ما الذي تعنيه لنا «أكبر ثروة نفطية»؟


منذ اكتشاف النفط في بلادنا قبل أكثر من 70 عاما، وعلى وجه الخصوص، بعد تأكيد وجود عدد من الحقول النفطية العملاقة كحقول الغوار والسفانية وخريص وبقيق والشيبة، والعالم ينعتنا بأصحاب أكبر ثروة نفطية في التاريخ. اللهم زدنا من فضلك وبارك لنا فيما أعطيتنا. والمقصود بطبيعة الحال من تسليط الضوء على ثروتنا هو ألا يكون لنا عذر في إنتاج أكبر كمية ممكنة من أجل تغذية العالم المتعطش لمصادر الطاقة. لكنهم لم يدخِلوا في حساباتهم قط أن النفط، وهو مادة ناضبة، وفي بلاد لا تملك من المصادر المعيشية ولا النزر اليسير، خير لنا أن نقتصد في إنتاجه واستهلاكه حتى يدوم لنا أطول مدة ممكنة وتتمكن الأجيال القادمة من الانتفاع بوجوده حتى يخلق الله خيراً منه. وقد انسقنا وراء مقولاتهم منذ عقود، سواء كان ذلك برغبة منا أو بخديعة منهم أو خوفاً من بطشهم وجبروتهم، وأصررنا على أن نكون أيضاً أكبر المنتجين. وهو أمر لا أرى أنه يدعو إلى الفخر. فالإنتاج لا يكلفنا من الجهد أكثر من عملية فتح صنابير الآبار. وليس بالضرورة أن تكون ضخامة الإنتاج وتضخم الدخل هما فأل خير لنا ولمستقبل شعوبنا وأجيالنا. فخير الأمور الوسط، لا تقتير ولا تبذير ولا إسراف. ومن يتخيل أننا الآن في حيرة من أمرنا فيما يتعلق بكيفية التصرف بأموالنا الفائضة عن حاجتنا، بدليل كثرة الآراء والمناقشات التي نشاهدها في صحفنا اليومية حول الموضوع.
السؤال الذي نود طرحه هنا في هذه المرحلة المتأخرة من زمن عمر النفط، هو هل حقاًّ يعلم العالم المتحضر الذي يسعى جاهدا لاستهلاك أكبر كمية ممكنة من الطاقة النفطية المُطلة على النضوب، ونقصد النفط التقليدي الرخيص، أو يدرك أننا، دول الخليج العربي، نعيش فوق صحراء قاحلة وخالية من جميع مقومات الحياة؟ هو قد يعلم ذلك أو قد لا يعلم، أو ربما لا يود أن يعلم. لكنهم بدون أي شك يرمون الكرة في أحضاننا ويقولون لنا بكل برود هذا شأنكم. لديكم المال الكثير تصرفوا به حسب متطلبات مستقبلكم. أعِدُّوا أجيالكم لما بعد النفط. غذوا الجيل الأول من أبنائكم بالعلم والمعرفة وتحكموا بالنسل وركزوا على إنتاجية الفرد وليس على خدمة الفرد ورفاهيته. ومن الملاحَظ أن النظرة العامة نحونا من الذين لا يملكون مثل هذه الثروة النفطية الكبيرة، من أصدقاء وجيران، وإن كان لديهم من الثروات الطبيعية والبشرية ما هو أطول دواما وأفضل مردوداً على المدى البعيد، نجدهم يغبطوننا عليها ويتمنون مشاركتنا فيها، غير مدركين أن مستقبلنا مُهدُّد بالضياع إن لم نوقف هذا الهدر قبل فوات الأوان. والسبب المباشر الذي أوصلنا إلى الوضع الحالي هو دون شك كثرة مباهاتنا بما لدينا من المخزون النفطي، قبل أن نجتهد ونضيف إليه كميات وهمية من النفط مماثلة للموجود من حيث الكمية، كنا نظن أننا سنكتشفها مع مرور الوقت، وهو ظن أبعد ما يكون عن الواقع. وكان من المفروض، تزامناً مع انتشار