لنتذكر دوما أن دخلنا مؤقت

والمقصود دخلنا من النفط. قبل عصر النفط، كان آباؤنا وأجدادنا يعيشون في مستوى معيشي منخفض جدا. كانت صفة الفقر صفة تسود بين السكان، إلا أن الأوضاع تغيرت وانقلبت بعد النفط. مَنَّ الله علينا بالثروة النفطية، ففتحت علينا الدنيا من أوسع أبوابها.
ومن المؤكد إنما أصاب البلاد من ازدهار وعمران، ما كان له أن يصير، بعد فضل الله، بدون دخل النفط. لكن حدوث هذا الازدهار، يجب ألا يعمينا عن النظر في طبيعته الوقتية وليس الراسخة؛ لأن المحرك له النفط، وهو وقتي ومصيره إلى النضوب.
تلك قضية مهملة من المجتمع، وأعني بذلك السواد الأعظم من أفراد المجتمع. الناس إلا قليلا تطلب ما لها، لكنها تتجاهل ما عليها، بل تتجاهل عمليا الخلاصة التي انتهت إليها عدة دراسات تقول إن وفرة الموارد لا تعني تحقيق نمو اقتصادي متين. كما أن البيانات الإحصائية للدول النفطية خلال العقود الثلاثة الماضية لا تشير إلى أن وفرة الموارد النفطية كان لها تأثير قوي في تحقيق نمو اقتصادي راسخ مستمر.
تأثير الموارد النفطية (والطبيعية عموما) على النمو الاقتصادي يتسم بالتعقيد وتضارب التأثير. ذلك أن وفرة الموارد تصنع قنوات تأثير إيجابية وقنوات تأثير سلبية. وغلبة أحد التأثيرين على الآخر مرتبطة ومعتمدة على عوامل مستقلة عن وفرة الموارد ذاتها.
في نظر ثلة من المحللين والباحثين الاقتصاديين الذين درسوا الظاهرة جيدا، فإن أهم هذه العوامل متصل بقدرات الدولة (المقصود طبعا شعبها) على كيفية الاستفادة من الموارد، وهذه الكيفية مرتبطة بالتعلم والاستفادة.
بدراسة تاريخية للنمو الاقتصادي في عدد من الدول مثل اليابان وروسيا وهولندا وإسبانيا خلال القرنين الماضيين تبين أن الدول ذات الموارد الطبيعية الأقل حققت نموا اقتصاديا أعلى. ويبدو هذا بصورة أوضح فيما يخص موارد الأرض، حيث إنها عنصر أساس للزراعة.
دراسات أجريت عن فترات تخص عقودا قريبة دلت على أن كثافة الصادرات من المواد الأولية تضعف النمو الاقتصادي. تم التوصل إلى هذه النتيجة من قبل باحثين درسوا بيانات عن احتياطات النفط والمعادن، وانتهوا إلى أن الوفرة فيها لم تكن عنصرا هيكليا مهما للنمو الاقتصادي خلال ثلاثة عقود، ابتداء من سبعينيات القرن الماضي، حيث ارتفعت أسعار النفط أكثر من 1000 في المائة خلال عقد السبعينيات.
النتيجة التي تم التوصل إليها هي أن الأهم هو ماذا تفعل الدول بمواردها. وهذه النتيجة يمكن بناؤها على نمط التعلم والاستفادة وخاصة فيما يعني لتطوير تلك الموارد.
عملت تحليلات للارتباط الجزئي بين الأرض والثروات المعدنية، وعدد من محددات النمو الاقتصادي، وقد بينت هذه التحليلات أن الواقع يتسم بالتعقيد. الأرض – وهي بالطبع إحدى الثروات الطبيعية – ترتبط سلبيا بمحددات النمو الاقتصادي، أي أن كبر مساحة أرض الدولة كثيرا ما تكون عامل صعوبة في تحقيق النمو الاقتصادي.
لكن موارد النفط والغاز والموارد الطبيعية (خلاف الأرض) بصفة عامة تؤثر إيجابيا وتوثر في النمو الاقتصادي من خلال قنوات إيجابية وقنوات سلبية. فمن جهة تتوافر الموارد المالية لبرامج تنموية، وهذا يترجم، على سبيل المثال، بإنفاق استثماري مرتفع نسبيا، وارتفاع نسبة الالتحاق بالتعليم.
لكن في المقابل، أعراض ما يسمى المرض الهولندي تظهر بوضوح مع وفرة الموارد الطبيعية كالنفط والغاز.
المرض الهولندي يقصد به بعبارة مبسطة جدا تضرر قطاعات إنتاجية، من جراء تأثير الدخل الناتج من الموارد الطبيعية. استخدمت النماذج الاقتصادية لفهم وتفسير أحداث اقتصادية وجدت فيها قطاعات منتعشة صاحبها آثار توازنية معاكسة على قطاعات أخرى. وبتعبير آخر، ازدهار قطاع يحدث فائض طلب، ومن ثم زيادة الأسعار النسبية للخدمات مقارنة بأسعار السلع القابلة لأن تستورد، وهذا يعني ارتفاع أسعار الصرف الحقيقية، وارتفاع معدلات الربح في الخدمات. وهذا عامل رئيس في دفع المستثمرين إلى استثمار أموالهم فيها، أكثر من استثمارها في إنتاج ما يمكن استيراده. مصلحة البلد على المدى البعيد لا تتفق مع هذا التوجه، لكن الناس عن هذا غافلون.
د. صالح السلطان
المصدر
http://www.aleqt.com/2013/09/30/article_789496.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*