النفط وعاقبة الإسراف

أسعد سراج أبو رزيزة

ما نخشاه هو الزيادة الحادة والمستمرة في معدلات الاستهلاك المحلي، وتداعياتها على الاقتصاد والبيئة. فنحن ثامن أكبر مستهلك للنفط، ونفوق في الاستهلاك دولا صناعية مثل كوريا الجنوبية وكندا وأستراليا

كان، ولا يزال الكثير من الناس، يظن أن في المملكة العربية السعودية معيناً لا ينضب من النفط. حتى إنه قبل سنوات سئل الدكتور أحمد زكي يماني، الوزير السابق للبترول، عما أعدت وزارته ـ في حينها ـ من برامج لما بعد حقبة النفط، ورد “بأن النفط لن ينضب”. اعتبرنا ذلك رداً دبلوماسياً في وقتها، وانتهى الحديث. طبعاً، لا يمكن لعاقل أن يصدق أن النفط لا ينضب، مهما بلغ حجم الاحتياطي منه.
نحن ننتج حالياً ما يقرب من عشرة ملايين برميل من النفط الخام يومياً، يزيد قليلاً أو ينقص، بحسب العرض والطلب. وما هو ثابت أن هذا يدر دخلاً وأموالاً، تفيض بكثير عن الميزانيات المتوقعة، ونعيش على إثره في بحبوحة. لكن إلى متى؟ سؤال يطرحه العقل!
نحن هنا لا نتساءل عن التاريخ الذي تجف فيه حقول النفط، على أهميته. وما نخشاه هو الزيادة الحادة والمستمرة في معدلات الاستهلاك المحلي، وتداعياتها على الاقتصاد والبيئة. فنحن ثامن أكبر مستهلك للنفط، ونسبق في الترتيب كل دول أوروبا، باستثناء روسيا وألمانيا. ونفوق في الاستهلاك دولاً صناعية مثل كوريا الجنوبية، وكندا وأستراليا.
في تقريرها المختصر على الشبكة، ذكرت جمعية معلومات الطاقة “أن المملكة العربية السعودية هي أكبر مستهلك للنفط في الشرق الأوسط”. نستهلك أكثر من أربعة أضعاف ما تستهلكه تركيا (600 ألف برميل)، وعشرة أضعاف ما تستهلكه البرتغال، وذلك من إحصائيات عام 2009. وإذ كنا نستهلك ما يقرب من 2.5 مليون برميل يومياً، فإنها زيادة قدرها 50% عما كان عليه معدل الاستهلاك خلال العام 2000. وإن عدنا إلى تاريخ أقدم، نجد أنه في عام 1980، لم نكن نستهلك سوى 600 ألف برميل، وتضاعف الرقم أكثر من أربع مرات في أقل من ثلاثين عاماً.
وعلى مستوى الاستهلاك الفردي، نحتل المركز التاسع عالمياً، ولا تسبقنا سوى دول مثل قطر والكويت والإمارات. ويستهلك كل 1000 شخص في المملكة 84 برميل يومياً، بينما لا يتجاوز الرقم 39، و 29 برميل يومياً في اليابان وألمانيا، على التوالي. ويبلغ ما نستهلكه محلياً، من الإنتاج اليومي27%، ومن حساب معدل الاستهلاك في السنوات القليلة التي مضت، ومن الأشكال البيانية والجداول، على موقع “إنديكس مودي” نجد أن نسبة الزيادة في الاستهلاك خلال تلك الفترة اقتربت من 7%.
هذا يعني أنه إذ استمر الحال في استهلاك النفط بنفس المعدل، فسيتجاوز ما نستهلكه محلياً نصف ما ننتجه قبل أن يحل العام 2025. وسيبلغ ثلاثة أضعاف الكمية بحلول العام 2030، كما يقول الدكتور خالد السليمان، من جامعة الملك عبد الله. أو قد يصل في عام 2028، كما في تقدير الدكتور خالد الفالح، إلى أكثر من ثمانية ملايين برميل يومياً، (نقلاً عن إنيرجي بوليتن). وبعدها بسنوات، من مواصلة البذخ، والاستمرار في نمط المعيشة الحالي، قد لا نجد من النفط ما نصدره إلى الخارج.
واحتراق هذه الكمية الكبيرة من النفط له كذلك تداعياته السلبية من المنظور البيئي، فالمملكة العربية السعودية في المركز الثالث عشر من بين جميع دول العالم في معدل إنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون. وينبعث من أنشطتنا اليومية ما يقرب من 1.5% من الإنتاج العالمي، بينما لا يزيد تعدادنا عن 0.4% من سكان العالم. وينتج الفرد السعودي أكثر 17 طناً مترياً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، يفوق ذلك ما ينتجه الفرد في كندا (16.5)، وفي روسيا (12.1)، أو في اليابان (9.5)، وبكل صناعاتهم.
قد لا تستمر الزيادة بهذا المعدل، وهو الأرجح، كما يراه الخبراء والإحصائيون، لكن، وبأي مقدار كانت فإننا سنصل إلى نقطة التعادل، عاجلاً أو آجلا، إلا أن نزيد في الإنتاج، فنعجٌل بنفاذ المخزون، ونصل إلى الطرف الآخر، ونبدد الوهم بأبدية النفط. كل هذا وما سبق يدفعنا إلى أن نقف، لإعادة النظر.
ومن يسأل أين تذهب كل هذه الكميات من النفط يومياً؟ تجيبه كذلك الأرقام، التي تشير إلى أن معظم الاستهلاك المحلي يذهب إلى إنتاج الطاقة والكهرباء، إضافة إلى ما نستهلكه في تزويد قطاع النقل والمواصلات، وما يحرك عجلة الصناعات.
وتشير الأرقام إلى أنه يحترق في مواقد وغلايات تحلية مياه البحر ما يقرب من 1.5 مليون برميل يومياً، فالمملكة، وبلا منافس، تعتبر أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم. وتشير الإحصاءات كذلك إلى أن الاستهلاك لإنتاج الطاقة، في أشهر الصيف، يصل إلى قرابة مليون برميل من النفط يومياً. وتذهب نصف مليون برميل أخرى إلى قطاع النقل والمواصلات.
نحن نسرف في استهلاك المياه بصورة مقلقة، ونسرف في استهلاك الكهرباء، ويتزايد الطلب عاماً بعد عام. وقطاع النقل والمواصلات، والسيارات من الحجم الكبير والدفع الرباعي، تملأ الطرقات.
إن مفاتيح الحلول تكمن أولاً في وعي المواطن بأهمية الترشيد، وثانياً: في سن القوانين التي تدفع إلى الترشيد وتحققه، وثالثاً؛ في توفير أدوات ومواد الترشيد، سواء كان ذلك في استهلاك الطاقة أو المياه. وقبل كل شيء، نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة من النقل العام.
الوطن 15 سبتمبر 2011

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*