هل الأزمات المالية مقدمة لأزمة الطاقة الأكثر إيلاماً؟

عثمان الخويطر
يعيش العالم اليوم، من حيث لا يدرك الكثيرون، على حافة الوقوع في أزمة اقتصادية ومعيشية لا يعلم مداها إلا الله، وذلك بسبب النقص المُتوقع في مصادر الطاقة التي هي عصب الحياة، ولا تلمح على الوجوه أثر اهتمام بحالة المستقبل المشترك المجهول. فالمصادر النفطية الرخيصة التي عشنا عصرها الذهبي، منذ أوائل القرن الماضي، أوشكت الآن على إطلاق الإنذار بوصول الإنتاج إلى الذروة التي ما بعدها إلا بداية نقص الإمدادات. هذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وإن حاول البعض استبعاد حدوث أزمة في إمدادات الطاقة خلال المستقبل المنظور، والأمر محسوم بقاعدة ”لكل شيء نهاية”. ويكفي أن نعلم أن دولاً كثيرة كانت منتجة للنفط وتُصدر الفائض عن حاجتها انضمت اليوم إلى قافلة المستوردين، ومنها أمريكا وبريطانيا وإندونيسيا وعدة بلدان أخرى، والباقي على الطريق. والذي سيُحدد الوصول إلى الذروة هو تساوي كمية الاستهلاك العالمي من النفط مع أعلى كمية من الإنتاج، وهو ما يؤكد بعض المتخصصين أنه قد حصل فعلاً وأننا نعيش اليوم فترة ”البلاتو” أو فترة الإنتاج الثابت الذي يسبق بداية الانخفاض. ولعل الكثافة الضبابية التي تُحيط بما تبقى من الاحتياطي النفطي العالمي، ونقصد النفط التقليدي متدني التكلفة، تجعل من الصعوبة بمكان لغير المتخصص متابعة وإدراك حقيقة الوضع الحالي بالنسبة لما هو مُعلن من قِبل المنتجين ومن واقع الأمر. وهذا ما سيتسبب في وجود أزمة ثقة بين الدول المنتجة والدول المستهلكة، أو هو حاصل بالفعل. ويكفي أن نستخدم المنطق لندرك أن أرقام الاحتياطي النفطي للكميات القابلة للإنتاج التي يتداولها الإعلام لم تتغير مقاديرها (تريليون و200 مليار برميل) منذ أكثر من 20 عاماً، على الرغم من أن الكميات الهائلة التي تم إنتاجها خلال تلك الفترة من الزمن، وهو ما يُقارب 500 مليار برميل، وعدم اكتشاف حقول جديدة ذات احتياطي كبير. وربما أن نسبة من المهتمين بشؤون الطاقة أنفسهم لا يدركون أنه حتى رقم التريليون و200 مليار المتداول حالياًّ قد تعرض للتضخيم غير المبرر في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بنسبة تراوح بين 25 و50 في المائة، وعلى وجه الخصوص في دول منظمة الأوبك. ومن المعلوم أن الجديد في تقنية الاستكشاف والإنتاج قد ساهم في إضافة كمية من الاحتياطي النفطي لم يكن ممكناً قبل عقدين من الزمن، ولكن هذه إضافة لا تُساوي قدراً كبيراً بالنسبة لما يقرب من 500 مليار برميل التي تم إنتاجها ولم تُخصم من الاحتياطي العالمي الحالي. وخلال السنوات القليلة الماضية، ظهر الاهتمام باحتياطي ما يُسمى بالنفط غير التقليدي، الذي قد يبلغ عدة تريليونات من البراميل. ويوجد هذا النوع من المادة النفطية في الطبيعة في حالة صلبة ومختلط بين حبيبات الصخور. ولذلك فإن استخلاصه وإنتاجه وتحويله إلى الحالة السائلة عملية مكلفة بالمقارنة مع إنتاج النفط التقليدي الذي عادة يندفع ذاتياًَ بمجرد فتح فوهة البئر. أضف إلى ذلك كون إنتاج النفط غير التقليدي يحتاج إلى نسبة عالية من الطاقة ويتسبب في إحداث تلوث كبير للبيئة المحيطة بمرافق الإنتاج. ومن غير المتوقع أن تتعدى كمية الإنتاج العالمي منه بضعة ملايين برميل في اليوم، ولن يكون بإمكان المنتجين على مدى العقود القادمة تعويض كامل النقص المتوقع من إنتاج النفط التقليدي.