خرافة ”أكبر ثروة نفطية”، أننا في الوقت نفسه بذلنا مجهوداً ولو كان متواضعًا لبيان مستقبل اقتصادنا، لمَنْ هم لا يعلمون شيئاً عن صعوبة ظروف الحياة الصحراوية التي ستعيشها أجيالنا ومنْ لهم حق علينا. وهذه الظروف الصحراوية القاسية تحتم علينا أن نحافظ على ثروتنا الناضبة، أو بالأحرى ما بقي منها، بقدر المُستطاع، لعل الله يهيِّئ لهذه الأمة مصدراً آخر للمعيشة حتى لا يصبحوا عالة على المجتمع الدولي الذي لن يرحمهم ولن يمنحهم ولا نسبة ضئيلة مما بذلوه من أموالهم في سبيل إنعاش الاقتصاد العالمي والمحافظة على مكتسباته. فلو تفهَّم المجتمع الدولي مواقفنا وظروفنا لأدرك دون شك صعوبة مستقبل وضعنا الاقتصادي والمعيشي ولتقبل رغبتنا في المحافظة على ثروتنا وكف عنا الألسنة الحداد والإعلام المتسلطين. لكن علينا أيضا إزالة عقبة عريقة من أمامنا، هي من صنع أوهامنا، وهي اعتقاد البعض منا بأن هناك احتمالا واردا يتمثل في الخوف من الاستغناء عن النفط كمصدر للطاقة. وهو أمر ليس فقط بعيد الوقوع، بل هو أقرب إلى المستحيل خلال الزمن المنظور. الذي يعلم خلاف ذلك فليتفضل بإبراز مرئياته العلمية التي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك بديلا تفوق مميزاته ووفرته وسهولة نقله واستخدامه ما للنفط في مضمار مصادر الطاقة.
الولايات المتحدة تستطيع ولديها كامل الإمكانات اللوجستية والفنية والميكانيكية والبيئة المناخية والأرض الزراعية والقوة البشرية أن تنتج أضعاف ما تزرعه اليوم من محاصيل الحبوب وبأقل تكلفة، لو أرادت ذلك. لكنها لا تود إحداث خلل في الأسواق العالمية قد ينزل بالأسعار إلى مستوى متدن. على الرغم من علمها بأن ذلك سيكون لمصلحة البشرية، وعلى وجه الخصوص الشعوب الفقيرة التي هي في حاجة ماسَّة إلى مزيد من مصادر الغذاء. وهم، في المقابل، يتمنون، لا بل يلحون علينا رفع كمية الإنتاج النفطي إلى مستويات قياسية، كل ذلك من أجل رفاهية شعوبهم الغنية، غير آبهين ولا مهتمين بمستقبل أجيالنا القادمة. ودعونا نتذكر أنهم لم يخفوا ابتهاجهم عندما هبط سعر برميل النفط بغفلة منا إلى ما دون عشرة دولارات للبرميل الواحد في نهاية القرن الماضي. والنتيجة كانت ضربة قاصمة لاقتصادنا الوطني آنذاك. نحن ندرك تماماً أن المصالح الخاصة تلعب دوراً بارزاً في السياسات الدولية فيما يرتبط بالعلاقات بين الدول والشعوب المختلفة. لذلك فمن المفترض أننا في دول الخليج، حيث المصير مشترك والظروف متشابهة، علينا ألا نتوقع تعاطفاً مع قضايانا من أي طرف خارج منظومتنا الخليجية. فنحن الذين تقع عليهم مسؤولية حماية مصالحنا الآنية والمستقبلية ودراسة متطلباتنا وترتيب أولويات أمورنا ومشاريعنا وتقدير زمن تنفيذها حتى لا نجد أنفسنا ضحية لاعتمادنا على الغير.
– عثمان الخويطر
المصدر
http://www.aleqt.com/2013/03/17/article_739940.html

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*