كيف سنكون بعد آخر برميل نفط؟

على الرغم من كل ما كُتب ويُكتب، حول ما أُنجز وما لم يُنجز على طريق تنمية قدرات اقتصادنا، والعمل على منحه الاستقلال اللازم بعيداً عن النّفط طوال 43 عاماً مضتْ، إلا أنَّ صدمة الإجابة عن سؤال عنوان المقال أعلاه؛ يُفترض أنْ تكون أخفَّ حدة على من توغّل في تلك الحمى كتابةً وتأمّلاً، إلا أنّك – والحق يقال – ستجد نفسك واقعاً في حالةٍ من التشويش والقلق والخوف، قد تختلف من شخصٍ لآخر حسبما يتوافر لديه من خبرة ومعلومات حول إجابة هذا السؤال المصيري.
استحضرتُ هذا السؤال حالما شاهدتُ برنامجاً تلفزيونياً للإعلامي عمرو أديب، حول استعداد الإمارات لخروج آخر سفينة نفطٍ منها! استعرضَ خلاله واحداً من أكبر مشاريع الطاقة البديلة للنفط ممثلةً في إنشاء مدينة كاملة أُطلق عليها (مصدْر)، تعتمد على الطاقة الشمسية والرياح. قد يكون الأغلبية منّا علم بهذه المدينة، ولكن ما دفعني للكتابة هنا هو التفكير في الإجابة عن السؤال ذاته بالنسبة لنا في هذه البلاد!
لنْ أخوض في جدالٍ، حول متى سيأتي اليوم الأخير لتصديرنا النفط، بقدر ما أنَّ الأهم هو معرفة: هل نحن على استعدادٍ من الآن لذلك اليوم، أمْ لا؟! فإنْ كنّا على أهبة الاستعداد فلن يكون بحول الله عصيباً، وإن كان عكس ذلك فالله المستعان على ما سيلقاه جيله المعاصر له من مصاعب وأهوال.
يزحفُ بنا الزمان نحو إكمال نصف قرنٍ من الزمن على بدء العمل وفق سياسات وبرامج خططنا التنموية منذ 1970م، يُقدّر ما أنفقتْه الحكومة وستنفقه خلال 1970-2013م بأكثر من 11.7 تريليون ريال، وتُقدّر في جانب الإيرادات بأكثر من 13.4 تريليون ريال، ما يعني تحقق أكثر من 1.7 تريليون ريال كفوائض مالية تراكمية، شكّلتْ الإيراداتْ النفطية من إجمالي الإيرادات نحو 85.4 في المائة، أيَّ أنَّ تلك الإيرادات النفطية ظلّتْ تُشكّل طوال تلك الحقبة من الزمن نحو تسعة أعشار إيرادات البلاد.
جاء في مقدّمة أهداف الخطط التنموية وأهمّها: العمل على زيادة تنويع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز الرفاهية للمواطن، إلى آخر بقية الأهداف التي نصّتْ عليها تلك الخطط. لن أستطرد فيما تحقق منها وما لم يتحقق، ويكفي كمؤشر على أنَّ ما تحقق في المجمل ليس بعيداً عمّا تحقق للهدف الأول (تنويع القاعدة الإنتاجية)، حيث لم تتجاوز مساهمة الصناعات التحويلية في إجمالي الاقتصاد سقف 11 في المائة طوال 43 عاماً مضت!
الآن السؤال الجوهري الموجّه لكامل طاقم الكادر الاقتصادي والمالي في الجهاز الحكومي: ما مدى جاهزية بلادنا واقتصادها لذلك اليوم الذي سيُصدّر فيه آخر برميلٍ للنفط؟!
في رأيي؛ بالنسبة لبلادٍ شاسعة الأطراف كبلادنا، واقتصادٍ ضخم كاقتصادنا – مع كامل التقدير للتجربة الإماراتية- لا يُمكن أن يقف الاستعداد لمثل ذلك اليوم الرهيب، عند مجرّد إنشاء مدينة كمصدْر أو حتى مدينتين! بل يتجاوزه كثيراً، وكثيراً جداً. وعليه، عوضاً عما اعتادت وزارة الاقتصاد والتخطيط على إصداره سنوياً في تقريرها “منجزات خطط التنمية”، أليس من الأولى عليها أن تضعنا جميعاً في إطارٍ أدق لرؤيةٍ حاضرة ومستقبلية، تمنحنا الأمان والثقة بمستقبلنا ومستقبل الأجيال من بعدنا، حول نمط الحياة الذي سنكون عليه بعد نضوب النفط، وهل ما يجب أن نكون عليه من استعداد وتأهيل نحن منه قريبون أم بعيدون أو أنه لا يوجد ما ينبئ عن أي استعدادٍ حقيقي لذلك اليوم، وبناءً عليه يجب فعل كذا وكذا.
