لا تقلقوا.. فليس للنفط نهاية


هذا ما يقوله ويصرُّ على تأكيده إخوان لنا في المواطنة وشركاء معنا في المصير. ونحن نتمنى لو أن ذلك هو الواقع، فنريح ونستريح. ومجرد القول المطلق إنه ليس للنفط نهاية، ففيه شيء من الصحة. فالنفط، لطبيعة تكوينه داخل مسام الصخور، سيظل يتسرب عبر المنافذ الصخرية الميكروسكوبية لقرون عديدة، ولكن بكميات تتضاءل مع مرور الوقت حتى تصل الحد الأدنى للجدوى الاقتصادية. ولكن ليس هذا ما يقصده أصحاب نظرية دوام الإمدادات النفطية، وهم في الغالب من غير المتخصصين في هندسة الإنتاج، ويستسقون بعض معلوماتهم من مصادر تُصدِر دراسات دورية حول مستقبل مصادر الطاقة في العالم. ومعظم تلك المصادر تعمل لحساب جهات معينة لها مصالح خاصة، وربما أنها لذلك تُحدد الهدف قبل إظهار النتيجة، ناهيك عن كونها تأتي كل عام بتنبؤات تختلف عن سابقتها. وأغلب الدراسات التي تُصدرها الهيئات المعنية عن مستقبل النفط، نلاحظ أنها تكون مبنية على أرقام الاحتياطي النفطي المُعلَن من قِبل الدول المنتجة، وهي معلومات تنقصها الشفافية وتتميز بعدم الدقة والمصداقية. وهذا لا يتلاءم مع الغرض الأسمى لعمل تلك الدراسات المهمة، وهو متابعة ومراقبة توافر المصادر الدائمة للطاقة حتى لا يفاجأ العالم، على حين غرة، بحدوث نقص حاد في الإمدادات تكون عواقبه كارثية. وهنا تأتي أهمية صحة المعلومات التي تُبنى عليها الدراسات الاستراتيجية. والنتيجة المؤكدة من تطمين الشعوب والمسؤولين بأن مصادر الثروة النفطية ستدوم كما هي لعقود طويلة، فهذا دون أي شك سيثبِّط الهِمَم ويكبح جماح الطموح ويزيد من حُمَّى الاتكال على المصادر النفطية القابلة للنضوب. ولا يغرنكم ما يتداوله الإعلام هذه الأيام عن غزارة غاز ونفط السجيل في أمريكا، فهي لا تمثل شيئاً يُذكر بالنسبة لكمية النضوب الطبيعي لحقول النفط التقليدي، ثم أننا لسنا معنيين بها ولا بمستقبلها.
ونود أن نوضح مسألة غاية في الأهمية حول الحديث عن نضوب النفط، حتى يكون القارئ على بينة من الأمر عندما تصل هذه الجملة المرعبة إلى مسامعه. فالمقصود بالنضوب هنا هو انخفاض كمية الإنتاج إلى المستوى الذي يقل فيه الدخل من الثروة النفطية عن احتياجات الميزانية العامة للدول التي تعتمد بنسبة كبيرة على الدخل النفطي. ومن الطبيعي أن يكون ذلك بداية لنقص مزمن تزداد حدته مع مرور الوقت. وهذا هو ما نتوقع حدوثه خلال عقود قليلة، مما يُحتم علينا من الآن اتخاذ الحيطة بإيجاد مصادر جديدة للدخل، وهو ما لم نقم بتفعيله حتى الآن. وهذا هو المغزى من وراء تأكيدنا على أهمية الاستعداد لأسوأ الاحتمالات. أليس من الأفضل لنا أن نكون أكثر وعياً وأبلغ إدراكاً لما تتطلبه مصالحنا القومية؟ فلا يمكن بحال من الأحوال أن نقارن مستقبل وضعنا الاقتصادي الحالي مع دول لديها إمكانات اقتصادية مستديمة وخطط مدروسة وبُعد للرؤية وشعوب مُنتِجة.
ولعل الأمر يختلط على البعض عندما تتحدث الدراسات الخاصة بمستقبل مصادر الطاقة عن الاحتياطي النفطي العالمي الكبير الثابت وجوده والقابل للإنتاج، والذي قد يصل إلى أكثر من خمسة تريليونات برميل. منها تريليون فقط من النوع التقليدي ذي التكلفة الرخيصة من نوع نفط الخليج، وهو الذي يغذي العالم بالطاقة منذ اكتشاف النفط. وتعترف وكالة الطاقة الدولية، وهي إحدى المؤسسات التي ينقل عنها كثير من المحللين، أن النفط التقليدي قد بلغ ذروته قبل عدة سنوات، وأن مستوى إنتاجه الآن على وشك الهبوط. أما غير التقليدي، وهو القسم الأكبر من النفط المتبقي، ويتميز بارتفاع التكلفة وصعوبة استخراجه وقلة إنتاجه، فلا يمكن أن نعول عليه كبديل للتقليدي، بل هو رافد لما تبقى منه. وبمعنى أكثر وضوحاً، نؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن إنتاج النفط غير التقليدي، على ضخامة الاحتياطي الثابت وجوده، لن يستطيع تعويض كامل النقص الذي سينتج من النضوب الجزئي للنفط التقليدي. فلا بُدَّ إذاً من إنشاء مرافق لمصادر الطاقة المتجددة في أسرع وقت ممكن قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة حرجة نتيجة النقص المتوقَّع في إمدادات الطاقة. وهناك حقيقة يجب ألا تغيب عن بالنا، وهي أن العالم الآن يستنزف نفطنا نظرا لسهولة إنتاجه وتدني تكلفته. وفي الوقت نفسه، فهم يخططون للالتفات مستقبلا إلى إنتاج النفط غير التقليدي الذي ليس لنا منه نصيب. ولذلك فليس من المنطق أن نقع في الفخ ونشاركهم الرأي بأن عمر النفط طويل، كما يعتقد بعض إخواننا. فنحن يهمنا فقط متى ينضب نفطنا الذي هو مصدر معيشتنا.
والشاهد هنا، أن علينا أن ندرك أن مصيرنا مرتبط بدوام النفط التقليدي الذي ينبع من أرضنا، فإذا انتهى انتهينا معه، ولا لنا علاقة على الإطلاق بما يسمى الاحتياطي العالمي الكبير وأنواع النفوط الأخرى التي تتواجد خارج بلادنا، خصوصاً أن العالم مُصِرُّ على استهلاك نفطنا أولاً وبكميات تفيض عن حاجتنا. فهل يسوغ لنا بعد هذا أن ندَّعي أن النفط ليس له نهاية، وكم من الدول التي كانت إلى عهد قريب تنتج النفط بكميات كبيرة وتصدر الفائض عن حاجتها، وأصبحت اليوم تستورد الوقود. ومن عجيب المفارقات أنها كانت في يوم ما تبيع فائض إنتاجها بأسعار تقل عشرة أضعاف عن السعر الحالي. والآن هي تدفع ثمن سوء التخطيط وقصر النظر. وبدلاً من أخذ العِبَر، فنحن لا نزال نراوح مكاننا، ونتجادل فيما بيننا حول عمر النفط.
– عثمان الخويطر
http://www.aleqt.com/2012/11/18/article_710526.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*