نهاية البترول: نعم لكن بعد غد!

عمان- إنهم يدرسون منحنيات الإنتاج، ويُراكمون المعلومات المتوفرة، ويتبادلون المعلومات على الإنترنت، ويعقدون المؤتمرات من حين لآخر… يُطلَق عليهم اسم أنصار “الذروة النفطية” “peak oil”، تلك اللحظة التاريخية التي يصل فيها الإنتاج النفطي إلى ذروته قبل أن ينهار انهيارا محتوما. فتاريخ التأرجح النفطي- 2006، 2012، أو 2020 – يثير الجدل حتى في أوساط هؤلاء. إنهم يتلقون المدح والإطراء، أو يتعرضون للقدح والسخرية، بحسب الظروف والأحوال.. لكن، هذا ليس مُهِما. فالذهب الأسود مصدرٌ محدود، وطيور الشؤم هؤلاء (بالنسبة لأرباب البترول) سيكونون على حق في النهاية. لكنْ متى؟ تلك هي المسألة برمتها.
والحال أنه في خضم هذا الوفاق الذي يخلط فيه الجيولوجيون حساباتهم المتشائمة بتنبؤات الإيكولوجيين السوداء، إذا بصوت أرباب البترول يدوي من جديد. صوت أقوى إعلاميا –إن لم يكن أكثر إقناعا- من صوت المُشنعين. ففي طبعتها بتاريخ 17 أيلول (سبتمبر) تجرأت صحيفة “ذي ويل ستريت جورنال” The Wall Street Journal فعنونت مقالتها بهذا العنوان: “هل سيكون هناك نفط؟” تحريف بشع لـ “هل سيكون هناك دم؟” الفيلم الذي يروي قصة المستكشف دانييل فلانفيو الحزينة، في كاليفورنيا نهاية القرن التاسع عشر.
ذروة النفط “ليست في الأفق حتى الآن”، هكذا يستخلص صاحب المقال . دانيال يرغين، رئيس كمبريدج لأبحاث الطاقة رجلٌ يعتبره البعض واحدا من أفضل الأخصائيين في قطاع الطاقة. فالسيد يرغين، الذي نشر للتو “السعي: الطاقة، والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث” شخصية متفائلة عنيدة، ومؤمنه بأنه بالإمكان أن نؤخّر لوقت طويل إغلاق آخر بئر نفطي.
لا شك أن تاريخ “ذروة الإنتاج النفطي” قديم قدم البترول. هكذا يقول كاتب المقال. فبعد مرور بضع سنوات على الاكتشافات الأولى في بنسلفانيا على يد إدوين دراك (1859)، اعتقد البعض أن البترول لن يتوفر أبعد من المسيسيبي. ثم جاء عهد الذهب الأسود في تكساس وكاليفورنيا.
وقد تكرر التنبؤ الخاطئ خلال القرن العشرين، بعد الحربين العالميتين. السيد يرغين يستند إلى هذه الأخطاء لكي يهدم أطروحة دعاة “ذروة النفط”. فالذريعة ضعيفة بالنظر إلى نضوب حقول النفط – حقيقية كانت أو مفتعلة- العملاقة، السعودية والعراقية، والمكسيكية.
حوالي 1000 مليار برميل تم ضخها منذ بداية عهد البترول، قبل حوالي مائة وخمسين عاما. وحسب السيد يرغين لقد بقي 5000 مليار برميل أخرى، منها 1400 مليار برميل قابلة للاستغلال ضمن الظروف الاقتصلادية والتقنية الحالية. وبلا شك، سيكون الحجم أكبر مستقبلا. ولذلك يؤكد هذا الأخير بأن الإنتاج سوف يرتفع في العقود القادمة، قبل أن يصل إلى “الذروة” خلال منتصف القرن، لينخفض بعد ذلك تدريجيا.
مثل هذا التفاؤل يستند إلى عوامل كثيرة: تحسينُ فعالية الطاقة التي تسمح بإنتاج المزيد من الخدمات بأقل طاقة ممكنة، والبحث عن مناجم بعيدة عن الشواطئ تقع في أعماق كبيرة تسمح تقنيات الاستكشاف الزلزالي بالتعرف عليها تحت طبقات الملح ( البرازيل، إفريقيا الغربية)، والوعود التي يوفرها العراق الذي لم يُستكشف على مدى ثلاثين عاما من الحرب، ومصادر القطب الشمالي، إذا عرّضنا نظامه البيئي الهش إلى الخطر.
يضاف إلى هذا الاحتياطي المصادر النفطية “غير التقليدي” الهائلة (الرمال النفطية، الصخر الزيتي، النفط الثقيل، الخ.). لكن ثمة حدث حديث العهد لم ينتبه إليه أحد وهو أن منظمة الدول المصدرة للبترول رصدت النفط الثقيل في حوض “أورينوك” في فنيزويلا التي “سلبت” المركز الأول من العربية السعودية.
بعض دعاة “ذروة الإنتاج النفطي” يعترفون أن إضافة هذه المصادر يمكن أن تؤجل الأمد الحتمي لنضوب النفط. “لا ينقصنا البترول”، هكذا يقول جون لارس مولر، مدير شركة “أسبو يو.أس أي”، ردا على السيد يرغين. لكن، لا توجد بالتأكيد “عربية سعودية” نفطية جديدة، وسوف تقوم الشركات الكبرى بإلقاء قواها الأخيرة في المعركة. “عصر البترول، عالي الجودة، ورخيص الثمن، وسهل الاستخراج، انتهى”، يقول السيد مولر. لا بد من مزيد من الاستثمارات، ومزيد من الطاقة لاستخراج المواد الأولية للطاقة التي تباع دائما بسعر أعلى. وعليه، يتعين على القائمين على النفط أن يرفعوا التحديات التقنية، وأن يجازفوا أكثر، سياسيا وماليا. ولا شك أن هذا التأجيل الذي يمنحونه لأنفسهم سوف يجعل تسوية المعادلة المناخية أكثر صعوبة وتعقيدا.
(جون ميشيل بيزات – لوموند)
ترجمة: مدني قصري
الغد 10 اكتوبر 2011 http://alghad.com

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*