سأكون صريحاً هنا، ليس لأن الأمانة والمسؤولية أمام الله تقتضي ذلك فقط! بل لأن خلف تلك الأمانة أخطاراً محدقة وقعتْ ووقعنا في براثنها! إذ يتجاوز خطرها حدود التقصير في عدم تحقيق أهدافنا التنموية، إلى ما هو أبعد من ذلك. المقلق والمخيف إنْ شئت قوله؛ أن تلك الأزمات حدثت وتحدث ونحن لا نزال ننفق بحمد الله من إيرادات النفط! لعل من أبرز ما يجب الإشارة إليه من تلك المخاطر: أزمة الإسكان، البطالة والتوظيف، تفشّي الفقر، أزمة توافر العناية الصحية اللائقة، وتأخّر أداء التربية والتعليم، والقصور الشديد تجاه الشباب والفتيات، وامتلاء بيئة الأعمال بالكثير من العقبات والتحديات؛ خاصةً المنشآت الصغيرة والمتوسطة، زيادة الاستقدام، ترهل مستويات البنى التحتية في كبريات المدن، فما بالك بالمدن المتوسطة والصغرى والمناطق النائية، انخفاض الإنتاجية، زيادة الاستهلاك المفرطة على الموارد (النفط، الغاز، الكهرباء، المياه…)، تلك أمثلةٌ للذكر لا للحصر.
إذا كانتْ هذه الأزمات المؤرقة للاقتصاد والمجتمع على حدٍّ سواء قائمة وتحدث في ظل وجود النفط، فما بالنا إذا جاء اليوم الذي لم يعد لدينا منه قطرةً واحدة؟!
هناك خللٌ كبير، ليس كأي خللٍ تنموي يمكن أن نتصوّره أو نبلوره في هذه الأسطر القليلة! لكنّه خللٌ طالما تم التنويه إلى بعض ملامحه؛ ألا وهو الجمود الذي تعيشه السياسات الاقتصادية والمالية والتجارية إلخ منذ عدّة عقود! وهذا مجرّد جزءٍ يسير من سلّة المثبّطات والمعوقات التي تعرقل تقدم بلادنا واقتصادنا ومجتمعنا. يؤكّد وجوده وتحدّيه الكبير جدّاً؛ أنَّ الإجابة عن سؤال المقال أعلاه لن تبتعد ولو بمقدار أصبعٍ عن الصفر في المائة من ذلك الاستعداد المنشود لحقبة ما بعد نضوب النفط!
علينا أن ندركَ بصورةٍ أكثر مسؤولية وجرأة حجم ما نقفُ عليه اليوم من تحدّيات وأزمات، وأن نستشعر بقدرٍ أعلى منها تحديات ومخاطر الأيام والسنوات القادمة! تلك صرخةُ كل مواطن ومواطنة تدفقتْ فيهما دماء الوفاء والحب لهذه البلاد العظيمة، يجب أن يقابلها من المسؤول ما يرتقي إلى ولائها، وحب هذا الوطن، ما يُثبتْ ذلك فعلاً وقولاً. نحن لسنا على قارعة طريقٍ سينتظر زمنه المتسارع تقلّب بعضنا ذات اليمين وذات الشمال! أبداً.. أبداً..
إنْ تأخرتْ خطوة اليوم، عطّلتْ خطوة الغد! ليس هذا فحسب؛ الأمر يتطلّب أكثر من ذلك بكثير، فلدينا خطواتٍ كثيرة قد تأخّرتْ طوال أربعة عقودٍ مضت، ولدينا خطوات الزمن الراهن، وأمامنا خطوات الغد! إنّه تحدٍ جسيمٌ عملاق لا ولن يقبل حتى 1 في المائة من الحلول، أو الأعذار.. فهو إمّا أن نكون أو لا نكون.
عبدالحميد العمري
المصدر
http://www.aleqt.com/2013/05/27/article_758668.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*