هل سيكفي النفط لاستهلاكنا المحلي؟!


تشير الإحصاءات إلى أن الاستهلاك المحلي من النفط يصل إلى أكثر من مليوني برميل يومياً. وقد أثار تقرير ”دار تشاتام” CHATHAM HOUSE الصادر قبل عدة شهور بعنوان ”حرق النفط لتبريد الأجواء: أزمة الطاقة السعودية” جدلاً واسعاً وردود فعل متباينة! فالكثير، وإن اتفقوا على ارتفاع حجم الاستهلاك المحلي، لا يتفقون على دقة الافتراضات التي اعتمد عليها التقرير في تقديره بأن الاستهلاك المحلي سيستنزف إجمالي إنتاج النفط في المملكة بالكامل خلال ثلاثة عقود فقط، بمعنى عدم إمكانية تصدير البترول بحلول عام 2038. وبصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع نتائج التقرير المذكور، فإن المحصلة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن ارتفاع الاستهلاك المحلي المتزايد في المملكة يقتضي التوقف والتأمل في أسباب هذا الارتفاع وأهم من ذلك استشراف مستقبل التنمية التي تعتمد على هذا المورد الناضب!
لا شك أن معرفة الأسباب قد تكون أسهل من معالجتها، فكثافة استخدام السيارة الخاصة، وارتفاع متطلبات التكييف خاصة في فصل الصيف، والتوسع الصناعي، إضافة إلى عدم الاستفادة من مصادر طاقة أخرى كالطاقة الشمسية أو الهوائية أو النووية أسباب تقف وراء ارتفاع الاستهلاك المحلي في بلادنا. وبالمقارنة بالدول الأخرى، يلاحظ ارتفاع استهلاك النفط في المملكة مقارنة بدول صناعية مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا التي لا يتجاوز استهلاك كل منها مليوني برميل يومياً، ولكن لا ننسى أن هذه الدول تستخدم مصادر أخرى إلى جانب البترول!
والمؤكد أنه ما لم تُتخذ إجراءات جادة، فإن الطلب المحلي على النفط سيزداد نتيجة زيادة عدد السكان والتوسع في مجال الصناعة، خاصة مع عدم تطوير شبكات للنقل العام تحد من استخدام السيارة الخاصة في الرحلات القصيرة والطويلة، إذن ما الحل؟!
إن الحاجة تقتضي ترشيد الاستهلاك بدرجة كبيرة، حفاظاً على هذه الثروة الثمينة ورأفة بالبيئة، ولكن بشرط ألا يؤثر ذلك في الأنشطة التنموية خاصة الصناعية منها، وألا يؤثر بدرجة كبيرة في مستوى معيشة المواطنين (معادلة صعبة!). ولا يقل عن ذلك أهمية، البحث الجاد في تطوير مصادر طاقة بديلة يخفف من الاعتماد الكلي على النفط. ولا يوجد – في ظني – أفضل من الطاقة الشمسية خاصة بالنسبة للمملكة، كونها تمتد على رقعة جغرافية شاسعة ومشمسة طوال العام تقريباً، علاوة على نظافة الطاقة الشمسية وقلة مخاطرها.
وهنا تبرز في الذهن تساؤلات مهمة! ما النتائج التي توصل إليها مشروع ”محطة القرية الشمسية” في العيينة؟! ما النتائج الملموسة التي توصل إليها هذا المشروع الذي بدأ منذ أكثر من 30 سنة (أي في 1980) وأنفقت عليه مبالغ كبيرة وشارك في تشغيله خبراء من داخل المملكة وخارجها؟! هل توصل إلى تقنيات تساعد المملكة على الاستعانة بالطاقة الشمسية على نطاق واسع، خاصة أن ”محطة القرية الشمسية” هي أقدم محطة توليد للطاقة الشمسية في العالم؟!
لا بد أن نعترف بأن لدينا إخفاقات.. أقولها دون مواربة! بدأنا مبكراً في البحث في مجال الطاقة الشمسية ولم نتمكن من الوصول إلى منتج عملي يخدم التنمية في بلادنا، خاصة أننا أكثر الناس حاجة إلى استخدامه في تحلية مياه البحر لسد العجز المائي المتزايد. وبالمثل، بدأنا مبكراً في تحلية مياه البحر، وأصبحنا أكثر مستهلك للمياه المحلاة، ولكن لم نستطع تطوير خبرات وطنية ولم نتمكن من التوصل إلى براءات اختراع في هذا المجال! فمن المفترض أن تمتلك المملكة ناصية العلم في هذا المجال وتكون مصدر الخبرة في هذه التقنية لكل دول العالم!
أختتم بالقول بأن الجهود المشكورة التي تُبذل في مجال الطاقة الشمسية وتحلية المياه المالحة لم تتمكن من تحقيق طموحات التنمية في بلادنا. ولا يقتصر العتب في هذا الأمر على ”مشروع القرية الشمسية” الذي ترعاه مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية فقط أو على المؤسسة العامة لتحلية المياه وحدها، بل يمتد اللوم إلى الجامعات التي لم تبادر إلى تنمية كفاءات وطنية ورعاية علماء متخصصين في هذا المجال، لأنها انغمست في التعليم التخصصي التقليدي وأهملت (دون قصد) أولويات التنمية في بلادنا لعقود طويلة!
– رشود الخريف
(الاقتصادية 26 مايو 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*