ما السبيل لإيقاف هذا النزيف؟

د.عبد الوهاب السعدون


تحذير وكالة الطاقة الدولية منتصف الشهر الماضي من احتمال تراجع إمدادات النفط السعودية مستقبلا بسبب زيادة اعتماد المملكة على استخدام النفط في توليد الطاقة الكهربائية أثار ردود فعل محلية متباينة، بعضها مشكك والآخر محذر من استنتاجاته، لكنه بتقديري – وبغض النظر عن دوافعه ومصداقية تقارير الوكالة التي تتبنى مصالح الدول الصناعية المستهلكة للنفط – لم يبتعد كثيرا عن الواقع، وبالتالي ليس من الحكمة التعامل معه بحساسية، بل على العكس يجب اعتباره جرس إنذار للتحذير من احتمالات قد تتحقق إذا لم يتم ترشيد الاستهلاك الجائر للنفط في المملكة.


وأهمية الموضوع تنبع من أن موارد النفط والغاز كانت وراء النهضة الاقتصادية الكبيرة التي حققتها المملكة في العقود الماضية وإذا ما استمرت معدلات الاستهلاك المحلي في مساراتها الحالية المرجحة من المتوقع أن يحصل انكماش في الصادرات النفطية ما يؤثر بدوره على الإيرادات النفطية التي تشكل الجزء الأكبر من إيرادات الخزينة العامة بما ينعكس سلبا على قدرة المملكة مستقبلا على المحافظة على مستويات الإنفاق العالية الحالية بشقيها الاستثماري والاستهلاكي.


وهذه المقالة تقدم قراءة تحليلية للبيانات التاريخية للاستهلاك المحلي للنفط وسيناريو نمو الاستهلاك المحلي خلال العقدين المقبلين مع التطرق لانعكاسات ذلك على الاقتصاد الوطني وتقديم رؤية لما يجب عمله لتفادي التداعيات السلبية لهذه الظاهرة.


الاستهلاك المحلي للنفط .. المملكة السادسة عالميا في عام 2010!


في شهر حزيران (يونيو) الماضي أصدرت شركة بريتش بتروليوم تقريرها الإحصائي للطاقة في العالم لعام 2011 BP Statistical Review of World Energy 2011، الذي يعد أحد المراجع الدورية العالمية المهمة في قطاع الطاقة.


وتضمن التقرير فصلا خاصا ببيانات الإنتاج والاستهلاك المحلي للنفط لعام 2010 لدول العالم وبضمنها المملكة. ووفقا للتقرير فإن معدل الاستهلاك المحلي من النفط في المملكة لعام 2010 كان 2.81 مليون برميل يوميا مرتفعا عن مستوى عام 2009 البالغ 2.62 مليون برميل يوميا. وهذه الزيادة الملحوظة في الاستهلاك المحلي تشكل نسبة نمو سنوي مقدارها 7.1 في المائة، وهي نسبة عالية بالمقاييس العالمية تمثل أكثر من ضعف معدل نمو الاستهلاك العالمي للنفط في عام 2010 الذي بلغ 3.1 في المائة.


وتشكل تلك الزيادة استمرارا لنمو مطرد في معدلات الاستهلاك المحلي للنفط تم تسجيله خلال العقد الماضي وبالتالي نحن أمام ظاهرة تستحق التوقف عندها لبيان أمرين:


1 الأول أن النمط الحالي للاستهلاك المحلي للنفط قفز بترتيب المملكة ضمن أكبر الدول المستهلكة للنفط في العالم، فبعد أن كانت تحتل المركز الرابع عشر عالميا في عام 2000 ارتفع ترتيبها في عام 2010 إلى السادس بعد الولايات المتحدة والصين واليابان والهند وروسيا حسب البيانات المدرجة في الجدول (1).


وشارك المملكة في التقدم في سلم الترتيب – وإن بدرجات أقل – كل من الصين والهند والبرازيل وكندا، فيما تراجع ترتيب كل من ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية قياسا بمستويات عام 2000.


