الكويت إذا نضب النفط


عبدالله البصيص
عندما اكتشف جون روكفلر النفط في سنة 1865 في مدينة بيتهول في ولاية بنسلفانيا الأميركية سأل نفسه هذا السؤال: ولكن متى سينفد؟ خلال عام واحد ازدهرت هذه المدينة، واستقبلت الكثير من المهاجرين، وكثرت مبانيها وازدانت طرقاتها، وأصبح الناس فيها يشربون الخمر بإسراف، وينفقون المال بهوس شاذ، ثم لما دارت الشمس دورتها السنوية المعتادة بمرور سنتين على اكتشاف الذهب الأسود، نفد النفط فيها، لم تعد الآبار تجاري هوس الناس، نضب السائل اللزج، وكان ما حصل بعدها في مدينة بيتهول يعطينا صورة عما سيحصل إذا نفد النفط من العالم، تركت المباني الجديدة مفتوحة للكلاب الضالة، أصبحت المدينة خاوية على عروشها، انسل الناس منها وتركوا كؤوس خمرهم منكفئة على الطاولات، لم يعد هنالك مال يصرف، ولا حياة تعاش.
اليوم يردد الخبراء سؤال مكتشف النفط الأول: ولكن متى سينفد؟ لكنهم يجيبون عليه بدراسات تنطلق من حسابات تقديرية يمكنها التنبؤ بموعد نفاده، وتحصره بين سنة 2030 إلى 2070، قياسا على استهلاك العالم اليوم للنفط. وللعلم فإنه قد يكتشف الإنسان الأوروبي العنيد بديلا عن النفط ويجعل سعره أرخص من سعر الكلام العربي.
يمر اليوم أكثر من خمسين سنة على استخراج النفط في الكويت، لن استخدم سؤال روكفلر الشهير، لكن سأستخدم سؤالا يخص كل كويتي: ما هو البديل عن النفط؟ نريد أن نتوقف عن غباء الاعتماد على هذا السائل الأسود، أن نفترض نضوبه مبكرا، كيف نقف على أرجلنا، وما هي الوسائل التي وجدتها حكومتنا التي تتشاغب مع مجلس الأمة على أمور ساذجة، ما هي تطلعات نوابنا لهذه القضية، بعيدا عن التكسبات الانتخابية؟
تمتاز الكويت بمكانها الإستراتيجي فقط، أي إنها لا تملك امتيازا آخر، لا هي زراعية، ولا هي متوافرة المراعي، ولا متدفقة المياه، وليس جوها معتدلا ولا إنسانها مجتهدا. ومن المعلوم أنها أهملت منابع اقتصادها القومي قبل النفط، مثل صناعة السفن، والتجارة، وصيد الأسماك. فإذا انتهى النفط ونحن نفرقع أصابعنا سنكون في ورطة حقيقية أمام مشكلة الانقراض.
ما هو البديل؟ سؤال جيد فات روكفلر. تقدُّم العلم، وتوافُر المال الذي جاء مع النفط يمكنه إيجاد البديل إذا أخلصنا النوايا وتخلصنا من عبء مهاتراتنا في الدواوين، إذا أردنا أن نكون بلدا منتجا، فيه موظف منتج، فيه مسؤول منتج، فيه وزير محترم منتج، يجب أن نبدأ بتغيير نمط حياتنا للأفضل، نحو العمل الجاد، نقلل من قتل الوقت في الدواوين، نبتعد عن زخرف الدنيا كالترف وحب الخيلاء، نعبد الله في العمل أكثر من عبادته في الصلاة، المسألة أخلاق قبل كل شيء، ثم نأخذ بالأسباب وننظر في ما حولنا.
يضع كولن كامبيل في كتابه «نهاية عصر البترول» خمسة حلول بديلة عن النفط، والغريب أنها متوفرة لدينا بشكل فوق العادة:
1 – الطاقة الشمسية. شمسنا فوق مستوى تصور كولن كامبيل.
2 – الطاقة الهوائية. سيبكي لو عرف معنى كلمة «عجاج».
3 – الطاقة البحرية «الموج». متوفر.
4 – الحرارة الكامنة في الأرض. شيء لم نصل لمعرفته حتى الآن.
5 – الطاقة النووية. أثبتت خطورتها في اليابان.
كما أن طرق تسخيرها لخدمة الإنسان متوفرة، فقد قامت المملكة المتحدة باستخدام طاقة الهواء بنجاح، وقامت أميركا باستخدامها أيضا بمستوى نجاح يفوق الخيال. السويد أطلقت في الأمس طائرة على الطاقة الشمسية، الطاقة الشمسية تستخدم على نطاق ضيق في بلاد الشام، فقط لتسخين خزانات المياه، لكنها تجربة ممتازة. والنماذج كثيرة في هذا المجال.
هذا في ما يخص الطاقة، أما في ما يخص استغلال موقعنا الاستراتيجي، فنستطيع أن نكون دولة تجارية في المرتبة الأولى، لو ابتعدنا عن معضلة «الحسد».
هذه الحلول كتبتها وأنا متكئ وأضع رجلا فوق رجل في مكتبتي المتواضعة، فما بالك لو قام فريق حكومي مختص ببحث الموضوع بأدوات أكاديمية عصرية.
الوقت يمر، والشمس تدور بعجلة السنين، وساعة الاقتراب لا تتوقف، والموضوع مصيري في الدرجة الأولى ووطني في الدرجة الثانية، لا ننشغل عنه لمواضيع سخيفة مثل استجواب وزير أو حرق إطارات أو صفقة فاشلة.
لو أن روكفلر في الكويت اليوم لتساءل معي: هل سيكون مصير الكويت مثل مصير مدينة بيتهول؟
(الكويتية 12 يونيو 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*