هل اصبح زوال عصر النفط الخام وشيكا؟

بقلم – وسام الشالجي – خبير نفطي
كانت كل الحسابات الموضوعة الى قبل عدة سنوات تشير الى أن عصر استخدام النفط الخام في العالم لن ينتهي قبل أواسط النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين , وان عصر استخدام الغاز الطبيعي لن ينتهي قبل بداية القرن القادم . الا ان تسارع وتيرة ظاهرة تغيرات المناخ في كوكبنا الارضي والتي يعتبر حرق النفط الخام ومشتقاته هو احد اهم مسبباتها , وتفاقم اثارها التي حصلت خلال العشر سنوات الاخيرة قد دق ناقوس الخطر بأعلى صوت ممكن منذرا بضرورة ايجاد حل لهذه المشكلة في موعد لايتجاوز عام 2020 او 2025 على ابعد تقدير . ان هذا الموعد هو حرج للغاية لان اي حل او علاج سيتخذ لحل هذه المشكلة بعد هذا الاجل لن يكون مجديا ابدا لان نسبة غاز ثاني اوكسيد الكربون في الجو ستبلغ عندها حدودا لا يمكن تجاوز اثارها بعده مطلقا . ان السبب في حرج هذا الموعد يعود الى كون العمر التقديري لبقاء جزيئات غاز ثاني اوكسيد الكربون في الجو يبلغ حوالي 200 سنة , مما يعني بان اي كمية تطلق الى الجو من هذا الغاز لن تتسرب عبر المنافذ المتاحة الى الخزانات الطبيعية التي تمتص هذا الغاز قبل مرور 200 سنة على وجودها في الجو . ويعني هذا ايضا بان تأثير الكميات الهائلة الموجودة من هذا الغاز في الجو حاليا اضافة الى تأثير تلك التي ستنبعث خلال السنوات القليلة القادمة ستستمر في رفع درجة حرارة الارض لمدة قرنين من الزمن . ان الزيادة المتوقعة في درجة حرارة الارض مع الكمية المتوقع انبعاثها من غاز ثاني اوكسيد الكربون ستبلغ ما يزيد عن خمس درجات مئوية في نهاية القرن الحالي , وهذه الزيادة كافية لأذابة كميات هائلة من الكتل الثلجية الموجودة في القطبين الشمالي والجنوبي مما يهدد ثلثي الارض اليابسة بالزوال من الكرة الارضية . ولكون غاز ثاني اوكسيد الكربون هو أكثر الغازات الدفيئة انبعاثا الى الجو في الوقت الحاضر , ولأن استخدام النفط الخام ومشتقاته كمصدر للطاقة هو اكثر مسبب لانبعاثات هذا الغاز في الوقت الراهن ثانيا , فهذا يعني ببساطة الى ان حل مشكلة تغيرات المناخ لن يكون فعالا ابدا ما لم يرتكز بالاساس على ايقاف هذا المصدر من نفث غاز ثاني اوكسيد الكربون الى الجو , او بكلمة اخرى التوقف عن حرق النفط الخام ومشتقاته لتوليد الطاقة , او على الاقل التقليل من ذلك الى اقصى درجة ممكنة . ان هذا الأمر قد جعل من موضوع التوقف عن استعمال النفط الخام ومشتقاته كمصدر رئيسي للطاقة والاتجاه الى استعمال مصادر نظيفة اخرى قد اصبح امرا ملحا , خصوصا خلال العقد الثاني من القرن الحالي . وقد يجعل التفاقم المتسارع لظاهرة تغيرات المناخ وضرورة ايجاد حل لهذه المشكلة ملامح انتهاء عصر استخدام النفط الخام قد اصبحت تلوح بالافق , وان موعد حدوث ذلك هو اقرب بكثير من الموعد المتنبأ به سابقا . لن يؤثر الموقف بنفس القوة على استخدام الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة لكونه بالاساس مصدر انظف بكثير من النفط الخام واقل تلويثا للبيئة , لذلك فربما لن يتغير عصر استخدام هذه المادة كثيرا , مما يعني بان استخدامه لن يقل بشدة .  