والجدير بالإشارة هنا أن الدول الأربع التي تلي المملكة في الترتيب ضمن أكبر عشر دول مستهلكة للنفط في عام 2010، هي : البرازيل، وألمانيا، وكوريا الجنوبية وكندا جميعها تتقدم على المملكة بمراحل في عدد السكان والتقدم الصناعي ومستوى الدخل الفردي، وهي عوامل ترتبط باستهلاك كميات أكبر من النفط، وبعضها دول نفطية مثل كندا ومع ذلك تستهلك المملكة كميات أكبر مما تستهلكه تلك الدول الصناعية! والمؤشر الآخر ذو الصلة يكمن في معدلات النمو في الاستهلاك المحلي للدول العشر خلال العام 2009-2010 والتي تظهر أن المملكة احتلت المركز الرابع في نسب النمو الاستهلاك المحلي بعد الاقتصادات الناهضة: الصين، والبرازيل، وروسيا التي تراوحت النسبة فيها بين 9.2 – 10.4 في المائة، فيما كانت نسب النمو في الدول الصناعية متواضعة نسبيا وتراوحت بين 1.1 – 2.5 في المائة.


2 والثاني أن النمو الكبير في الاستهلاك المحلي للنفط في المملكة خلال العقد الماضي يعكسه تحقيق المملكة ثاني أكبر زيادة في حجم الاستهلاك بعد الصين التي ارتفع فيها مستوى الاستهلاك بمقدار 4.2 مليون برميل، فيما كانت الزيادة في المملكة نحو 1.23 مليون برميل يوميا مقارنة بمستويات استهلاك عام 2000، وجاءت الزيادة في الهند في المرتبة الثالثة وبفارق 1.1 مليون برميل عن مستويات الاستهلاك فيها عام 2000.


والسؤال هنا: هل حققت المملكة خلال العقد الماضي نموا اقتصاديا بمعدلات مماثلة لنمو الاقتصادين الصيني والهندي تبرر هذا النمو الكبير في استهلاك النفط محليا؟؟ والجواب يأتي من مقارنة معدل النمو السنوي للناتج الإجمالي المحلي في البلدين خلال العقد الماضي الذي تراوح بين 8 – 10 في المائة فيما كان في المملكة 3.4 في المائة مرتفعا من 633 بليون ريال في عام 2000 إلى 880 بليون ريال في عام 2010! في المقابل وحسبما موضح في الشكل (1) تراجع الاستهلاك المحلي في ثلاث من الدول العشر الأكبر استهلاكا للنفط، وهي اليابان والولايات المتحدة وألمانيا وبنسب متفاوتة.


وكان أكبر انخفاض من نصيب اليابان التي تراجع استهلاكها بمقدار 1.08 مليون برميل عن مستواه في عام 2000 تلتها الولايات المتحدة بخفض بلغ 550 ألف برميل يوميا، ثم ألمانيا بخفض بلغ مقداره 330 ألف برميل يوميا.


وتحقق الخفض في هذه البلدان جراء تنفيذ برامج وسياسات تحسين كفاءة استخدام الطاقة ونمو حصة الطاقة المتجددة في منظومة الطاقة.


ولا تكتمل الصورة دون مقارنة معدلات الإنتاج والاستهلاك المحلي للنفط خلال الفترة 2000-2010 في المملكة مع عدد من دول الخليج الأعضاء في منظمة الأوبك والمدرجة في الجدول (2) والتي تبين ما يلي:


  1. ارتفع إجمالي الاستهلاك المحلي من النفط في المملكة من 1.58 مليون برميل يوميا في عام 2000 تمثل 16.6 في المائة من إجمالي الإنتاج إلى 2.81 مليون برميل يوميا تشكل نحو 28.1 في المائة من إجمالي الإنتاج اليومي من النفط بنهاية عام 2010. في المقابل حافظت معدلات إنتاج النفط في المملكة خلال العقد الماضي على مستوياتها وكانت بحدود 10.1 مليون برميل يوميا.

