب تفعيل الإجراءات المتعلقة بالنفط ومشتقاته التي تتخذها الحكومة على نفسها وشركات المنافع الأخرى المدعومة منذ عقود من الزمن، لتحسين كفاءة الطاقة ومن خلال البدء التدريجي بإلغاء الدعم الحكومي للوقود عن الشركات، كشركة الكهرباء ومؤسسة التحلية، وكذلك رفع الدعم عن اللقيم الغاز للشركات البتروكيماوية التي تستهلك كل ما تنتجه المملكة من الغاز والبالغ نحو مليونين ونصف المليون برميل مكافئ من البترول في اليوم”.
وقال إن تزايد استهلاك شركة الكهرباء والتحلية وكذلك الشركات البتروكيماوية يعود إلى السعر الزهيد لبرميل النفط وأسعار الغاز اللقيم المتدني الذي تمنحه الحكومة لشركه الكهرباء ومؤسسة التحلية والبالغ خمسة دولارات للبرميل، والغاز والذي يبلغ (70 سنتا لكل قدم مكعبة)، في حين أن البرميل نفسه من النفط يباع بـ 116 دولارا، وكأن الدولة تمنح أو تشجع شركه الكهرباء ومؤسسة التحلية بمبلغ 111 دولارا عن كل برميل يستهلكونه لإنتاج الكهرباء والماء.
وحسب التقديرات فإن ”الكهرباء” فقط والتي تدفع خمسة دولارات للبرميل الواحد من النفط الذي تستعمله في محطاتها مقارنة بسعر برنت العالمي البالغ 116 دولارا حاليا، ويعني ذلك أن الحكومة تفقد سنويا إيرادات قدرها 80 بليون دولار بسبب استعمال النفط لتوليد الطاقة بدلا من تصديره، أما الغاز الذي تبيعه الحكومة للمصانع البتروكيماويات بـ 70 سنتا لكل ألف قدم مكعبة منذ ما يزيد على 30 سنة فإن سعره العالمي 3,7 دولار.

إلغاء الدعم الحكومي
طالب التقرير بوضع سعر عادل للنفط أي بالسعر العالمي لكل من ”الكهرباء” و”التحلية”، وفي حال رغبت الدولة في تقديم إعانات لهاتين المؤسستين فثمة لذلك، ولكن منح النفط الخام بسعر زهيد – كما يحدث الآن – يشجعهما على عدم البحث عن أفضل الطرق لترشيد استهلاك النفط، ”فالآلات والمولدات المستخدمة في كل من التحلية والكهرباء قد انتهى عمرها الافتراضي ما يعني استهلاك مفرط للنفط، لكن الهيئتين – التحلية والكهرباء – لا تفكران في استبدالها أو تحديثها، باعتبار أن ذلك يكلفهما أعباء مالية إضافية، لذا فإنهما لا يجدان حرجا في استهلاك النفط طالما أنهما يحصلان عليه بأسعار رمزية، فهذه الآلات والمولدات تستهلك أضعاف ما تستهلكه الآلات الحديثة، وأسعار الطاقة الرخيصة لا يدفعهما إلى اتباع عمليات تحديث وتطوير في مشاريع الإنتاج والتشغيل، وفي حال اضطرتا لشراء النفط بأسعاره عالميا، فإنهما بالتأكيد ستعملان على إتباع عمليات الترشيد في الاستهلاك، بدءاً باستبدال الآلات المستخدمة في عمليات الإنتاج والتشغيل بهدف ترشيد استهلاك النفط في عملياتهما والذي سيقلص استهلاكهما من النفط إلى النصف، كما أنهما ستلجآن إلى البحث عن بدائل أخرى أقل سعرا من النفط، كالتوسع في استخدام الطاقة الشمسية أو الرياح، أو حتى الاستثمار في الطاقة النووية في عمليات الإنتاج والتوليد، ومحاولة الاستثمار في البحوث والتطوير في هذا المجال، ما يفتح آفاقا استثمارية أخرى ويشجع هاتين المؤسستين المهمتين في هذا المجال، ولا يخفى على أحد أنه إذا استمرت الدولة في منح الكهرباء والتحلية النفط بأسعار زهيدة، فإن الدولة ستجد نفسها مساهمة بشكل مباشر في زيادة الاستهلاك المحلي للنفط، وبشكل غير مباشر في الحد من عمليات التطوير والتحديث لإيجاد بدائل لإنتاج الطاقة في هاتين المؤسستين”.
أما بالنسبة لشركات البتروكيماويات فيدعو التقرير إلى ”ربط دعم الغاز الممنوح لصناعة البتروكيماويات المحلية بمدد محددة، لرفع الدعم تدريجياً حتى تحقق الشركات ربحيتها على أسس تجارية، وإذا كان الدعم وتقديم الغاز بسعر خاص وثابت، ربما يكون مقبولاً في المراحل الأولى لصناعة البتروكيماويات حتى ينهض القطاع الصناعي ويستطيع الاعتماد على نفسه، إلا أن سياسات الدعم يجب أن تكون مرتبطة بمدة محددة كي تتحقق التنافسية العالمية اعتمادا على قدرات القطاع الصناعي الداخلية لا الدعم الحكومي، ففي الوقت الذي تدعم فيه صناعة الغاز الطبيعي عدداً من القطاعات الأساسية مثل البتروكيماويات ورفع طاقتها، فترى أن الصناعات المدعومة بسعر الغاز المتدني في المملكة تبيع منتجاتها محليا بالأسعار العالمية، ويبقى المواطن هو المتضرر الوحيد”.
وبحسب التقديرات فإن معدل استهلاك الفرد في السعودية من النفط قد بلغ أرقاما خطيرة، وتشير التوقعات إلى أن النمو في معدل الاستهلاك سيستمر بوتيرة تفوق النمو السكاني مستقبلا بسبب النسبة العالية لصغار السن بالمجتمع وزيادة الإنفاق الاستهلاكي المتوافق ارتفاع معدل دخل الفرد وان الطلب سينمو بمعدل بمستوى يصل إلى 8 في المائة في وقت الذروة خلال السنوات المقبلة، ما يوجب اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر والقيام بدراسات وإجراءات جذريه لتفادي هذه المشكلة، إضافة إلى تشجيع استخدام وسائل الطاقة المتجددة ودعم معدات ووسائل الطاقة المتجددة والعمل على ترشيد استهلاك الطاقة في المشاريع الحكومية.
– عبد العزيز الفكي
http://www.aleqt.com/2012/12/26/article_719884.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*