هل نحن غافلون أم تائهون؟

يا تُرى، هل بيننا من لا يدرك أننا ”عايشون بالعافية” على دخل مصدر واحد قابل للنضوب، ونحن نتمتع بكامل قوانا العقلية؟ إذا كان هناك من بيننا مَن لم يهضم هذه الحقيقة المُرَّة، فهو دون شك يعيش في عالم آخر. نعم، إنهم موجودون، وعلامة وجودهم كتاباتهم في الصحف اليومية، مهللين ومكبرين لكل برميل نفط يُنتَج فوق حاجتنا. ومع شدة الدهشة نقول بصوت مبحوح، يا ليتهم سكتوا. فالقول المأثور، إذا بُليتم فاستتروا. هم لا يرون بأساً في استنزاف الثروة التي ليس لها تعويض ولا يقلق بالهم ما ستؤول إليه الأمور إذا لم نقتصد في جميع أمور حياتنا، ولا تراهم يدْعون إلى إيجاد بديل مناسب من المصادر المتجددة تكون رفداً لما تبقى من المخزون النفطي وبديلاً عنه في العقود المقبلة إذا دعت الحاجة إلى ذلك بعد – إن شاء الله – عمر طويل، من أجل مستقبلٍ أفضل للقادمين من أجيالنا.
نعم، هناك الكثيرون من أبناء هذه الأمة الذين لا يدركون خطورة الوضع الذي نحن فيه، ولا يُخيَّل إليهم أو يخطر على بالهم أننا نوشك أن نصبح فقراء أو ربما مُعدمين ونعود إلى حال هي أسوأ بكثير مما كنا عليه قبل عصر النفط، بعد أن كنا لفترة من الزمن أغنياء ومبذرين. وتلك الفئة مع شديد الأسف يغلب على تصرفاتها تفاؤل أكثر مما يجب، ويعتقدون أن الأمور بخير ولا داعي للقلق وشِيل الهم. وهذا شيء جميل لو أن في الأفق ما يبشر بوجود خطط فاعلة للعمل من أجل حياة لا تعتمد على مصادر ناضبة. لكن ذلك، حسب علمنا، لا أثر له ولم نر مجهوداً جادًّا يقود إلى هذا الاتجاه. بل العكس هو الصحيح، فكل ما نشاهده اليوم لا يعدو عن كونه ترسيخاً لمبدأ الاتكالية والبحث عن مزيد من الرفاهية والتخمة وصرف المال بسخاء مُفرط على مشاريع غير ذات إنتاجية. وإحقاقاً للحق، نقول إن هناك محاولات تُبذل من جانب بعض المسؤولين ضمن الخطط الخمسية، لكنها لا تتعدى كونها توصيات ”لمن يهمهم الأمر”، ولا تجد طريقها للتنفيذ لأنها تحتاج إلى بذل جهد كبير ومتابعة مضنية وبُعد في الرؤية، وهذه أمور نفتقدها في مجتمعنا. بل هي مشقة لا يستطيع أن يتحملها إنسان تربى منذ نعومة أظفاره على الاعتماد على الغير في معظم شؤون حياته. وإذا أردنا أن نوجد جيلاً جديداً يتحمل المسؤولية فعلينا أن نُغير من نمط حياتنا المليئة بالإسراف والركون إلى الراحة ونخدم أنفسنا بأنفسنا ونعيش حياة ممزوجة بقليل من التقشف المقبول وبشيء من حسن التدبير مثل بقية البشر، لعل الله يبعث من أصلابنا أجيالاً تأخذ على نفسها الاعتماد على الله ثم مجهودها الذاتي من أجل كسب معيشتها. وحاولنا مراراً وتكراراً ضرب المثل من واقع الشعوب الحية التي عرفت كيف تشق طريقها إلى النجاح، معتمدة على الله ثم على سواعد أبنائها ونتاج عقولهم حتى وصلوا إلى مراكز متقدمة في النمو والرقي، رغم وجود الكثير من العوائق الجوهرية في طريق نهضتها. وبعضها بدأ مما يُقارب الصفر ونجحوا نجاحاً باهراً بقوة العزيمة والتخطيط السليم. ومن باب الشواهد، نذكر بلداناً مثل اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا وتركيا، بعضها كانت قد دمرتها الحروب الإقليمية والعالمية. والآن هي تسابق على المقدمَّة.
أما نحن، فسباقنا مُنحصر في المباهاة وفي حب المظاهر والتبذير الذي ما أنزل الله به من سلطان، على الرغم من علمنا أننا نعيش عالة على المداخيل الحكومية التي تصُبُّ علينا دون مجهود يُذكَر. ويكفي أن أسواقنا وبيوتنا ومرافقنا الصناعية والخدمية تعج بملايين العمالة الوافدة التي تكوِّن نسبة تقرب من 50 في المائة من مجموع السكان. وهذا رقم مخيف إذا عرفنا أن نسبة كبيرة من أهل البلاد عاطلون أو شبه عاطلين لتدني إنتاجهم واعتمادهم في معظم شؤون حياتهم على العمالة الأجنبية، حتى في الأمور التي لا تحتاج إلى أي نوع من المهارات مثل عمليات البيع والشراء. وأصبحنا أمة مستهلكة بكل المقاييس. وكأننا مستكثرون ما لدينا من المال ونبحث عمن يشاركنا في إهلاكه. ثم نجد أنفسنا بعد فترة من الزمن نبحث عمن يمنُّ علينا بما يسد الرمق! هذه ليست خيالات أو تخيلات، فهي حقيقة يعرفها كل إنسان ذي عقل سليم ورؤية بعيدة ثاقبة، وهي سنة الحياة. لكن كما يقول المثل: لو خلِيت لخربَت! فلا بدَّ من أن هناك بيننا من لديهم الرؤية المتكاملة ويملكون قسطاً كبيراً من الحماس لمستقبل أفضل. لكنهم – مع الأسف – تنقصهم السلطة، أي أنهم لا يملكون من صنع القرار ولا النزر اليسير. لذلك فوجودهم مثل عدمه. وبلادنا ومستقبلنا في حاجة إلى اتخاذ قرارات مصيرية تقوم بتعديل مسار حياتنا من الطريق المؤدي إلى الهاوية – لا قدر الله – إن نحن أصررنا على المضي في الاتجاه الذي يستهلك ولا ينتج. والاختيار الأفضل هو إيجاد بدائل للثروة النفطية في وقت مبكر وخلق مصادر موازية للدخل تعتمد على الله ثم على مجهود المواطن ليشعر بأنه شريك في التنمية. وقد ذكرنا في أكثر من مناسبة أن صناعة الطاقة الشمسية هي من أفضل المشاريع التي لها مستقبل باهر على ظهر هذه الصحراء القاحلة والخالية إلا من الشمس. وتمثل مصدرا مثالياًّ للدخل الموازي إلى جانب دخل الثروة النفطية الناضبة. ومن فوائد مشاريع الطاقة الشمسية بالنسبة إلى المواطن توفير الكثير من الوظائف.
– عثمان الخويطر
المصدر
http://www.aleqt.com/2013/05/19/article_756742.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*