لقد اثبتت الوقائع , خصوصا ما حدث في صيف عام 2009 بان سوق النفط الخام العالمية قد اصبحت اشبه بالبارومتر الذي يتغير بشدة لادنى تأثير . ان الامثلة على هذا الامر كثيرة جدا , فمجرد احتلال ايران لبئر نفطية عراقية في كانون الاول (ديسمبر) الماضي انعكس بشدة وبسرعة على اسعار النفط الخام العالمية , مما يعني بان هذه السوق اصبحت حساسة جدا للتأثيرات مهما صغرت , بل هي باتت تتأثر حتى بالاشاعات . ان هذه الحساسية والتأثير الكبير لكل ما يحصل في العالم على اسعار النفط الخام يدلل على ان هذه المادة لم تعد من القوة والاستقرار في الميزان الأقتصادي كما كان عهدها في السابق . ان ما حدث من تزايد مسرع في اسعار النفط الخام بين عامي 2007 – 2009 , ثم الهبوط الكارثي الذي حصل له في صيف عام 2009 حين هبطت الاسعار في اسابيع من قرابة 150 دولار امريكي للبرميل الواحد الى حدود الثلاثين دولارا لم يكن مفهوما ابدا لا من الناحية الفنية ولا من الناحية الاقتصادية . فحقول النفط الخام المنتجة ومستويات انتاجها لم تتغير خلال تلك الفترة , كما لم يحصل خلالها اي حدث سياسي كبير يبرر الارتفاع الشديد الذي تبعه انتكاسة كبيرة في الاسعار كما حصل في بداية الثمانينات بعد نشوب الحرب العراقية الايرانية . ان من الاكيد بان ما حصل في سوق النفط الخام العالمية كان بشكل او باخر احد اسباب الازمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم في ايلول (سبتمبر) من العام الماضي . لقد بينت تلك الازمة بشكل واضح اين تقع المناطق الضعيفة التي يمكن ان تتأثر بشدة عند حدوث اي ازمة اقتصادية عالمية , وبينت ايضا اين تكمن نقاط الضعف الموجودة في الاقتصادات العالمية القوية . ومهما كانت الأسباب ودوافعها فان كل ما حدث يدفع للانطباع بان ما جرى لم يكن في الواقع غير بالون اختبار اريد منه معرفة ما يمكن ان يحدث في العالم , واين سيقع التأثير الاكبر حين يفقد النفط الخام اهميته ويصبح رخيصا , او حتى بلا قيمة في موعد اصبح ليس ببعيدا .
ظلت الدول الصناعية المتقدمة تبذل جهود جبارة خلال الاربعين سنة الماضية وتنفق اموالا طائلة في موضوع ايجاد مصادر بديلة للطاقة يمكن ان تحل بدلا من النفط الخام ومشتقاته . ان هذه الجهود كانت تنصب حول محورين رئيسين اولهما الكلفة وثانيهما التأثير البيئي . ومع ان كل النتائج الملموسة لحد الان لم تودي ابدا الى التوصل لايجاد مصدر فعال للطاقة يحل محل النفط الخام , الا ان هذا لا يمنع ابدا من تصور امكانية ظهور بديل قوي له في اي وقت , خصوصا مع وجود بعض المصادر الواعدة التي يمكن ان تثبت فعاليتها خلال السنوات القريبة القادمة كالهيدروجين وخلية الوقود . الغريب في هذا الامر ان الدول المنتجة للنفط الخام لم تعي ابدا لحد الان ما يجري حولها في هذا المجال . فبالرغم من بعض المؤتمرات والندوات الخجولة التي عقدتها هذه الدول لبحث مشكلات الطاقة في العالم واحتمالاتها في المستقبل , الا انها في الواقع تنام رغدا مطمئنة وسعيدة بعائداتها المالية التي تتحقق من انتاجها وتصديرها للنفط الخام خصوصا بعد التحسن النسبي الذي طرأ على اسعار هذه المادة في الاشهر الاخيرة , ومتصورة ايضا بان هذا الوضع يمكن ان يستمر الى الابد . ان هذه الدول لا تدرك ابدا بان المياه ستتسرب قريبا الى تحت مضاجعها , وانها ستصحوا بعد فترة من غفوتها لتجد بان الشمس قد غطت أطرافها وحتى أجسادها دون ان تشعر , وان الثروة التي عولت عليها وتصورت بانها ستستمر لاجيال قادمة ستصبح فجأة بلا قيمة . ان كل ما يجري الحديث عنه عن ايجاد حلول لمشكلة انبعاثات غاز ثاني اوكسيد الكربون الحالية الى الجو لن تجدي نفعا مع التزايد الهائل لهذه الانبعاثات , وان كل المؤتمرات الدولية التي تعقد حاليا لايجاد حل لمشكلة تغيرات المناخ لن تجد حلا خلال عدة سنوات من الان غير اتخاذ اجراءات صارمة للحد من استخدام النفط الخام ومشتقاته كمصادر للطاقة . قد يبدوا الامر صعبا على التصور الان , الا ان هذه الاجراءات ستصبح ضرورية وستمليها ظروف العالم وسلامة الكوكب , وقد تتصاعد بعدها بسنوات قليلة لتصل الى مستوى فرض عقوبات دولية صارمة على كل دولة منتجة للنفط الخام تتجاوز في انتاج قدر معين من هذه المادة , وعلى كل دولة مستهلكة تحرق اكثر مما مسموح لها بان تحرقه منها . ان مثل هذا الامر سينعكس بشدة اذا حدث على اسعار النفط الخام , وقد يكون من غير المستبعد بان نجد اسعار النفط الخام تنخفض الى ما دون العشر دولارات للبرميل الواحد مع بداية العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين .
من جانب اخر , فقد حدث خلال العام الماضي امرا مهما في سوق النفط العالمية له دلالات عميقة . فخلال جولتين للتراخيص النفطية التي طرحتها وزارة النفط العراقية خلال عام 2009 , واحدة في جرت في حزيران (يونيو) والاخرى في كانون الاول (ديسمبر) الماضيين , تم احالة عدد من الحقول العراقية على عدة شركات نفطية أسيوية وأوربية وأفريقية بينما لم تحصل اي شركة نفطية اميركية على اي عقد من بين العقود المحالة . وكانت الحقول التي تم التعاقد عليها بنوعين , حقول منتجة يراد تطويرها وزيادة انتاجها , وحقول اخرى مستكشفة لكنها لم تدخل مرحلة الانتاج الفعلي بعد يراد الان استغلالها وتحويلها لحقول منتجة . وبعد الانتهاء من احالة عقود تطوير الحقول المقررة خلال تلك الجولتين تم الاعلان بانه لايجري في الوقت الحاضر التفكير بطرح جولة تراخيص ثالثة للتعاقد على حقول جديدة . لقد بررت وزارة النفط العراقية عدم حصول الشركات الامريكية على أي عقد بكونها قد طلبت ربحا اكبر مما طلبته بقية الشركات عن كل برميل ينتج من النفط الخام ضمن هذه العقود . ان عدم حصول أي شركة امريكية على أي عقد نفطي في العراق يبعث على الحيرة بشكل كبير لانه يناقض بشدة ما ادعي فيه سابقا بان الاميركان لم يحتلوا العراق الا طمعا بنفطه الخام . بل ان ما يزيد في الحيرة بهذا الموضوع هو ان قسم من الشركات الامريكية انسحبت من المفاوضات مع وزارة النفط العراقية حول جولات التراخيص النفطية حتى في مراحل مبكرة منها وكأن تلك الشركات قد اصبحت غير مهتمة بهذه المادة ابدا . ولو انتقلنا الى جانب اخر وتحدثنا عن تطوير الصناعة النفطية العراقية سواء من ناحية تحديث ما موجود فعلا من وحدات عاملة , او في بناء وحدات جديدة حديثة او في توريد المعدات النفطية , لوجدنا بان الشركات النفطية الامريكية غير مهتمة كثيرا بالعمل في السوق العراقية وان هناك عزوف لهذه الشركات عن التوجه نحو هذه السوق , بل ان كثير من هذه الشركات كانت ومنذ اكثر من عامين قد رفعت منطقة العراق من دائرة اهتمامها . ان مثل هذه الامور تزيد من حيرة أي متتبع وتدفع الى التفكير بعدة ظنون بشأنها , أولها الاعتقاد بان الشركات الامريكية ربما قد دفعت من قبل الحكومة الامريكية الى ترك السوق العراقية لسبب ما قد يكون سياسيا على الاغلب , او ان تلك الشركات قد قررت من نفسها عدم المضي بهذا الاتجاه لسبب تعرفه هي دون غيرها . اذا ابتعدنا عن الجانب السياسي وحصرنا تفكيرنا بالجانب الفني والاقتصادي فقد يكون هذا السبب واحد من عدة احتمالات . اول سبب محتمل هو ان تكون الشركات الامريكية غير واثقة من رصانة السوق العراقية والخوف من التقلبات الغير مستقرة في هذا البلد , خصوصا في مجال عدم الوثوق من ضمان استحصال العائدات المتحققة واحتمال ضياع الاموال المنفقة في عمليات الاستثمار . السبب الثاني المحتمل هو ان تكون الشركات التي فازت فعلا بالتراخيص النفطية قد دفعت عمولات اكبر مما دفعته الشركات الامريكية من اجل الحصول على تلك العقود , اخذين بنظر الاعتبار بان القوانين الضريبية الامريكية صارمة في هذه الامور وان ما متاح للشركات في ان تدفعه لغرض الحصول على عقود عمل محصور في نطاق الهدايا والحوافز مما يجعل تلك العمولات محدودة وغير كبيرة . ليس القصد من طرح مثل هذا الأحتمال توجيه الاتهام لاحد معين او جهة معينة بقدر ما هو مجرد احتمال وضع بين بقية الاحتمالات .
