ما بعد النفط… “واقع” أم خيال؟


الأميركيون كانوا يحبون دائما أن يتخيلوا ما الذي يمكن حدوثه في المستقبل، وقد وجد هذا الميل تجسيداً له في العديد من الفاعليات، بدءاً من المعارض العالمية في بدايات القرن العشرين، إلى مجلة “فيوتشريستك” الشهيرة المعنية بالدراسات المستقبلية في الخمسينيات، إلى أفلام “العودة إلى المستقبل” في الثمانينيات.
وعندما كان الأميركيون يحلمون بما يمكن أن يكون عليه المستقبل، فإن النفط لم يكن من ضمن الأشياء التي تتجسد في تلك الأحلام، وإنما كانوا يتخيلون دوما مستقبلاً خالياً من النفط.
الأميركيون مضطرون لتغيير هذا الاعتقاد الآن، فمع ارتفاع أسعار البنزين في محطات التعبئة المحلية، والمناقشات التي لا تنتهي عما يعرف بـ”ذروة النفط”، إلى الاهتمام العالمي المتصاعد بأنواع الوقود الحيوي… فإن تخيل ما يمكن أن يصبح عليه العالم في المستقبل، من دون التفكير في أمر النفط، بات نوعاً من المستحيلات.
بيد أنه يدور حالياً جدل محتدم مواز حول عالم ما بعد النفط، ومدى قرب هذا العالم وبعده (من الناحية الزمنية بالطبع). فهناك تحليلات تقدر أن عالم ما بعد النفط، سوف يحل في حدود العام 2030، وهناك تحليلات أخرى ترى أنه طالما أن التقنية تعالج باستمرار مسألة التذبذبات في إمداد النفط، فإننا لن نرى نهاية لعصر النفط، من الناحية العملية. لكن هناك جهات موثوق بها، مثل الهيئات الاستشارية، ووكالة الطاقة الدولية، ومجلس الاستخبارات القومية الأميركية، تتوقع أن يرتفع الطلب على النفط لدرجة كبيرة خلال السنوات القادمة، كما تتوقع أن ينخفض عرض النفط وإمداده في نفس الفترة (الخمسة عشر عاماً القادمة) مما يجعل من عملية تخيل عالم ما بعد النفط، مهمة عاجلة من مهام الحاضر.
إن الجمهور اليوم لا يمكنه تخيل عالم خالٍ من النفط. ففي استطلاع رأي أجرته الـ”كريستيان ساينس مونيتور” بالتعاون مع مؤسسة “تي آي بي بي” في شهر سبتمبر الماضي، تبين أن أقل من ربع عدد المستطلعة آراؤهم من الأميركيين يعتقدون أنهم سيرون نهاية لعصر النفط خلال حياتهم، في حين أبدى الأميركيون الأصغر عمراً قلقاً أكبر بصدد هذا الأمر حيث قال 38 في المـئة من أفراد الفئة العمرية 18 -24 إن هناك احتمالاً لأن يروا نهايةً لعصر النفط أثناء حياتهم.
أما خبراء الصناعة النفطية فيعترفون أن وجود إمداد مستقر من النفط لا يعني أننا يجب، أو يفضل، أن نعتمد عليه، وأن عالم ما بعد النفط قد لا يكون حتمية يجب علينا الاستجابة له، والتعامل معه وإنما قد يكون عالما نختار نحن أن نخلقه من تلقاء أنفسنا. وهناك أسباب مقنعة لاتخاذ هذا الخيار، كما يقول “آمي مايرز جاف”، المؤلف المشارك لكتاب “النفط، والدولارات، والديون، والأزمات: اللعنة العالمية للذهب الأسود”، الذي يرى أن “تلك الأسباب تتراوح ما بين تقليص عجزنا التجاري إلى التخلص من عدم الاستقرار في نظامنا المالي، إلى الإحماء الحراري، والرغبة في حماية البيئة”.
ويرى خبراء النفط أن الخيارات التي يجري اتخاذها حالياً بشأن التحول المنتظر في عالم الطاقة سوف يكون لها تأثير عالمي لا محالة، منه تضاؤل نفوذ كبار الدول المصدرة للنفط في العالم. بيد أن هناك نقطة مهمة يتعين ذكرها، وسوف تقلل من أثر ذلك التحول على تلك الدول، وهي أن العديد منها قد أدركت هذه الحقيقة، وتعمل منذ وقت طويل على الانتقال إلى اقتصاد يقوم على تنويع مصادر الدخل القومي، بحيث لا يقتصر على النفط فحسب. وتقوم هذه الدول في الوقت الراهن بإنفاق استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية، سواء للاستخدام المحلي أو لبيعها للخارج.
وهناك العديد من الأسئلة الأخرى المهمة المطروحة على الأميركيين في الوقت الراهن، وهم يتخيلون كيف سيكون عليه المستقبل، أسئلة من نوع: هل سنقوم مستقبلا بتوصيل سياراتنا بمصدر للكهرباء أم أننا سوف نغذيها بوقود مستخرج من بعض النباتات؟ هل سنكون قادرين على الاستمرار في قيادة السيارات أصلا؟ هل سنقوم بطهي طعامنا بالطاقة الشمسية المخزنة؟ وغير ذلك من أسئلة.
على أن تلك الأسئلة والسيناريوهات تختلف باختلاف الأسباب التي تدعو للتحول بعيدا عن أنواع الوقود الأحفوري، كما يرى “باتريك تاكر” المتحدث باسم جمعية المستقبل العالمية، والذي يقول إنه “مع التآكل الواسع النطاق للموارد النفطية، فإن المتوقع أن نشهد انفجاراً في الأسعار، وهو الشيء الذي سيكون له تأثير مختلف عن التأثير الذي كان سيتحقق في حالة ما إذا كنا قادرين على الانتقال نحو مراحل من عصر النفط، كنتيجة لتطبيق تقنيات جديدة ملائمة على سبيل المثال لا الحصر”. هذه التقنيات يتم تجريبها في الوقت الراهن في المؤسسات العاملة في قطاع الطاقة البديلة: ففي معهد “ماساشوسيتس” للتقنية، يقوم اثنان من طلبة الهندسة المعمارية بالسعي لاحتباس الطاقة التي يطلقها الناس عندما يمشون أو يقفزون أو يركضون، على أمل إعادة تدوير هذه الطاقة، واستخدامها في تشغيل الأجهزة الإلكترونية الصغيرة. وفي جامعة “ستيت أوف كاليفورنيا”، يسعى الباحثون إلى تحويل الاهتزازات الناتجة عن حركة المرور إلى طاقة كهرباء قابلة للتخزين. ويتوقع “تاكر” حدوث اختراق في تطبيق هذه التقنيات خلال سنوات.
– جيانا مور : كاتبة أميركية متخصصة في شؤون العلوم والتقنية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة “كريستيان ساينس مونيتور”
(الاتحاد 14 اكتوبر 2011)

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*