ولكن يظهر أن الشعوب ستظل غارقة تحت تأثير توافر النفط الرخيص، ولن يتنبهوا إلا بعد أن تبدأ الصدمة الأولى وهي قريبة الحدوث – أجارنا الله وإياكم منها. وستتمثل في ارتفاع حاد في أسعار مصادر الطاقة وبداية نقص في الإمدادات النفطية بالنسبة للطلب العالمي المتزايد. والخيار الأمثل لتحاشي وقوع كارثة عالمية بسبب نقص الطاقة هو الإسراع في إيجاد مصادر الطاقة البديلة كرافد للمصادر النفطية. ونود أن نؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ذلك سيكون لصالح مستقبل دوام نفطنا واقتصاد بلادنا. ونقترح أن يكون من أهداف ”مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث النفطية” دراسة تأثير استخدام مصادر الطاقة المتجددة على مستقبل النفط، وخصوصاً في الدول التي لديها كميات كبيرة من المخزون النفطي ويعتمد اقتصادها بنسبة عالية على المصادر النفطية. ونحن واثقون أن أي تأخير في توطين مصادر الطاقة الجديدة سيؤدي إلى سرعة استنزاف ونضوب النفط التقليدي قبل أن يكون العالم قد تمكن من الحصول على ما يسد حاجته من الطاقة، وهذه طامة كبرى.
وليس من قبيل المصادفة أن نشاهد اليوم معظم دول العالم تُعاني أزمات اقتصادية ومالية وانتشار البطالة وارتفاعا فاحشا في مستوى الديون التي تعجز ميزانياتها عن الوفاء بها، مع أن معدل سعر بيع برميل النفط لم يتجاوز 100 دولار لفترة طويلة، فما بالك إذا تجاوز وثبت فوق هذا المستوى وارتفعت تكاليف مصادر الطاقة، في وقت تُعاني فيه تلك الدول مصاعب مالية لا حلول لها. وما حدث منذ أسابيع قليلة من مظاهرات واحتجاجات أمام المرافق المالية في محيط ”وول استريت” في وسط مدينة نيويورك، ما هو إلا بداية لعصر جديد من التعبير عن مخاوف الشعوب من انتشار الفقر وعدم توافر الأعمال. واللافت للنظر أن الإعلام بجميع وسائله لم يُعط هذه المناسبة ما تستحق من الاهتمام، على الرغم من أن هناك احتمالا كبيرا لانتشارها في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى من العالم نظراً لتشابه الظروف. ولو تتبعنا وبحثنا عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى قيام ما يُسمى بالربيع العربي الذي أطاح بحكام وحكومات لم يكن أحد يتخيل أنها ستسقط بتلك السهولة، لوجدنا أن البطالة والفقر كانتا أداتين رئيسيتين في تأجيج نفوس الشباب في تلك البلدان. ومن المؤكد أن إضافة أي ضغوط وصعوبات مالية جديدة بسبب نقص في إمدادات الطاقة سوف – لا محالة – يؤثر سلباً في معدلات النمو الاقتصادي في البلدان الصناعية ويتسبب في انتشار مريع للبطالة التي تقود عادة إلى الفوضى الاجتماعية والفقر وانهيار الأنظمة السياسية، وهو ما لا نتمنى أن يحدث في أي مكان من المعمورة.
وعلى المجتمع الدولي تحمُّل المسؤولية تجاه المستقبل واستنفار الوعي والنظرة الثاقبة لما قد يُخبئه القدر من المفاجآت ويسارع إلى تفادي الانتظار الذي قد تكون عواقبه وخيمة ومُكلفة. ولدينا شواهد كثيرة تُنذر بوقوع أزمة طاقة خلال مدة قصيرة بسبب إسرافنا في استهلاك الطاقة النفطية واعتمادنا الكامل على مصدر واحد معلوم لدى الجميع أنه قابل للنضوب.
(الاقتصادية 15 نوفمبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*