جرس الإنذار.. قبل انتهاء النفط


(1)
من شأن وضع حلول جزئية لجزءٍ من مشكلات أو تحديات تقع وسط دائرةٍ أكبر من المشكلات والتحديات، دون المساس بتلك الأكبر، من المؤكد أنه سيفاقم من الاثنتين لاحقاً! كما أن الاستمرار في هذه الحلقة المفرغة، وعدم أخذ العبرة من الفشل المتكرر قد يؤدي مستقبلاً إلى حالةٍ من استعصاء الحلول مهما بلغت تكلفتها!
إليك هذه المتوالية أو قل المعضلة: أفضى تفاقم الاستقدام إلى زيادةٍ خارجة عن السيطرة في سوق العمل المحلية وسيطرة العمالة الوافدة عليها وعلى الأنشطة المرتبطة بها (%90 من القطاع الخاص)، وبضعفٍ كامن في الرقابة والأنظمة التجارية والصناعية؛ أُتيح لتلك العمالة تأسيس وتوسيع أنشطتها (اقتصاد الظل) لا منافس وطنياً لها، لتكون المستفيد الأكبر من انخفاض تكلفة مصادر الطاقة! في موازاتها؛ عجزتْ السياسات الاقتصادية عن تحريك القاعدة الإنتاجية الرديفة للنفط للأعلى، وكيف لها ذلك وقد عملت ولاتزال على إبقاء مواردها المالية الهائلة خارج البلاد (2.3 تريليون ريال 2012م)، وفي الوقت ذاته شرّعتْ الأبواب للاستثمارات الأجنبية لتتدفق على ذات الاقتصاد (700,7 مليار ريال 2012م)، فماذا حدث؟
لقد نتج عن تمركز أغلب الاستثمارات الأجنبية في مشروعات متدنية من حيث القيمة المضافة، والتقنية، ومهارات العمل: (1) ضعف في توظيف العمالة الوطنية (1.3 مليون عاطل 2012م، %60 شهادة ثانوية فأعلى)، و(2) هشاشة الإنتاج (%10.9 صناعات تحويلية 2011م)، و(3) تشوه البيئة الاستثمارية المحلية (أغلب ثروات الأفراد مضاربة “أسهم، عقار”)! و(4) زيادة مفرطة في الاستقدام (سبعة ملايين عامل مقيم، %86 شهادة متوسطة فما دون)، و(5) زيادة الواردات (494 مليار ريال 2011م)، و(6) زيادة تحويلات عوائد الاستثمار الأجنبي والعمالة المقيمة (137 مليار ريال 2011م). ليس هذا إلا عناوين مختصرة جداً للصورة الراهنة اقتصادياً، فهل مازال بعضهم يؤمن بالحل الجزئي (كرفع رسوم الطاقة)، أم يريد الاستماع لما سأذكره في الغد؟!
(2)
تمنى أن أكون قد وفّقتُ بمقال الأمس في إماطة الغطاء عن صلْب تحدياتنا الاقتصادية الراهنة، مع التأكيد هنا، أنَّ أهم ما أردتُّ الإشارة إليه هو أن تلك التحدّيات في تفاصيلها الدقيقة، قد أفضى بعضها إلى بعض! إذاً، فلا حلَّ لأحدها دون حلِّ الآخر.
وأضعُ هنا عنواناً للسبب الرئيس وراء مجمل تلك التحدّيات التنموية والاقتصادية الجسيمة، أننا ندفع غياب (الرؤية الإستراتيجية العامّة) لما نريد أن يكون عليه اقتصادنا الآن وغداً، والتي من المفترض أن تمتاز بـ: (1) انسيابيتها للأسفل بتفرّعاتٍ محددة الكيفية والأهداف، وصولاً لأدنى مرتبة منها. (2) ذات آلية (دورية) للقياس والرقابة والمراجعة لما تحقق وما لم يتحقق. (3) أن يؤخذ بها في الاعتبار عند سنِّ أي نظامٍ، أو اتخاذ أي إجراء أو قرار، وأن لايتم كسرها أو مخالفتها لأي سببٍ كان. (4) أن يُشرَكَ فيها الفرد والمنشأة على حدٍ سواء من الألف إلى الياء عبر كافّة وسائل الاتصال، وتكون جزءاً من مسؤولياتهما، يجنيان ثمرة نجاحها، ويتحمّلان تكلفة فشلها.
شهدنا جميعاً وقْع صدمة (تقرير) واحد على الصغير منّا والكبير، اكتشف الجميع أننا لسنا على أهبة الاستعداد لمرحلة عدم تصدير النفط، أو نضوبه! لكأنه (جرس الإنذار) المبكر، فماذا علينا العمل به الآن؟! تحت مظلة (الرؤية) أعلاه، وأخذاً بالاعتبار واقع التحديات الجسيمة الراهنة أو (التشوهات)، كما اتضح لنا من مقال الأمس، نبدأ فوراً برسم تلك الرؤية الإستراتيجية، وتحديد أهدافها وآلياتها، وموقع (العمل) يبدأ من أروقة المجلس الاقتصادي الأعلى.
إنَّ من حُسْن الطالع إزاء كل التشوهات والتحديات الجسيمة امتلاكنا في الوقت الراهن لمقدراتٍ وموارد هائلة قلَّ أن تجدها لدى بلدٍ آخر، يمكن بالاعتماد عليها -بعد توفيق الله- اختصار عشرات السنين إنجازاً وتقدّماً، لعل من أهم وأبرز تلك المقدّرات: (1) الإنسان السعودي بولائه وشبابه وعلمه. (2) ثرواتنا المالية الهائلة.
– عبد الحميد العمري
(الشرق السعودية 17 و 18 سبتمبر 2012)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*