  2. كانت حصة الاستهلاك المحلي نسبة إلى إجمالي الإنتاج بنهاية عام 2010 في كل من إيران والمملكة هي الأعلى خليجيا وبمعدلات تزيد عن 42 في المائة و 28 في المائة على التوالي. ولعل القاسم المشترك بين البلدين الذي أسهم في بلوغ هذه النسب العالية من الاستهلاك المحلي يكمن في الدعم المقدم لأسعار النفط والمشتقات النفطية في كلا البلدين.


في المقابل تراوحت تلك النسبة لدول أوبك الخليجية الأخرى ما بين 14 و16 في المائة لكل من قطر والكويت على التوالي، فيما بلغت 23.8 في المائة في الإمارات.


وكانت أعلى نسبة نمو في الاستهلاك للنفط خلال هذه العقد في المملكة وبزيادة 12 في المائة عن مستويات عام 2000؛ ما أدى إلى اقتراب المملكة اليوم من استهلاك نحو ثلث إجمالي إنتاجها اليومي من النفط.


والمسار التصاعدي الذي سجلته بيانات الاستهلاك المحلي في المملكة خلال العقد السابق والمدرجة في جدول (2) يشير بوضوح إلى عدم قدرة المملكة على الإفلات من قبضة تزايد الطلب محليا على النفط مع بقاء مستويات الإنتاج ثابتة ما قد يقود إلى أوضاع حرجة مستقبلا إذا لم يتم التعامل مع النمو الجائر في الاستهلاك المحلي للنفط بما يستحقه من اهتمام.


دعم الأسعار.. وأثره على تنامي الاستهلاك المحلي


بعد استعراض بيانات الاستهلاك المحلي للنفط يبرز السؤال المحوري في هذا الشأن، وهو: ماذا يعني ارتفاع معدل استهلاك الطاقة في دولة ما؟


إنه يشير إلى تحسن مستوى المعيشة الذي بدوره يعني استخداما أوسع وأكبر لوسائل النقل وأجهزة التكييف وأجهزة الحاسب الآلي والأدوات الكهربائية المنزلية، وهو أيضا مؤشر إلى زيادة الإنتاج الصناعي وما يستهلكه من طاقة، لكن في الوقت ذاته يمكن أن يشير إلى تراجع أسعار المشتقات النفطية نسبيا في تلك الدولة، الأمر الذي ينتج منه الإسراف في استهلاكها، خصوصا إذا كانت أسعارها مدعومة كما هي الحال في المملكة.


وبلا شك فإن دعم المشتقات النفطية وتدني أسعارها في المملكة قاد إلى سوء استغلال على مختلف المستويات؛ ما جعل الغالبية العظمى من المستهلكين يسرفون في استخدامها مع انتفاء الحافز لدى قسم كبير منهم لترشيد الاستهلاك.


وتقتضي الموضوعية الإشارة إلى أن دعم المشتقات النفطية إجراء لا تنفرد به المملكة بل يمتد أيضا إلى عدد من الدول إقليميا وعالميا، لكن العديد منها راجعت أو تراجع سياسات الدعم؛ لأنها أيقنت أنه إجراء ينتج منه تخصيص غير كفء اقتصاديا للموارد الطبيعية، كما ينتج منه اختلال في السوق، إضافة إلى أنه يفشل في كثير من الأحيان في تحقيق الأهداف المرجوة منه.


فأشكال الدعم التي تخفض أسعار المشتقات النفطية في الأسواق المحلية اصطناعيا تشجع الإسراف في الاستهلاك، كما تحفز على غش المشتقات النفطية وتهريبها وتقلل من جدوى الترشيد باستخدام تقنيات كفاءة الطاقة.


إضافة إلى ذلك يشكل الدعم عبئا ماليا على ميزانية الدولة كما يساعد على سرعة نضوب موارد غير متجددة مع ما يشكله ذلك من تراجع لعائدات الدول من تصدير النفط على المدى الطويل.