وعدا عن هذان السببان المحتملان فان الامر اخذني كباحث تقني الى ان افكر بسبب اخر بعيد عن الاسباب التي تطرقنا اليها له علاقة جدا مع موضوع هذا المقال . ان اكثر سبب بدا لي مقنعا من الناحية الفنية هو ان الشركات الامريكية لم ترى في عقود تراخيص تطوير الحقول العراقية التي امدها عشرين عاما قابلة للتمديد امرا مغريا بسبب احتمال تراجع هذه المادة في القيمة والاهمية خلال فترة ليست ببعيدة للاسباب التي ذكرناها سابقا . ان اي شركة دولية كبيرة لابد ان تحسب حسابات ستراتيجية حين تحاول الحصول على عقود استثمارية بعيدة المدى . وهذا يعني بان حسابات الشركات الامريكية لما يمكن ان تجنيه من ارباح من العقود التي طرحتها وزارة النفط العراقية لم يكن مشجعا لها لكي تمضي في التنافس مع الشركات الاخرى خصوصا مع وجود احتمال قوي لانهيار الطلب على هذه المادة في وقت ليس ببعيد , لذلك نجدها قد انسحبت من المفاوضات حتى قبل ان تصل الى نهايتها . ولو عدنا الى ما توقعناه في بداية هذا المقال عن الانخفاض الكبير المحتمل حدوثه في سعر النفط الخام مع بداية العقد القادم لوجدنا بان استحصال مبالغ تبلغ عدة دولارات عن كل برميل منتج سيكون امرا صعبا جدا حين يصبح سعر البرميل اقل من عشرة دولارات كما هو متوقع , وان هذه الشركات لن تسترجع في مثل هذه الحالة حتى الاموال التي ستنفقها في عمليات الاستثمار . لذلك فأن من المحتمل ان تكون الشركات الامريكية قد اثرت الانسحاب من التنافس على مثل هذه العقود الغير مجدية لانها ستكون بالتأكيد خاسرة في المستقبل . ان من الاكيد بان تلك الشركات تؤثر حاليا ادارة حقولها المنتجة للنفط الخام في شتى بقاع العالم على موضوع الحصول على اي فرص جديدة , خصوصا وانه يبدوا بأن عصر هذه المادة أيل الى الأفول في مدة غير بعيدة . وعلى العكس من ذلك نجد مثل هذه الشركات تبدي اهتماما زائدا وحماسا كبيرا تجاه استثمارات الغاز الطبيعي لكون عمر هذه المادة سيبقى نشيطا لفترة طويلة قد تمتد حتى نهاية القرن الحالي على اقل تقدير . ان ما أريد ان أخلص له بالاستنتاج من كل ما تطرقت اليه هو ان كل الدلائل تشير الى ان عصر النفط الخام قد اصبح قاب قوسين او ادنى من الانتهاء , وربما لن ياتي عام 2030 الا وقد انتهى هذا العصر فعلا لتحل بدلا منه مصادر جديدة للطاقة . ومن المؤسف له ايضا بان دولا كثيرة منتجة لهذه المادة لم تستفد ابدا منها بل بددت عائداتها على كل ما هو غير مجدي , وسينتهي عصر هذه المادة وتخرج منه بخفي حنين , وقد يكون العراق هو افضل مثل فعلي وملموس بين هذه الدول .
كانون الثاني (يناير) – 2010

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*