غموض ما بعد النفط !!


هل تم التخطيط يا وزارة التخطيط لمرحلة ما بعد النفط؟
الواقع يقول نحن شعب صحراوي ومواردنا بدون النفط شبه معدومة، وفيما عدا بعض الواحات والأرياف التي كان يأكل سكانها مما يزرعون ويرعون إلا أن سوء استخدامنا للموارد البيئية افقدنا هذا المصدر المحدود.. لقد ذكر ابن بطوطة سنة 726هـ ” أن أهل البلاد الموالية لمكة مثل بجيلة وزهران وغامد يبادرون لحضور عمرة رجب ويجلبون إلى مكة الحبوب والسمن والعسل فترخص الأسعار(*)”..
لقد عانى اغلب السكان من شظف العيش لقرون طويلة، ومن السبعينيات الميلادية من القرن الماضي ونحن ننعم بالوفرة المادية.. لقد دخلنا مرحلة الطفرة من دون كوابح.. تغير نمط حياتنا وسلوكنا على المستوى الفردي والاجتماعي .. امتطى السواد الأعظم أفخم أنواع السيارات، التي ربما لا يعرفون إلا موديلاتها ومقودها وغيرنا تخطيط مساكننا فأصبحت اوسع وافخم، وفي غفلة منا احتجنا للسائق والشغالة وربما البواب وعامل الحديقة وتضخم الفساد وتجذر.. قطعنا علاقتنا الودية بالجمال والحمير والبقر.. اهملت الزراعة على مستوى المزارع العادي وتحولت الزراعة إلى شركات يهمها الربح وادى نشاطها إلى أخلال بمنسوب المياه الجوفية وملوحة التربة في بعض بيئات المملكة.. لم تكن النقلة تدريجية ولم تترافق مع تقدم علمي وتقني وصناعي .. لا شك أنها كانت نقلة مظهرية واستهلاكية بينما الذهنية وثقافة العمل والإنتاج بقيت كما هي.
بالرغم من خطط التنمية المتتابعة والتصريحات الوردية إلا أن المتابع يلاحظ كثافة الإنفاق كما تعكسه الميزانيات، ولكن لازالت البنية التحتية غير مكتملة والفقر يتصاعد وقلة فرص العمل رغم كثافة مشاريع الاستثمار المعلنة.. النتيجة زيادة العاطلين أو كما يقال “المعطلين” وإلا كيف نفسر وجود ما بين 6 – 8 مليون وافد.. مع كثرة التصريحات حول زيادة تنوع مصادر الدخل إلا أن الواقع يشير إلى أن الاعتماد لا زال على البترول الخام.. يقول د. عبدالعزيز الدخيل ” إن قراءة منجزات الخطط الاقتصادية الخمسية للدولة الثمانية على مدى الأربعين عاماً الماضية (1970-2010م)، في مجال تنويع مصادر الدخل، لا تنبئ بخير مهما حاولنا تحسين نتائجها، يكفي فقط أن ننظر إلى الحجم الكبير والنسبة العالية التي يشكلها الإيراد البترولي في ميزانية الدولة ونفقاتها”..
نحن نفقد احتياطنا النفطي بسرعة وكل برميل يستخرج ولا يستثمر ثمنه في إيجاد قيمة مضافة فأنه يعد خسارة .. مع كثرة تقديرات كمية المخزون إلا أنه سينفذ مع الوقت وقد تزيد تكلفة الإنتاج.. زيادة السكان تتطلب زيادة الإنتاج والتصدير، وهل اخذنا في تخطيطنا بدائل النفط.. هل نستطيع التصور بأن نكون دولة بلا نفط وبلا ماء وبلا كهرباء، وهذا ما قد يحدث عند جفاف أبار النفط، ومع ضعف مقوماتنا الإنتاجية الأخرى كالصناعة والزراعة والأيدي العاملة الفنية التي تشكل مصدر انتاج للثروة في كثير من البلدان.. فهل استعدينا لهذا الوضع بالتخطيط للمستقبل..
يقترح د. الدخيل أن “الشح في الموارد الطبيعية يجب أن يكون دافعاً لنا في ثلاثة اتجاهات رئيسة،
(1): بناء قاعدة كبيرة للتقنية الحديثة والإبداع وتوطينها في عقول أبناء هذه الأمة رجالاً ونساء،
(2): ادخار جزء مهم وثابت من إيراداتنا البترولية واستثماره في بناء رأس مال بشري ومادي منتج ليس له علاقة بالبترول والغاز بدلاً من إنفاق معظم الدخل على أمور استهلاكية ومشاريع غير منتجة،
(3): ترشيد عملية استخراج البترول وربطه بالمصلحة الوطنية التي تقضي بإبقاء جزء منه داخل الأرض من أجل الأجيال القادمة”.
هل وزارة التخطيط والتربية والتعليم والتعليم العالي والبترول والثروة المعدنية والمالية تعمل على تفعل هذه الأهداف الاستراتيجية، وهل يمكن لمجلس الشورى أن يكون له دور في استشراف تبعات المستقبل؟؟ وهل نحن على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع نعي ما ينتظر الأجيال القادمة؟؟
(*) الحسيل، ابراهيم بن احمد “غاد وزهران وانتشار الأزد في البلدان – الجزء الثاني (1418).. لقد اورد المؤلف أن زكاة الحنطة (البر) 221 طنا والشعير 67 طنا لعام 1267هـ بينما زكاة الذرة لعام 1281هـ 322 طنا.
* أ. د. علي بن أحمد الرباعي
جامعة الملك عبدالعزيز
Alrobai28@gmail.com

(صحيفة الباحة الالكترونية 31 مارس 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*