وفي دراسة حديثة أجرتها وكالة الطاقة الدولية على أنظمة تسعير المشتقات النفطية في 37 دولة تمثل 95 في المائة من الدول التي تدعم أسعار المشتقات النفطية للاستهلاك المحلي لبيان أثر الدعم المقدم لأسعارها على زيادة استهلاك المنتجات المدعومة أظهرت نتائجها أن إجمالي المبالغ التي تخسرها تلك الدول جراء هذه السياسات بلغت في عام 2009 نحو 312 مليار دولار منخفضة عن مستواها في عام 2008 التي كانت 558 مليار دولار نتيجة لإصلاحات أجرتها عدة دول على أنظمة تسعير المحروقات فيها وفي مقدمتها اندونيسيا، روسيا، الصين، والهند وأخيرا إيران التي ارتبطت بأكبر فاتورة دعم للمشتقات النفطية بلغت في عام 2008 نحو 101 مليار دولار تمثل ثلث موازنة الدولة في تلك السنة!! وتقدر الدراسة أن الإلغاء التدريجي للدعم في الدول الـ37 بحلول عام 2015/2016 سينتج منه تراجع الطلب العالمي على النفط بنسبة 5 في المائة بخط الأساس، حيث يبقى الدعم من دون تغيير.


ومن هذا المنطلق سيكون لإصلاح الدعم غير الكفء لنظام أسعار المشتقات النفطية في المملكة أثر ملموس على ترشيد الاستهلاك المحلي، لكن يقف أمام هذا التوجه العديد من العوائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرهقة التي تحول دون تحقيق المكاسب الدائمة.


ويجب أن يكون ذلك ضمن حزمة إصلاحات تتضمن وضع معايير وقوانين لضبط الاستهلاك وتحقيق أعلى درجة من الكفاءة والاستغلال في استهلاك الطاقة، وإدارة وترشيد الاستهلاك وفق منظومة معرفية واجتماعية وبيئية متكاملة وقابلة للقياس والمتابعة بشكل دائم؛ لكي نجعل قطاع الطاقة عند أعلى مستوى من الاستغلال والإنتاجية، وأدنى مستوى من الهدر والأضرار البيئية وغير البيئية.


وفي المحصلة، فإن تخطيط الأولويات في إنتاج واستهلاك الطاقة وفق منظور متدرج يأخذ بالاعتبار المصلحة الوطنية يمثل أفضل الحلول المتاحة لاستغلال الموارد الهيدروكاربونية بالشكل الأمثل تحت مظلة تعظيم العوائد الاقتصادية للمملكة أولا، وتلبية الاحتياجات المحلية ثانيا، وإطالة عمر مصادر الطاقة والثروات الناضبة ثالثا.


الخلاصة: أن معدلات الاستهلاك المحلي المتنامية للنفط والغاز تستدعي معالجة سريعة لتلافي تداعياتها المستقبلية إذا ما استمرت في النمو بنفس وتيرتها السابقة.


ومعالجة هذا الوضع تتطلب الوصول إلى توازن بين الطلب المتزايد على الطاقة وتطوير آليات الضبط والترشيد في استهلاكها، الذي يعد من أهم التحديات التي تواجهها المملكة حاليا ومستقبلا.


ومواجهة هذه التحديات تتطلب اعتماد عدد من الخيارات التي تضمن التوازن ما بين الصادرات النفطية، والتنمية الاقتصادية، والعوائد الاجتماعية وهذا الأمر يتطلب بدوره بلورة سياسة متكاملة للطاقة في المملكة يشارك في صياغتها كل الأطراف ذات العلاقة بما يضمن تعظيم العوائد الاقتصادية والاجتماعية لثروة ناضبة كالنفط والغاز وهذا ما سنتطرق له بشيء من التفصيل في الجزء التالي من هذه المقالة.

(الاقتصادية 22 اغسطس 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*